قائمة الموقع

خبر العالم ألغى قرار ترامب كأنه لم يكن

2017-12-23T07:48:27+02:00

بقلم: حسين حجازي

قال أحد الجنرالات أو القادة الاستراتيجيين مرة: إنه لا يكفي أن تكسب معركة، ولكن عليك الاستعداد لمواصلة القتال من أجل كسب الحرب كلها. والواقع أننا لسنا في حرب مع الولايات المتحدة، حاشا وكلا، ولكننا وجدنا أنفسنا كما العالم ينزلق إلى مواجهة مع الإدارة الأميركية، وربما على وجه الخصوص مع رئيس هذه الإدارة، الذي لم يتردد باعتبارها معركة شخصية.

ونقصد بمواصلة القتال للنجاح في كسب الحرب أن نعرف كيف نلعب بأوراق قوتنا الرابحة وبإلقائها على الطاولة، والذي حدث حتى الآن أننا لعبنا بأوراق قوتنا الرابحة بصورة أفضل بكثير من أعدائنا، أوراقنا الدبلوماسية والانتفاضة الشعبية السلمية، نعم السلمية ولكن قبل ذلك اقتناع العالم بعدالة أهدافنا وأنها أهداف ممكنة التحقيق وليست مستحيلة، وهذا هو جوهر ما يسمى بالاعتدال السياسي أو الواقعية.

وقد كسبنا المعركة تقريبًا فيما يشبه الضربة القاضية أو الانتصار الساحق، عندما نجحنا في التماهي مع موقف بل مزاج عالمي كان مهيأ ومستعدًا لخوص هذه المعركة، في مواجهة صلف وقح ونادر وغير معهود من قبل رئيس للولايات المتحدة، أراد أن يملي على العالم إرادته كما لو أن العالم إمبراطورية تدين له بالولاء أو مجرد رعايا له، وقد نسي هذا الرجل أن هذه الإمبراطورية التي تمتعت لوقت أو زمن بهذه الهيمنة على النظام العالمي، لم تعد اليوم لها وجود أو قائمة.

ولعل هذا هو الدرس المستخلص من هذه المعركة السياسية والدبلوماسية القانونية والأخلاقية وحتى الشخصية، أن أميركا لم تعد القوة القيادية العظمى الوحيدة في العالم، وكما أشرنا هنا قبل ذلك فإن هذه المعركة تحولت إلى صراع عالمي أو دولي على عادة تعريف النظام العالمي، وهنا كانت هزيمة إدارة ترامب المحققة.

وكما يحدث في فصول الدراما السياسية المتعاقبة في التاريخ، فإن هذه الأزمة أو المعركة لم تخل من بعض المفارقات، وأولى هذه المفارقات تمثلت في أن المندوبة الأميركية الفظيعة والمثيرة، هي الأخرى كرئيسها، للجدل، كانت منذ تسلمها هذا المنصب أعلنت بوضوح أن مهمتها التاريخية هي إبعاد ظل القضية الفلسطينية وإلى الأبد عن جدول الأمم المتحدة، وهددت بأنها سوف تضرب بحذائها كل من يجرؤ على مهاجمة إسرائيل دفاعًا عن الفلسطينيين. لكن المرأة سليطة اللسان وجدت نفسها في خضم معركة لا سابق لها في شراستها، ليس مع الفلسطينيين وإنما مع كل العالم دفاعًا عن القضية الفلسطينية.

والذي حدث كان في الحقيقة توبيخًا أمميًا لا سابق له في مجلس الأمن الدولي أولًا، وفي الجمعية العامة ثانيًا، تحت شعار متحدون من أجل السلام، والذي كان أشبه بصفعة أو ضربات بالحذاء ضد الإدارة الأميركية.

