اد سمير مصطفي ابومدلله
جامعة الأزهر –غزه
عضو الأمانة العامة لاتحادالاقتصاديين الفلسطينيين
لم تعد أزمة غزة تقتصر على الدمار والبطالة والفقر ونقص المساعدات، بل باتت تمتد إلى طريقة إدارة التجارة وإدخال البضائع، ومن يتحكم في الاستيراد، ومن يملك حق الوصول إلى السوق، ومن يدفع كلفة هذه المنظومة. خلف الشاحنات والتنسيقات والأموال المتداولة يوجد صندوق أسود يحتاج إلى كشف ومساءلة.إن الأرقام تكشف حجم الاختلال. فوفق بيانات الغرف التجارية والقطاع الخاص، لم يتجاوز متوسط دخول الشاحنات إلى غزة 191 شاحنة يومياً خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، مقابل احتياج مقدر بنحو 600 شاحنة، أي بعجز يقارب 68%. كما انخفض عدد التجار القادرين على إدخال البضائع، وفق البيانات المتداولة، من أكثر من ألفي تاجر قبل الحرب إلى نحو عشرة تجار حالياً، وتقلصت الأصناف.
المسموح بإدخالها من أكثر من عشرة آلاف صنف إلى قرابة 200 صنف.الأخطر ما أعلنته الغرف التجارية والقطاع الخاص بشأن تجاوز المبالغ المدفوعة ضمن ترتيبات تنسيق إدخال البضائع 2.06 مليار دولار منذ بداية الحرب وحتى 26 يوليو 2026.هذا المبلغ يعادل تقريباً ضعف ما يحتاجه قطاع غزة كاملاً لإعادة إعمار شبكة المياه والصرف الصحي، ومع ذلك لا توجد حتى اليوم وثيقة رسمية واحدة منشورة توضح كيف تم جمعه أو أين صُرف.نحن أمام رقم ضخم يستدعي الكشف عن طبيعة هذه الأموال، والجهات التي حصلت عليها، وأوجه إنفاقها، ومدى قانونية آليات تحصيلها. إن ما يجري لا يمكن اختزاله في خلاف حول عشرة آلاف شيكل عن كل شاحنة، أو إلزام التجار ببيع نسبة من البضائع نقداً. فهناك اتهامات إسرائيلية بفرض هذه المبالغ، يقابلها نفي حكومي في غزة لفرض ضرائب جديدة، وتوصيف المبلغ بأنه مساهمة مجتمعية اختيارية. وبين الروايتين تبقى الحاجة إلى تحقيق شفاف ومستقل، لأن التجارة ليست ملكاً لأي جهة، وأموال المواطنين ليست مجالاً للتصرف الغامض أو الابتزاز.وفي الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل المسؤولية الإسرائيلية عن التحكم بالمعابر، وتقييد دخول السلع والأصناف ومستلزمات الإنتاج، وتعطيل حركة التجارة. فإسرائيل تتحكم فعلياً في جانب أساسي من تدفق البضائع إلى القطاع، وأي توقف أو تعطيل ينعكس مباشرة على الأسواق وحياة السكان. وقد أدى توقف دخول الشاحنات التجارية في أكتوبر الماضي على خلفية الخلاف بين التجار والجهات المعنيةبالتنسيق، إلى أزمة اقتصادية وارتفاع في الأسعار.لكن ماذا يعني كل ذلك للمواطن الغزي؟
يعني أن الأسرة التي فقدت منزلها ومصدر دخلها تواجه اليوم سوقاً لا تملك القدرة على الشراء منها. ويعني أن رب الأسرة العاطل عن العمل يقف عاجزاً أمام أسعار الغذاء والدواء والملابس
