القلق من هجوم داعش على عمان وتهديده أمن إسرائيل والمشاكل الداخلية يدفع تل أبيب لدعم الأردن عسكريًا رغم اعتبار البعض ذلك “خيانة”
تقرير: عادل القاضي
في 10 فبراير الماضي 2015 كتب المحلل الإسرائيلي “عاموس هرئيل” في صحيفة هآرتس الإسرائيلية يقول: “إن هناك مخاوف من أن الحرب التي أعلنها الملك عبد الله ضد تنظيم داعش من المتوقع أن تُفاقم الانقسام الداخلي في المملكة“.
و”إن هناك مخاطر من أن يزيد هذا التحدي الأردني من توجيه داعش أنظاره أكثر على الأردن عبر الحدود مع سوريا، خاصة أن التنظيم له أعوان في محافظات جنوبية بالأردن، وسبق للتنظيم أن نشر تقارير بأسماء طيارين أردنيين طالب باستهدافهم“.
وقال إن تل أبيب تعطي عناية كافية للأردن؛ لأنه لو مر بها تنظيم داعش فسوف يصل إلى إسرائيل بسهولة ويحاصرها من سيناء (الجنوب) ومن الأردن وسوريا، وإن “الخطورة الحقيقية على إسرائيل ترجع لمخاطر انقلاب داخلي في الأردن، وفي ظل وضع اقتصادي صعب، والرغبة في إجراء إصلاحات اقتصادية حديثة تزعج الفقراء، فضلًا عن اقتراب داعش من حدود الأردن“.
ولهذا؛ وكما فعلت إسرائيل بالضغط على الإدارة والكونجرس الأمريكي للإفراج عن صفقة طائرات الأباتشي لمصر بدعوى محاربة مصر إرهاب داعش في سيناء، سعت تل أبيب للضغط على أمريكا لتزويد الأردن بطائرات بدون طيار لقصف تجمعات داعش قرب حدوده، بعدما رفضت الإدارة الأمريكية بقيادة باراك أوباما طلب شركة سلاح أمريكية بتزويد الجيش الأردنيّ بطائرات دون طيّار من تصنيعها، حسبما قالت مجلة “فورين بوليسي”.
التقارير الإسرائيلية والأمريكية قالت إن “إسرائيل” تحدثت مع أمريكا حول الحاجة الملحّة للمملكة الهاشمية للمعدّات الأحدث في حربها ضدّ تنظيم داعش والطائرات دون طيّار من طراز فارديتور التي تصنعها شركة جنرال أتوميكس، والتي تُستخدم بشكل أساسي في المراقبة والتقارير الاستخباراتية، وأيضًا من أجل إطلاق صواريخ هيلفاير التي تستخدمها الولايات المتحدة في الاغتيالات بباكستان وأفغانستان واليمن، وهو طلب قدمه الأردن في ربيع عام 2014، وقوبل بالرفض عندما كانت الحرب ضدّ داعش في ذروتها، وقبل سقوط الطيار الأردني معاذ الكساسبة في أسر داعش وقتله حرقًا.
ووفقًا للتقرير، فقد أرسل عضو في مجلس النوّاب الجمهوري، اسمه دنكن هانتر (من كاليفورنيا) وتعمل شركة جنرال أتوميكس في دائرته الانتخابية، رسالة حادّة إلى الرئيس أوباما وحثّه على إلغاء القرار الذي يحظر على الشركة بيع الطائرة دون طيّار للأردن، وشدّد على أنّ “الأردن هو أحد الحلفاء الأهم في التحالف لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية“، وتبين أنه تحرك بضغط إسرائيلي.
وفي زيارة الملك الأردنيّ عبد الله إلى واشنطن فبراير الماضي التزمت الإدارة الأمريكية بزيادة المساعدات العسكرية للأردن إلى مليار دولار، واشتكى الملك نفسه أمام أعضاء من الكونجرس الأمريكي بأنّ شحنة السلاح للأردن لا تتمّ بالوتيرة المطلوبة، وأرسل هؤلاء رسالة تضغط على وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع تشاك هيجل من أجل التعجيل بالمساعدات.
ولم تنتظر إسرائيل الدعم العسكري الأمريكي؛ لأنها تعتبر سقوط الأردن أخطر تهديد استراتيجي عليها بسبب تلاصق وتداخل الحدود. فوفقًا لتقرير نشرته قناة “سي إن إن” حينئذ، طائرات بدون طيار إلى الحدود الأردنية السورية لمساعدة عمان بجمع معلومات تهدف إلى وقف هجمات متوقعة من قبل داعش من ناحية الحدود الشمالية.