والمفارقة الثانية، أن دونالد ترامب الذي طالما ادعى عبقريته وتفوقه في فن عقد الصفقات، فإن ما انتهى إليه ليس سوى نكسة واضحة وفشل في تحقيق ما راهن عليه أو اعتبره أنه سيكون أهم إنجازات إدارته في السياسة الخارجية، أي صفقة القرن بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ليبدو كما لو أنه كان ساذجًا أو هاويًا وليس رجل دولة أو سياسيًا حاذقًا وقوي المراس. وأن هذه الهزيمة على مستوى السياسية الخارجية سيكون لها ما بعدها أو تداعياتها في اعادة تموضع الدور الأميركي المقبول عالميًا في حل القضية الفلسطينية. لقد بدا الرجل في هذه المعركة التي بادر إليها شخصيًا كما لو أنه يطلق النار على قدميه وعلى إدارته.

وإذ فشلت محاولته في اللحظة الأخيرة لمنع الدول من التصويت على القرار التاريخي، دون الاكتراث لمعايير اللباقة الدبلوماسية التي تحافظ أو تراعي كرامة الدول الوطنية أو قواعد الديمقراطية، لتهديد هذه الدول بالمال السياسي، فإن ما جرى قد وضع على الحائط عناوين سوف يبدأ من الآن بطرح نقاشها عميقًا، ربما لأول مرة على مستوى الدراسات الاستراتيجية ونظريات العلاقات الدولية حول العلاقة بين القوة والمال من جهة، وسيادة الدول وكرامتها الوطنية ومبادئ العدالة التاريخية والشرعية والقانون الدولي من جهة أخرى.

وربما يستطيع هنا بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب أن يعزيا نفسيهما، بأن هذه التهديدات يمكن أن تحقق ولو بعض النتائج أو المفاعيل باعتبار أن امتناع 35 دولة عن التصويت هو نوع من الإنجاز في هذا الصدد، وإن كان واضحًا هنا أن ذلك ليس حقيقياً وأنه ليس سوى محاولة للتغطية على هزيمتهما الساحقة والنكراء، أو محاولة تجرع الأثر المعنوي والسياسي لهذه الهزيمة والتخفيف منها.

وواقع الحال أن امتناع هذه الدول عن التصويت لا يمثل الإشارة المهمة، ولكن هذه الإشارة تتمثل بأن 26 دولة أوروبية من مجموع دول الاتحاد الأوروبي الـ 28 صوتت إلى جانب القرار، وبينها الأربع دول الكبار: فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، هنا كانت الهزيمة الأميركية والإسرائيلية.

 وفي السياق نفسه، فإننا كنا شهودًا على انكشاف كذب أو مبالغة نتنياهو خلال الأسابيع والشهور الأخيرة في التصريحات التي لم يتوقف عن تكرارها، عن الدول العربية التي تطبع سرًا العلاقة مع إسرائيل، حتى وصل به الأمر إلى تعداد هذه الدول أنها اثنتا عشرة دولة عربية، وأن إسرائيل نجحت في اختراق الدول العربية. وربما أن نتنياهو الذي باع هذا الادعاء قام بتضليل دونالد ترامب ليقدم متهورًا على قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو ما جلب للأخير هذه الكارثة السياسية. وقد ظهرت المجموعة العربية كما كانت دومًا موحدة ومتماسكة في قرارها الموجه ضد قرار ترامب، رغم أن بعض هذه الدول كما الأوروبيين يعتبرون حلفاء مقربين لأميركا.

ولكن التحية كل التحية والتقدير لموقف الأردن وجلالة الملك عبد الله الثاني، الذي ربما كان المستهدف الأكبر في التهديد والابتزاز الأميركي، ولكنه وقف صلبًا في مواجهة كل ذلك، وقد قال كما قالت الـ 128 دولة مساء أول من أمس: القدس لا تباع بالمال واسمح لنا سيد ترامب.. إنها أكبر من قوة أميركا. والذي حدث أخيرًا أن العالم باسم الشرعية الدولية ألغى قراركم، كما كان يفعل الباباوات في القرون الوسطى بممارسة الحرم الكنسي باسم الحق الإلهي على ملوك أوروبا.

صحيفة الأيام

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

اخبار ذات صلة