قائمة الموقع

خبر الأزمة الخليجية تعيد خلط التوازنات الإقليمية والدولية

2017-06-10T11:19:21+03:00

بقلم/ حسين حجازي

اشتممنا أثناء عقد قمة الرياض رائحة غير طيبة، وبخلاف الفأل الحسن وتوقعاتنا ورهاننا، فإن القضية الفلسطينية بدت بخلاف قمة الأردن وكأنها وضعت على الهامش، وتم التطرق إليها في هذا المحفل الكبير على استحياء وخجل أو حفظ ماء الوجه.

وأدركت شخصياً، حين تم استبعاد أو تجاهل إعطاء أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني الكلام في إطار هذا الحضور، أن ثمة أزمة صامتة، وشيئاً ما وراء الأكمة، وأن الأمير لم يكن راضياً وبدا لي الأمر بأن ثمة محور يسير في اتجاه أو مقاربة سياسية، وأن محوراً آخر ونحن في ظله ليس "حماس" التي تم ذكرها كحركة إرهابية، وإنما أبو مازن الذي يمثل الفلسطينيين جميعاً. وكانت الإشارة الثانية في هذا الانقسام تمثلت بعدم حضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واكتفائه بإرسال وزير خارجيته، والإشارة الثالثة أن خطاب الملك عبد الله الثاني كان في هذا الاتجاه الآخر بتركيزه على القضية الفلسطينية.

وحين جاء دونالد ترامب من هذه القمة لمقابلة الرئيس أبو مازن في بيت لحم، رأينا، إذا صحت التقارير الإعلامية المسربة في حينه عن "قمة الصراخ"، لقاءً مخالفاً تماماً للقاء العاطفي في البيت الأبيض وبدا الأمر واضحاً. وقد أشرنا هنا في حينه إلى هذا الانقلاب المفاجئ والانطباعات المتناقضة، التي تبلورت في سياق هذه الزيارة وبدا الخوف والهواجس وكأنها تعاود الظهور مجدداً عن المقاربة المضادة لحل الدولتين، والتي لم تخف بعض أطراف الإقليم قبل ذلك عن تبنيها ومحاولة تسويقها، والقائمة على قاعدة قلب مبادرة السلام العربية، التي لم تذكر في قمة الرياض على رأسها كما الهرم المقلوب.

فهل نعرف الآن كيف إدخالنا أو إقحامنا شئنا أم أبينا كطرف في سياق هذه الأزمة التي انفجرت قبل أيام، بين طرفي هذين المحورين؟ وأن هذه الأزمة سيكون الآن لها ما بعدها، ليس على مستقبل القضية الفلسطينية ومقاربة تحقيق السلام بيننا وبين إسرائيل، ولكن ربما على مصير التحالفات وخريطة الشرق الأوسط ككل بل والتوازن والاصطفاف العالمي.

وربما استطاع ترامب الادعاء طوال الوقت أن أوباما أضعف هيبة أميركا في الخارج وخصوصاً في الشرق الأوسط، ولكن ما يحدث الآن أن ترامب في غضون أشهر قليلة أسرع من الصوت أفقد أميركا الثقة بها، ثقة العالم برئيسها وموافقها وسياساتها. وهذا هو التحول الراديكالي الخطير الذي يهز صورة أميركا.

فحين يقول ترامب إذا كان صحيحاً ما أشيع للرئيس في بيت لحم إنه خدعني في واشنطن، فهل هذا الكلام يمكن أن ينطلي على أحد إذا كان هذا الادعاء يهين منصب الرئيس الأميركي وعظمة أميركا نفسها؟ فهل رئيس الولايات المتحدة يمكن أن يخدع أو يخدعه أحد في العالم؟

انتظروا إذن إذا لم يعجبكم أو يغضبكم موقف هذا الرئيس للولايات المتحدة الساعة الخامسة بعد الظهر، فسوف يغير موقفه في الساعة السادسة. أعجبني هذا التوصيف للأستاذ خليل جحشان رئيس المركز العربي الأميركي، وهذا هو الذي حدث في الأزمة الكبيرة الجارية أمامنا منذ أيام، وتهدد بتفكك تماسك ووحدة دول مجلس التعاون الخليجي، حينما يمتدح الرئيس الأميركي قبل أسبوعين في قمة الرياض دور قطر في الحرب على الإرهاب، وأنها حليف استراتيجي لأميركا في هذه الحرب. ثم يقوم لاحقاً بقلب ظهر المجن بقطر وأميرها وصب الزيت على النار، بعد قطع بعض دول الخليج العلاقة معها، أنهم همسوا في أذنه خلال القمة المذكورة بأن قطر تمول الجماعات الإرهابية. فهل رئيس أميركا يقاد أو يعرف عن طريق الهمس؟

وحين تدخل فرنسا وألمانيا وأوروبا التي نبذته قبل ذلك بعد قمة حلف الأطلسي في بروكسل، على خط الأزمة مباشرة وبقوة صادمة للحسابات الأميركية، حسابات المؤسسات الخارجية والدفاع بالتعاطف والوقوف علناً إلى جانب قطر، وتقوم هاتان المؤسستان بإعادة الرجل إلى رشده، يتصل فجأة بأمير قطر في محاولة أخيرة لإصلاح الخطأ الذي ارتكبه، ويدعو أمير قطر إلى البيت الأبيض مؤكداً له وساطته لحل الأزمة. ولكني أظن أنه بعد فوات الأوان إذا كان محظوراً على أميركا أن تظهر أمام العالم بهذه الخفة السياسية التي تصل إلى حد التهور والحماقة وعدم الاتزان.