وجاء إرسال الإمارات سربًا من الطائرات لدعم الأردن بعد حرق الكساسبة لتدخل الإمارات ضمنًا في تحالف أردني إسرائيلي؛ حيث نفذت طائرات إماراتية بالفعل عدة ضربات جوية ضد مواقع لتنظيم الدولة داعش.
وحينئذ، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة بدولة الإمارات أن طائرات من سرب F16 المقاتلة التابعة للقوات الجوية الإماراتية والمتمركزة بإحدى القواعد الجوية في الأردن ضربت يوم الثلاثاء مواقع ضد تنظيم داعش؛ محققة أهدافها وعادت سالمة إلى قواعدها.
وما أقلق تل أبيب أيضًا ليس فقط مواجهة الأردن لتهديدات داعش، وإنما مواجهة أكثر من مليوني لاجئ سوري وعراقي يقيمون على حدود الأردن ويخنقون الاقتصاد المحلّي، والمواجهة الداخلية ومحاولة الحفاظ على الوضع القائم بين القبائل الأردنية والسكان الفلسطينيين، والانتقادات للملك تجاه علاقاته مع الغرب، وتغاضيه عن الاعتداءات الصهيونية على الحرم القدسي الشريف، وعلاقة السلام مع إسرائيل، بل ودعم أردنيين بالداخل لتنظيم داعش.
ففي يوم 20 يونيو عام 2014، جرت في معان (جنوب الأردن) مظاهرة رُفعت فيها أعلام داعش السوداء، وكانت العناوين التي تحملها اللافتات ليس فيها لبس: “جمعة دعم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، “معان هي جند الأردن.. مؤيدة للدولة الإسلامية“.
وقد صدرت في المظاهرة صيحات مثل: “الله أكبر”، “الجهاد” و”بالروح بالدم نفديك يا إسلام”. وبعضها الآخر أكثر تمييزًا، ويظهر الطابع الذي لا لبس فيه للمتظاهرين: “لا إله إلا الله والشيعي عدوّ الله” و”السنة أحباب الله”؛ وكلها أثارت قلق إسرائيل قبل الملك حتى بعد الحشد الشعبي ردًا على مقتل الطيار الأردني.
ولم يخف تنظيم داعش نواياه تجاه الأردن، خاصة بعدما شارك ملك الأردن في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة وتنفيذ الهجمات ضدّ أهداف داعش في مثلث الحدود الأردنية والعراقية والسورية.
دعم عسكري إسرائيلي مباشر
ويبدو أن تأخر المساعدات الأمريكية ورغبة تل أبيب في تقوية الأردن دفعاها مباشرة لمنح الأردن 16 طائرة مروحية قتالية قديمة من طراز “كوبرا” لمساعدة المملكة في مواجهة تهديدات داعش على الحدود مع سوريا والعراق، بالتعاون مع أمريكا، معتمدة على قلق الأردنيين من داعش بعد حرق الطيار الكساسبة ومن ثم عدم اعتبارهم هذا التعاون العسكري والدعم الإسرائيلي العسكري “خيانة”.
وكان التقرير يشير بذلك إلى رد فعل الخطاب العام في الأردن في الإعلام المكتوب والإلكتروني وفي مواقع التواصل الاجتماعي علي هذه الصفقة، موضحًا أن تصفح آراء الفيس بوك في الصحيفة اليومية الشهيرة “الغد” كشف عن “ساحة المناوشات الحقيقية التي بين الأردنيين وبين الأردنيين من أصول فلسطينية“.
وقال إن أردنيين اعتبروا المساعدات العسكرية من إسرائيل “مفيدة لمواطني الأردن وأمنهم ضدّ المخاطر الفظيعة التي تهددهم على الحدود المضطربة في الشمال والشرق“؛ ما يعني أنه لا يجوز الحديث عن “خيانة”، خاصة أن معظم سكان المملكة يخشون داعش منذ قضية الطيار معاذ الكساسبة الذي أُحرق حيًّا.
وقال الموقع الإسرائيلي إن المنتقدين للصفقة الأردنية مع إسرائيل أغلبهم من أصول فلسطينية؛ ولهذا يناوشهم الأردنيين بالقول على مواقع التواصل: “من يغضب من الأردن مدعو لأن يسأل الفلسطينيين لماذا يبنون (للإسرائيليين) المستوطنات على أرض فلسطين المقدّسة“.
واتهم فلسطينيون يعيشون في الأردن مجموعة من المتصفّحين الأردنيين بالخيانة، وتساءلوا عما إذا كانت المروحيّات الإسرائيلية المستعملة سبق أن استخدمت لقتل غزيّين أبرياء في الصيف الأخير أم لا.
وذكر عدد كبير من المتصفّحين أنّ إسرائيل تخدم، في نهاية المطاف، مصالحها (وكان هناك من اقترح فحص سلامة المروحيات أو إذا كانت قد وُضعت فيها أجهزة تصنت).