غزة

25°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

السرطان ينهش أجسادهم والدواء غائب.. مرضى غزة في سباق مع الموت

مرضى السرطان في قطاع غزة بين الحياة والموت.PNG
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لا يعرف مريض السرطان كم من الوقت يملك لمواجهة مرضه، لكنه يعرف جيدا أن كل يوم يمر من دون علاج قد يسرق منه فرصة جديدة للنجاة، وبينما يحتاج إلى دواء في موعده، وفحص يكشف تطورات حالته، وطبيب يتابع رحلة علاجه، يجد نفسه في غزة أمام واقع مختلف، حيث قد يتحول الحصول على حبة دواء أو موعد للتصوير الطبي أو تصريح للسفر إلى معركة تفوق في قسوتها قدرته على الاحتمال.

هنا، لا يواجه مرضى السرطان المرض وحده، بل يصارعون نقص الأدوية، وتعطل أجهزة التشخيص، وغياب العلاج الإشعاعي، وطول قوائم الانتظار، فضلا عن تحويلات علاجية لا تضمن لأصحابها مغادرة القطاع، وبينما يتقدم المرض داخل أجسادهم، تبقى فرص العلاج معلقة على أبواب المستشفيات والصيدليات والمعابر.

دواء غير موجود.. وانتظار يهدد الحياة

منذ إصابة زوجته بالسرطان، يعيش ماجد أبو عجوة، النازح من حي الشجاعية إلى منطقة السامر، رحلة يومية من البحث والانتظار، محاولا تأمين العلاج الذي تحتاج إليه زوجته، لكن نقص الأدوية وارتفاع أسعار المتوفر منها جعلا هذه المهمة أكثر صعوبة.

يقول ماجد: "إن زوجته تحتاج إلى علاجات خاصة تتناسب مع حالتها الصحية، غير أن الحصول عليها بات رحلة مرهقة تبدأ منذ ساعات الصباح الأولى في المستشفى، ولا تنتهي بالضرورة بالحصول على الدواء".

ويوضح أنهم يقصدون المستشفى مبكرا، وينتظرون ساعات طويلة حتى يحين موعد الطبيب، وبعد الفحص وتشخيص الحالة وكتابة الوصفة، يكتشفون أن العلاج غير متوفر، لا في المؤسسات الصحية الحكومية ولا في الصيدليات الخاصة.

ولا تقف المعاناة عند حدود الدواء، إذ أصبحت الفحوصات والتصوير الطبي عقبة أخرى أمام متابعة حالة زوجته، ويشير ماجد إلى أن جهاز التصوير الوحيد العامل في غزة لا يستطيع تلبية احتياجات المرضى، ما يضطرهم إلى الانتظار فترات طويلة قد تمتد إلى عدة أشهر.

ويقول: "قد أنتظر أربعة أشهر حتى يأتي دوري لإجراء التصوير، وعندما يأتي الدور قد أجد أن الجهاز تعطل، كيف يستطيع مريض السرطان أن ينتظر كل هذه المدة؟ المرض لا ينتظر".

وتزداد مخاوف ماجد مع استمرار تعثر سفر زوجته للعلاج خارج القطاع، رغم حصولها على تحويلة طبية منذ مايو/أيار 2025، موضحا أنها بدأت رحلتها المرضية بمشكلة في القولون، وخضعت لإجراءات وعلاجات، قبل أن يتطور المرض وينتشر إلى الرئة.

ويقول بحسرة: "إلى متى سننتظر؟ هل ننتظر حتى ينتشر المرض أكثر ونفقد فرصة العلاج؟ نحن نعاني من مشكلة المستشفيات والأدوية والأجهزة والتحاليل. كل شيء أصبح صعبا".

ويرى أن ما تعيشه زوجته ليس حالة فردية، بل صورة من واقع صحي ومعيشي قاس يواجهه آلاف المرضى في القطاع، في ظل فقدان مصادر الدخل وتراجع الإمكانيات الطبية وتفاقم الأعباء النفسية.

وناشد ماجد بضرورة العمل على إيجاد حلول تتيح للمرضى الحصول على العلاج أو السفر إلى الخارج، قائلا: «أتمنى أن يجد أي شخص يستطيع مساعدتنا حلا للمنظومة الصحية، وأن يتمكن المرضى من الحصول على العلاج أو الخروج للعلاج في الخارج. لا نريد أن نجلس ونشاهد المريض يموت بين أيدينا".

عام ونصف بلا علاج.. والمرض يصل إلى الرئتين

أما أم محمد، التي بدأت رحلتها مع السرطان عام 2019، فتعرف جيدا معنى أن تتحول المتابعة الطبية المنتظمة إلى انتظار مفتوح على المجهول.

بدأت رحلتها باستئصال الورم، ثم خضعت للعلاج الكيميائي لنحو عام، قبل أن تنتقل إلى مرحلة المتابعة الدورية والفحوصات الطبية؛ لكن الحرب وتدهور المنظومة الصحية قطعا هذه الرحلة، وحرماها من الحصول على الأدوية والمسكنات والفحوصات التي تحتاج إليها.

تقول إن نقص الأدوية لم يعد يقتصر على العلاجات الأساسية، بل امتد إلى المسكنات التي تحتاج إليها لتخفيف آلامها اليومية، مضيفة: "أحيانا لا أجد حتى المسكنات، الألم شديد والصداع مستمر، وهناك أدوية إذا لم أحصل عليها تتأثر حالتي بشكل كبير، الوضع أصبح صعبا جدا".

وتوضح أنها أمضت نحو عام ونصف من دون الحصول على العلاج اللازم، بسبب عدم توفر الأدوية والخدمات الطبية المتخصصة، قبل أن تعود إلى متابعة الأطباء وتكتشف أن المرض وصل إلى الرئتين.

