في غرفة ضيقة أسفل منزلها بحي الرمال وسط مدينة غزة، تقف هناء الزبدة، البالغة من العمر 48 عاماً، أمام قدر كبير يغلي فيه اللبن، تراقب حرارته بعناية، وتحركه بملعقة خشبية بحركات هادئة متكررة، فيما يتصاعد البخار ويزداد المكان اختناقاً، في ظل تهوية محدودة وتحديات كبيرة.
لا تملك هناء رفاهية التوقف أمام ما يرهقها؛ فعليها أن تراقب اللبن، وتستكمل مراحل التصنيع، ثم تعبئ منتجاتها في الأواني والأكياس، وتزن الكميات قبل وضعها في الثلاجة.
وخلف هذه الصورة من التعب والإرهاق حكاية امرأة فقدت زوجها وشقيقاتها، وخسرت مصدر رزقها ومعدات عملها، ثم وجدت نفسها مسؤولة عن إعالة 10 أفراد من أبنائها وأبناء شقيقاتها.

حلم بدأ بوجبة من اللبن والجبن
قبل عدوان 2023، كانت هناء تنظر إلى مشروعها نظرة أخرى؛ ففي عام 2021، بدأت خطواتها الأولى في صناعة الألبان والأجبان، مدفوعة بشغفها بالطهي ورغبتها في عمل خاص يمنح أسرتها دخلاً أكثر استقراراً؛ دفعها ذلك للإتحاق بدورات تدريبية متخصصة، وتعلُّم طرق إعداد منتجات الألبان، ثم بدأت بإنتاج كميات محدودة تبيعها في محيطها.
تستعيد في حديثها لمراسل "شمس نيوز" أول منتجاتها المعروضة للبيع، حين حمل زوجها الراحل خضر الزبدة اللبن والجبن إلى محل البقالة الذي يملكه؛ وتقول: "كانت التجربة الأولى مثالية.. تذوق زوجي وأقاربنا اللبن والجبن، وأعجبوا كثيراً بالمذاق.. شجعني ذلك على بدء مشروع كانت أيامه هانئة وهادئة وناجحة".
وتدريجياً صار المشروع مصدر دخل للأسرة؛ تطوّر هناء المنتجات، ويساعدها زوجها في تسويقها عبر الإنترنت وتوزيعها على المتاجر إلى جانب السوبرماركت الخاص بهما، لم يكن مجرد تجارة صغيرة تخُصُّها، بل عملاً مشتركاً بين زوجين يبنيان حياة مستقرة، قبل أن تبدد الحرب ذلك الاستقرار.

خسارات لا تتوقف
مع اندلاع الحرب، خسرت هناء مشروعها ومعدات التصنيع، وتوقفت عن الإنتاج نحو ستة أشهر، لم يكن استئناف العمل سهلاً؛ فالحليب، مادتها الأساسية، صار شحيحاً، وانقطعت المواد الخام الأخرى، وجعل انقطاع الكهرباء حفظ المنتجات أصعب.
وبحسب روايتها، تعرضت الألواح الشمسية التي تشغّل بها الثلاجة للقصف مرتين، تقول: "كان أكثر ما يعيقني في بداية عودتي للعمل هو انقطاع المواد الخام، وأبرزها الحليب، فضلًا عن الانقطاع الكامل للكهرباء".
وبينما تحاول إنقاذ مشروعها، كانت حياتها الشخصية تتلقى ضربات أشد، ففي 10 يناير/كانون الثاني 2024، قُصف منزلها ومشروعها ودُمّرا، وفقدت أختها الثانية وزوجها وابنهما وابنتهما، وفق روايتها. ثم استُشهد زوجها خضر في 19 مارس/آذار 2024، خلال اجتياح الجيش الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي، بعدما كان يعمل على بسطة متنقلة في شارع الوحدة ومناطق أخرى لتأمين احتياجات أسرته.
برحيله فقدت هناء شريك حياتها ومعيل الأسرة الأساسي، ثم جاءت خسارات شقيقاتها وأزواجهن لتتسع دائرة الأعباء، وتجد نفسها مسؤولة عن أطفال فقدوا ذويهم؛ إذ لم تعد الخسارة معدات يمكن استبدالها أو مكاناً يمكن ترميمه، بل أشخاصاً غابوا وحياة عائلية تبدلت تفاصيلها، وتختصر ما عاشته بقولها: "فقدت مكان العمل تماماً، وها أنا أعود مجدداً، لكنني عدت مرغمة وسط بحر من الحزن والمسؤولية".

حين يصبح العمل ضرورة للبقاء
عادت هناء إلى سوق يعاني شح المواد الخام وارتفاع أسعارها، وإلى واقع جعل إنتاج الألبان أكثر كلفة وأقل استقراراً، وخلال عام 2024، ومع اشتداد أزمة الغذاء في القطاع، ركزت على الجبنة الكريمي لسهولة الحصول على مكوناتها نسبياً، لكن ارتفاع التكلفة جعل بيعها تحدياً؛ إذ تجاوز سعر الكيلو 100 شيكل.
ولم تكن المواد الخام وحدها ما يحدد قدرتها على العمل، فالقصف والنزوح والخوف تركت آثاراً نفسية وجسدية عليها، وأحياناً كانت الطلبات متاحة وقدرتها على تلبيتها غائبة، وتستذكر فترة اشتد فيها القصف قرب منزلها: "وصلتني طلبات كثيرة لصناعة الجبن والألبان، لكن حالتي النفسية السيئة وخوفي الشديد من حصار الآليات العسكرية لنا منعاني من النهوض لصنع أي شيء، ولاحقاً اكتفت بصناعة اللبن وحده لأنه أسهل في التحضير ولا يتطلب تركيز الجبن نفسه.

