لم تُخفِ وسائل الإعلام الإسرائيلية، بمختلف توجهاتها، حالة القلق التي انتابتها عقب الهزيمة التي مُني بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي جرت الثلاثاء الماضي. وتُظهر متابعة التغطيات والتحليلات التي نشرتها الصحف العبرية خلال اليومين التاليين للاقتراع أن الخسارة الجمهورية لم تُقرأ في إسرائيل بوصفها حدثًا سياسيًا أمريكيًا داخليًا فحسب، بل باعتبارها تطورًا قد يحمل تداعيات استراتيجية مباشرة على المصالح الإسرائيلية.
ويتمحور هذا القلق حول ثلاثة عوامل رئيسية. أولها التخوف من تراجع مستوى الدعم الأمريكي لإسرائيل، إذ حذرت صحيفة «معاريف» من انعكاسات محتملة على طبيعة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، فيما رأت صحيفة «إسرائيل هيوم» أن الأغلبية الديمقراطية الجديدة قد تدفع باتجاه تشديد الرقابة على السياسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية.
أما العامل الثاني، فيتمثل في تنامي نفوذ الجناح الديمقراطي الأكثر انتقادًا لإسرائيل، وسط مخاوف من أن يؤدي وصول مزيد من الشخصيات التي تتبنى مواقف متشددة تجاه السياسة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في برامج المساعدات العسكرية وصفقات التسليح التي لطالما شكّلت أحد أهم ركائز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
ويبرز العامل الثالث في التداعيات السياسية المباشرة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فبحسب تقديرات أوساط سياسية في تل أبيب، ثمة خشية من أن تتحول الانقسامات الحزبية داخل الولايات المتحدة إلى مصدر توتر دائم في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ولا سيما أن نتنياهو ربط جزءًا كبيرًا من توجهاته الخارجية وتحالفاته السياسية بإدارة ترامب والحزب الجمهوري خلال السنوات الأخيرة.
وتكمن المفارقة الأبرز في أن إسرائيل، التي اعتادت التعامل مع الدعم الأمريكي باعتباره عنصرًا ثابتًا في معادلة أمنها القومي، تواجه اليوم واقعًا مختلفًا، حيث لم يعد التأييد لها يحظى بالإجماع التقليدي ذاته داخل الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة.
ولا يقتصر القلق الإسرائيلي على نتيجة الانتخابات بحد ذاتها، بل يمتد إلى التحولات المتسارعة داخل الحزب الديمقراطي ومستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية. وفي هذا السياق، أشارت صحيفة «هآرتس» إلى أن ترامب أعلن عشية الانتخابات توصله إلى تفاهم مع نتنياهو يقضي بإنهاء برنامج المساعدات السنوية لإسرائيل، والتي تبلغ قيمتها نحو أربعة مليارات دولار. واعتبرت الصحيفة أن توقيت الإعلان لم يكن عفويًا، بل جاء في إطار محاولة انتخابية لاستمالة الناخبين عبر إظهار معارضة استمرار هذه المساعدات.
وأضافت «هآرتس» أن المشهد السياسي الأمريكي يشهد تحولًا لافتًا، إذ بات بعض المرشحين يتنافسون على إظهار تأييدهم لتقليص أو وقف المساعدات المقدمة لإسرائيل، في وقت انتهى فيه العمل بالاتفاق الذي وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2016، والذي ضمن تقديم مساعدات سنوية لإسرائيل لمدة عشر سنوات.
ورأت وسائل الإعلام العبرية أيضًا أن فوز الديمقراطيين سيؤثر في ملفات إقليمية حساسة، وعلى رأسها العلاقة الأمريكية الإيرانية. ووفق هذه التقديرات، فإن الأغلبية الديمقراطية الجديدة ستصبح عنصرًا مؤثرًا في أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران، كما قد تحدّ من فرص اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران.
وفي السياق ذاته، نقلت المراسلة السياسية ليزا روزوفسكي عن مصادر مطلعة توقعها أن يؤدي اكتساح الديمقراطيين للكونغرس إلى تسريع خطوات وتشريعات أكثر تشددًا تجاه السياسات الإسرائيلية، بما قد يشكل نقطة تحول في العلاقات بين البلدين. وأشارت هذه المصادر إلى أن الأغلبية الجديدة قد تعمل على تثبيت العقوبات المفروضة على المستوطنين خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وربما تعرقل بعض أوجه الدعم الأمني لإسرائيل.
كما نقلت عن دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى قوله إن أي حكومة إسرائيلية، حتى لو لم يرأسها نتنياهو، قد تواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على متانة العلاقات التقليدية مع واشنطن. وفي السياق نفسه، أقر مسؤول إسرائيلي بارز بأن السياسة التي انتهجها نتنياهو ومعاونه المقرب رون ديرمر خلال السنوات الخمس عشرة الماضية أسهمت في توسيع الفجوة مع الحزب الديمقراطي واليهود الأمريكيين وشرائح واسعة من الناخبين الشباب في الولايات المتحدة.
وتدعم الأرقام هذا التوجه؛ إذ أظهرت بيانات نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» أن غالبية الناخبين الشباب صوّتوا للمرشحين الديمقراطيين، حيث بلغت نسبة التأييد 70% بين الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا، و62% بين من تتراوح أعمارهم بين 30 و44 عامًا.
وخلاصة القول إن خسارة ترامب والحزب الجمهوري لا تمثل مجرد تحول انتخابي عابر، بل قد تفرض قيودًا جديدة على سياسات الإدارة الأمريكية المقبلة تجاه الشرق الأوسط، كما تنذر بانتهاء مرحلة من التقارب غير المسبوق بين واشنطن وتل أبيب. ويبقى السؤال المطروح أمام صناع القرار في إسرائيل: هل يمكن ترميم الفجوة المتزايدة مع الحزب الديمقراطي، وإعادة بناء التوافق التقليدي الذي شكل لعقود أساس العلاقة الخاصة بين البلدين؟.