وتقول: "تركت العلاج لأنني لم أجد العلاج، عندما عدت إلى متابعة الأطباء، اكتشفوا أن المرض وصل إلى الرئتين، لم تكن هناك أدوية، ولا أجهزة تصوير، ولا إمكانيات كافية لمتابعة مرضى السرطان".

وتوضح أنها كانت تحتاج إلى إجراء التصوير الطبي كل ثلاثة أشهر تقريبا، لكن تعطل الأجهزة ونقص الإمكانيات حرماها من ذلك، قائلة: "مر عام كامل من دون أن أستطيع إجراء التصوير، لأنه لا توجد أجهزة، خوفي الآن أن ينتشر المرض أكثر، وأن أصل إلى مرحلة لا أستطيع فيها فعل شيء".

وتوجه رسالتها إلى العالم والجهات المسؤولة عن علاج المرضى: "وفروا لنا العلاج، واعملوا المستحيل من أجل المرضى، نحن لا نطلب ذلك لأنفسنا فقط، بل لكل مرضى السرطان في غزة. نحتاج إلى الأدوية وأجهزة التصوير والفحوصات اللازمة حتى نستطيع الاستمرار في العلاج".

أزمة تتجاوز نقص الأدوية

من واقع عمله ومتابعته لأوضاع المرضى، يصف الدكتور محمد إبراهيم أبو ندى، مدير مركز غزة للسرطان، المشهد بأنه أزمة صحية مركبة، تتداخل فيها صعوبة الحصول على العلاج مع نقص الأدوية وتعطل أجهزة التشخيص، فضلا عن القيود المفروضة على سفر المرضى إلى خارج القطاع.

ويقول إن نحو 18 ألف مريض سرطان كانوا مسجلين في قطاع غزة، فيما يوجد حاليا نحو 11 ألف مريض مسجلين في سجلات مركز غزة للسرطان، سواء في مستشفى ناصر أو مستشفى الشفاء، مشير إلى أن نحو أربعة آلاف مريض لديهم تحويلات علاجية إلى خارج القطاع، لكن أعداد الذين تمكنوا من السفر لا تزال محدودة للغاية.

ويؤكد أبو ندى أن انقطاع أدوية العلاج الكيميائي والمناعي يمثل أحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يؤدي غياب العلاج أو تعذر السفر للحصول عليه إلى تأخر التدخل الطبي، بما يتيح للمرض الانتشار والتطور داخل الجسم.

ويفيد بأن وفيات مرضى السرطان تضاعفت خلال الحرب إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بمستوياتها قبل الحرب، عازيا ذلك إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها نقص العلاج وصعوبة السفر، إلى جانب تدهور الظروف المعيشية والتغذوية والنفسية والبيئية.

ولا تقتصر الفجوة العلاجية على الأدوية، إذ يشير أبو ندى إلى أن العلاج الإشعاعي غير متوفر داخل قطاع غزة، رغم حاجة نحو 40 بالمئة من مرضى السرطان إليه، ما يجعل مغادرة القطاع ضرورة طبية لهذه الفئة، وليس مجرد خيار علاجي إضافي.

ويضيف أن نحو 400 مريض سرطان يحتاجون إلى مغادرة القطاع بصورة عاجلة، إلى جانب نحو 120 طفلا مصابا بالسرطان يواجهون صعوبات في الوصول إلى العلاج خارج غزة.

ويختصر أبو ندى واقع المرضى في ما يصفه بـ"الدائرة المغلقة"؛ فالمريض يحتاج إلى العلاج، والعلاج غير متوفر، فيصبح السفر ضرورة، لكنه لا يستطيع مغادرة القطاع، بينما يستمر المرض في التقدم.

80 بالمئة من احتياجات العلاج الكيميائي غير متوفرة

وعن حجم النقص في الأدوية، يوضح مدير مركز غزة للسرطان أن العجز في أدوية العلاج الكيميائي، الذي كان يقدر بنحو 50 بالمئة قبل الحرب، ارتفع حاليا إلى نحو 80 بالمئة، ما يعني أن المتوفر لا يغطي سوى 20 بالمئة من الاحتياجات.

ويشرح أن العلاج الكيميائي لا يقوم على دواء واحد، بل يعتمد على بروتوكولات علاجية تتضمن مجموعة من الأدوية المترابطة، وبالتالي فإن فقدان دواء واحد أو أكثر قد يجعل البروتوكول غير مكتمل، ويضطر الأطباء أحيانا إلى اللجوء لبدائل أقل ملاءمة للحالة الصحية للمريض.

ويشير إلى أن محدودية الخيارات العلاجية دفعت القطاع الصحي، في بعض الحالات، إلى استخدام أدوية منتهية الصلاحية بعد الرجوع إلى الجهات المختصة، باعتبارها خيارا اضطراريا في ظل غياب البدائل، وهو إجراء لا يمثل ممارسة طبية مقبولة في الظروف الطبيعية، لكنه يعكس حجم النقص الذي وصلت إليه المنظومة الصحية في القطاع.

ويرى أبو ندى أن مواجهة الأزمة تتطلب مسارين متوازيين؛ أولهما السماح للمرضى الذين تستدعي حالاتهم العلاج خارج غزة بالمغادرة العاجلة، وثانيهما إعادة توفير سلسلة متكاملة من الخدمات التشخيصية والعلاجية داخل القطاع، بما يشمل الأدوية وأجهزة الفحص والعلاج الإشعاعي، لضمان التعامل مع الحالات التي يمكن علاجها محليا.

ويشدد على أن مرضى السرطان لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر حاجتهم إلى ضمان حقوقهم الأساسية في التشخيص والعلاج والسفر والتغذية والعيش في ظروف إنسانية وآمنة.