أسرة تحولت إلى فريق عمل
مع تزايد المسؤوليات، لم تعد هناء قادرة على حمل المشروع وحدها، فصار أفراد أسرتها جزءاً من الإنتاج والتوزيع، يساعدها ابنها فؤاد في التصنيع، ويتولى محمد توصيل الطلبات، وتشارك ابنتها نور في العمل، ويقدم زوج ابنتها ما يستطيع رغم إصابته في الحرب وبتر ساقه، وقد اضطره ذلك إلى استخدام كرسي متحرك وأوقفه عن العمل فترة.
وتقول هناء: "نقف في المطبخ كلنا معاً ولا نزال حتى اليوم، كل منا له مهمة محددة"، وهكذا تحوّل "الهنا للجبن والألبان" من مشروع تديره وتطمح إلى توسيعه، إلى عمل عائلي يؤمّن احتياجات 10 أفراد.
ولم تُلغِ المشاركة صعوبة الظروف، لكنها أتاحت مواصلة الإنتاج وتوزيع بعض الأعباء، في وقت صارت فيه كل طلبية مصدر دخل ضروريا.

دعم يعيد المشروع إلى الحياة
بعد فترة من العمل بإمكانات محدودة، تقدمت هناء بطلب إلى الغرفة التجارية في غزة، فحصلت على معدات وأدوات ومواد خام أتاحت لها العودة إلى الإنتاج بصورة أفضل وتوسيع عملها، تقول: "كنت بحاجة ماسة لهذا الدعم، خصوصاً بعد خساراتي المادية الفادحة خلال الحرب"، وخصصت غرفة صغيرة أسفل منزلها للعمل بعيداً عن مطبخ البيت، أملاً في تنظيم التصنيع وزيادة الكميات.
لكن المكان لم يكن مهيأً لطبيعة صناعتها؛ فالغرفة ضيقة، حارة، ضعيفة التهوية، ما يضاعف صعوبة العمل، وتحتاج هناء إلى أوانٍ أكبر، وصوانٍ ومصافٍ وأكياس وعلب، وميزان حرارة وميزان للوزن، فضلاً عن المواد الخام، ثم تضيف: «وأحتاج إلى راحة بال، ومكان لا تغمره الحرارة الشديدة"، وفي هذه العبارة تتجاوز احتياجاتها حدود الأدوات إلى ظروف عمل أكثر أماناً وراحة.
بين حرارة الغرفة ومخاوف النظافة
وتفرض صناعة الألبان عناية خاصة بنظافة الأدوات والأسطح، وتجعل الظروف التي تعمل فيها هناء الالتزام بذلك أشق، تقول: «أحرص على نظافة المكان أكثر، أعقم كل شيء باستمرار، يرهقني هذا"، فلا ينتهي عملها بالتصنيع والتعبئة، بل تبذل جهداً مضاعفاً في التعقيم للحفاظ على جودة منتجاتها.
وللوصول إلى الزبائن تعتمد على التسويق الإلكتروني عبر "فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتساب"، سعياً لاستعادة زبائنها السابقين وتوسيع المبيعات، غير أن ارتفاع التكاليف ونقص المواد وضعف القدرة الإنتاجية تجعل ما يحققه المشروع أقل من احتياجات الأسرة، فالمبيعات مهما تحسنت لا تضمن دخلاً ثابتاً يكفي 10 أفراد.

نساء يحملن أعباء جديدة
لا تنفصل تجربة هناء عن التحولات التي طرأت على حياة النساء في غزة. فبحسب بيان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادر في مارس/آذار 2026، ارتفعت نسبة الأسر التي ترأسها نساء من 12% إلى نحو 18% بزيادة 50%، وفقدت 22,057 امرأة أزواجهن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما بلغت البطالة بين النساء الناشطات اقتصاديًا 92% مقابل 81% بين الرجال.
وتعكس الأرقام جانباً من الواقع، لكنها لا تختصر ما تعيشه كل امرأة، وفي حالة هناء تتجسد الأعباء في تفاصيل يومية: البحث عن الحليب، وتوفير المستلزمات، ومواجهة الغلاء، والعمل لساعات طويلة، ثم توزيع دخل محدود على أسرة ممتدة، مع محاولة الحفاظ على فرص الأطفال في مواصلة تعليمهم.

حلم يتجاوز حدود الغرفة
حين تنتهي من إعداد منتجاتها، تضع عبوات اللبن وأكياس الجبن في مكانها استعداداً لإرسالها إلى الزبائن، ثم تفكر في الخطوة التالية، لا يزال حلمها أكبر من الغرفة التي تعمل فيها؛ إذ تقول: "أطمح أن يكبر مشروعي أكثر، وأن أوسع المكان ليكون أكثر راحة لي، وأجلب معدات أكبر، ويصبح لدي أكبر مصنع لصناعة الجبن والألبان في غزة".
قد يبدو الحلم بعيداً، حيث يمكن لنقص مادة خام أو تعطل وسيلة حفظ أن يعرقل العمل، لكنه امتداد لفكرة بدأت قبل الحرب، حين كانت تخطط مع زوجها لبناء مصدر رزق يضمن حياة أكثر استقراراً، واليوم تحاول إعادة بناء تلك الفكرة في ظروف مختلفة تماماً، بعدما صار المشروع من الوسائل القليلة المتاحة لتأمين احتياجات أبنائها وأبناء شقيقاتها ومساعدتهم على التعلم.

تنويه: أُعدت هذه القصة الصحفية بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذه القصة بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.
