على مدى العقدين الماضيين، عززت الأزمات العالمية المتعاقبة الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لدول الخليج العربي، لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026 وضعت هذه الدول أمام اختبار غير مسبوق، وأثارت تساؤلات بشأن مستقبل تحالفاتها الأمنية وقدراتها الدفاعية ومرونة اقتصاداتها.
وبحسب تقرير استراتيجي صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) بعنوان: "الخليج في حالة حرب"، شكّلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران عام 2026 نقطة تحول في البيئة الأمنية والاقتصادية لدول الخليج، بعد أن تحملت جانبًا كبيرًا من تداعيات الرد العسكري الإيراني على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية.
كما تكبدت دول الخليج خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.
ويرى التقرير أن الحرب تمثل واحدة من أشد الصراعات العسكرية والاضطرابات الاقتصادية التي واجهتها دول الخليج خلال معظم القرنين العشرين والحادي والعشرين، ما قد يترك آثارًا عميقة على سياساتها الخارجية والدفاعية والاقتصادية.
فعلى مدى العقود الماضية، نجحت دول الخليج في بناء اقتصادات منفتحة ومترابطة مع الأسواق العالمية، وأصبحت جزءًا أساسيًا من سلاسل إمداد الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية.
وفي المقابل، استندت استراتيجياتها الدفاعية منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي إلى افتراض أن الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها والضمانات الأمنية التي تقدمها واشنطن يوفران الحماية اللازمة في مواجهة التهديدات الخارجية.
كما راهنت هذه الدول على أن أهميتها المتزايدة لأمن الطاقة العالمي، واستثماراتها الخارجية، ونفوذها في العواصم الدولية، ستدفع القوى الكبرى إلى التدخل لدعمها في حال تعرضها لأزمة أو صراع.
وقد عزز هذا الشعور بالأمان قدرة دول الخليج على تبني رؤى اقتصادية طموحة تعتمد على التكنولوجيا وتنويع مصادر الدخل، بهدف تقليص الاعتماد على النفط والغاز مستقبلًا.
ويشير التقرير إلى أن الحرب مع إيران وضعت هذه الافتراضات موضع اختبار، وكشفت حدود النماذج التي اعتمدتها دول الخليج في إدارة سياساتها الخارجية والدفاعية والاقتصادية، كما أثرت في صورة الاستقرار والثقة التي سعت إلى ترسيخها داخليًا ودوليًا.
ورغم ذلك، أظهرت دول الخليج قدرة على الحفاظ على استقرارها الداخلي واستمرار عمل مؤسساتها خلال الحرب.
فقد ظلت أعداد الضحايا محدودة، ولم تشهد المجتمعات حالة ذعر واسعة أو أعمال عنف بتحريض إيراني، كما استمرت الخدمات الحكومية دون انقطاع، رغم الاضطرابات التي طالت بعض جوانب الحياة اليومية.
وفي مواجهة هذه التحديات، اتخذت دول الخليج إجراءات عاجلة شملت تعزيز التحالفات الإقليمية، وتطوير قدراتها على التصدي للطائرات المسيّرة، وتوسيع البنية التحتية للطرق البديلة لنقل الإمدادات، وإعادة توزيع مواقع مشاريع البنية التحتية الحيوية المخطط لها للحد من تعرضها للمخاطر.
ويخلص التقرير إلى أن التحدي الأكبر لا يقتصر على التعامل مع التداعيات المباشرة للحرب، بل يمتد إلى إعادة صياغة السياسات الخارجية، وتحديث المنظومات العسكرية، ومراجعة الأولويات الاقتصادية، بما يعزز قدرة دول الخليج على مواجهة الأزمات المستقبلية في بيئة إقليمية ودولية تتسم بتزايد التقلبات وعدم الاستقرار.