وما حدث هو أنه بالتوازي مع المواقف الأوروبية وقد اتهم وزير الخارجية الألماني ترامب بأنه هو من أذكى الأزمة الخليجية بعد زيارته، فإن سرعة تحرك تركيا وإيران معاً كان هو من أشعر المؤسسة الأميركية بالخوف، وكان لافتا إعلان إيران فتح أجوائها وموانئها البحرية أمام قطر. وعلى عجل زار وزير خارجيتها أنقرة والتقى مع الرئيس التركي للاتفاق على موقف موحد في الأزمة. وعلى عجل وسرعة نادرة اجتمع مجلس النواب التركي للمصادقة على إرسال قوات عسكرية إلى قطر.

وعند هذا الحين بدا أن خطاً خطيراً يرسم على رمال الشرق الأوسط، وإعلامياً تغيرت النبرة الأولى في قناة الجزيرة، وبدت قطر أكثر تمسكاً بسياستها الخارجية واستقلالها السياسي، وهو سبب الخلاف الرئيس. وظهر واضحاً من خلال تصريحات وزير خارجيتها، أول من أمس، إلى وكالة الصحافة الفرنسية، بأن قطر ذاهبة هذه المرة إلى البعيد في رسم قواعد جديدة مع السعودية والإمارات، بلعب أوراقها القوية السياسية والإعلامية والاقتصادية. بعد أن اعتبرت قطر أن الإجراءات غير المسبوقة التي اتخذتها السعودية والدول المقاطعة لقطر، تجاوزت أي حدود وإلى أبعد من إدارة الخلاف تحت سقف محدد.

وبعد أن فوجئ العالم وشعر بالصدمة من انفجار هذه الأزمة غير المتوقعة في التوقيت وفي المكان، والذي بدا هو الأكثر استقراراً وسط الحرائق التي تلف بنيرانها الشرق الأوسط. ولعل التوصيف الذي أطلقه وزير الخارجية الألماني كان الأكثر انطباقا عليها، حين قال: إن ما يحدث هو من قبيل "الترامبية". وهذه مفادها السياسات الانفعالية التي تتخذ على أساس شخصي وليس بناء حسابات باردة ومتزنة وعقلانية. فهل هناك أحد يمكن أن يصدق أن قطر تدعم الإرهاب؟ وأن "حماس" و"حزب الله" بل وإيران بغض النظر عن الاختلافات معهم هي أطراف إرهابية أو تدعم الإرهاب؟

وكنت حاضراً في أحد المؤتمرات الصحافية التي كان عرفات وإسحق رابين يعقدانها بعد لقائهما في "إيرز" على الحدود بين غزة وإسرائيل، حين اتهم رابين "حماس" بالإرهاب، فرد عليه عرفات فوراً: إن "حماس" مسألة داخلية فلسطينية. رغم أنه في مجالسه الخاصة وقد استمعت إليه شخصياً كان يندد بما تقوم به "حماس" من مخالفة سياسته بأصعب النعوت. وعندما قالت مادلين أولبرايت هنا في غزة عن "حماس" نفس الكلام رفض عرفات و"فتح"، وقلنا: إنها ليست عدوة للفلسطينيين ولكنها جزء من النسيج الفلسطيني.

إلى أين إذن نحن ذاهبون بعد هذه الأزمة؟ والجواب واضح إلى قلب المعادلات السابقة، إذا كان محوراً بل توازناً دولياً سوف ينضم اليوم إلى توازن إقليمي جديد، عنوانه إقصاء وهزيمة دونالد ترامب بعودة قطر ربما إلى اصطفافها القديم كجزء من تحالف إقليمي، سوف يكون أقرب إلى إيران وروسيا إلى جانب تركيا. إن معادلات وتوازنات تهدم وأخرى تقام. وربما يدفع إلى هذا التحول وخلط التوازنات متغيران حاسمان حدثا نهاية الأسبوع وبالتزامن مع تداعيات هذه الأزمة. الأول شهادة رئيس الـ"أف بي آي" السابق أمام الكونغرس عن إدانة موقف بصورة واضحة في التحقيقات الجارية، حول تورط مستشاريه وربما هو شخصياً بشبهة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية. ما سوف يعرضه إلى المسائلة وفق العديد من التقديرات المحتملة.

أما المتغير الثاني فهو نتائج الانتخابات البريطانية التي شكلت هزيمة واضحة للسيدة تيريزا ماي، وهما المتغيران اللذان يمهدان الظروف المواتية أمام فرنسا وألمانيا لاستغلال الأخطاء التي ارتكبت في الأزمة الخليجية، ربما للانضمام إلى تركيا وإيران في الإقليم لإقصاء الإدارة الأميركية في عقر تحالفها التقليدي أي الخليج.

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه

اخبار ذات صلة