واحتياجات أطفاله. فوجود السلعة على رف المتجر لا يعني أن المواطن قادر على شرائها، وتوافر البضائع لا يعني تحقق الأمن الغذائي.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة خطورة هذه المفارقة؛ إذ يواجه أكثر من 1.4 مليون إنسان، أي نحو 67% من سكان القطاع، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي خلال النصف الثاني من عام 2026. كما أعلن برنامج الغذاء العالمي اضطراره إلى تقليص المساعدات الغذائية بنحو الثلث، ما حرم قرابة نصف مليون شخص من الوصول إلى مساعدات حيوية.وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن 90% من السكان يعتمدون على المساعدات الغذائية، وأن 44% من الأسر التي شملها الرصد أفادت بأنها نامت جائعة مرة واحدة على الأقل، فيما قالت 45% إنها نفدت لديها المواد الغذائية تماماً مرة واحدة على الأقل خلال فترة الإغلاق.هذه ليست أرقاماً عابرة؛ إنها حكاية أطفال يذهبون إلى النوم دون وجبة كافية، وأسر تضطر إلى الاستدانة لتوفير احتياجاتها، ومرضى يعجزون عن تأمين الدواء، وعائلات لم تعد تعرف كيف ستدبر احتياجات اليوم التالي.ومع دخول فصل الشتاء، لا تعني الأزمة نقص الغذاء فقط، بل تتحول إلى أزمة مركّبة: خيمة لا تقي من المطر، وملابس شتوية أسعارها فوق قدرة الأسرة، ووقود تدفئة غير متوفر، وأطفال ينامون على أرض مبللة.
الجوع في الصيف معاناة، والجوع في الشتاء خطر على الحياة.والأزمة لا تقف عند الفئات الأشد فقراً؛ فقد اتسعت دائرة الفقر لتطال شرائح واسعة من الطبقة الوسطى التي فقدت وظائفها ومدخراتها ومشروعاتها ومصادر دخلها. وهكذا تتآكل الطبقة التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من التوازن الاقتصاديوالاجتماعي في غزة، وتتسع الفجوة بين من يملك القدرة على الوصول إلى البضائع ومن لا يملك ثمنها.إن استمرار هذه المنظومة يعني تكريس اقتصاد مشوه، يقوم على الاستيراد المحدود والتنسيقات والوساطة، بدلاً من الإنتاج والعمل والمنافسة.
كما أن حصر الاستيراد في عدد محدود من التجار، إذا تأكدت هذه الأرقام، يفتح الباب أمام تركّز السوق وإضعاف المنافسة وتحميل المستهلك أعباء إضافية.إن المطلوب ليس تبادل الاتهامات، بل فتح الصندوق الأسود للتجارة في غزة، وكشف مسارات الأموال والتنسيقات، وإعلان قوائم التجار والسلع المسموح بها، وضمان تكافؤ الفرص والمنافسة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاستغلال أو الابتزاز. وفي المقابل، لا بد من الضغط لفتح المعابر أمام السلع والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج دون قيود تعطل حياة الناس والاقتصاد.
ولكي لا يبقى هذا المطلب شعاراً عاماً، نقترح ثلاث خطوات عملية قابلة للتنفيذ فوراً:
أولاً: نشر قائمة رسمية محدثة أسبوعياً بالتجار المصرح لهم والأصناف المسموح بها والأسعار الاسترشادية، حتى يعرف المواطن والتاجر الصغير من أين تأتي السلعة وبأي سعر.
ثانياً: تشكيل لجنة تحقيق مستقلة من الغرف التجارية والمجتمع المدني وخبراء اقتصاد، لتدقيق مبلغ الـ 2.06 مليار دولار ونشر نتائجها للرأي العام.
ثالثاً: فصل المساعدات الإنسانية عن التجارة التجارية، بحيث لا تُستخدم المساعدات كأداة ضغط على السوق، ولا تتحول حاجة الناس إلى فرصة للربح.إن غزة لا تحتاج إلى مزيد من الشاحنات فقط، بل إلى سوق عادلة وشفافة، وتجارة بلا احتكار، واقتصاد لا يتحول فيه الجوع إلى فرصة للربح والنفوذ.فمن غير المقبول أن يعيش المواطن على حافة الجوع، بينما تتحول تجارة احتياجاته الأساسية إلى صندوق أسود لا يعرف من يديره، ولا أين تذهب أمواله، ومن يحاسبه.