قائمة الموقع

خبر ثمة خيارات أقل تكلفة

2018-02-08T07:26:26+02:00

بقلم: طلال عوكل

لست أدري أي مصلحة للفلسطينيين بأن يطفو الوضع المأساوي في قطاع غزة على سطح المشهد السياسي، في ضوء الإصرار الأميركي الاسرائيلي على استكمال وفرض صفقة القرن، حتى لو لم يكن الطرف الفلسطيني حاضرًا فيها.

التدهور المتسارع لأوضاع سكان القطاع، يفرض نفسه بمزيد من الاهتمام من قبل إسرائيل، التي لا تستعجل حربًا جديدة على القطاع في ظل التهديدات المتزايدة والأشد خطورة، من الشمال، فيما تغيب تلك الأوضاع عن أجندات العديد من الأطراف بما في ذلك السلطة الوطنية.

تخشى إسرائيل من تدهور الأوضاع إلى حد الانفجار، الذي قد لا يأخذ شكل التصعيد العسكري، الذي لا ترغبه فصائل المقاومة، ولأسباب كثيرة، من غير المتوقع أن يكون الانفجار في اتجاه الجنوب نحو مصر.

ثمة فكرة رائجة في الأوساط السياسية الفصائلية وغير الفصائلية، تتحدث عن استنفار وحشد عشرات الآلاف، بداية، والتوجه نحو الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة. في ضوء المتاح من الخيارات، وهي محدودة جدًا جدًا فإن خيار توجيه الانفجار نحو مناطق 1948، يصبح الخيار الأكثر حضورًا وإمكانية. لن يذهب الناس إلى الحدود لا من خلال الأسلحة والصواريخ، ولا حتى باستخدام الحجارة. حشود سلمية، لو كان في غزة الكثير من الورد، لكان على الحشود التي ستذهب إلى هناك أن تلقي على الحدود الكثير من الورد، لكن غزة تفتقر لذلك، ولكن تكفيها الإرادة، والقناعة بمدى أهمية المقاومة السلمية.

وبصراحة فإن الدافع لاعتماد هذا الخيار، ليس مرده فقط الكارثة الإنسانية التي تضرب القطاع بأكمله وإنما يأتي ذلك من باب التفكير في تعظيم الاشتباك مع الاحتلال. لا يستطيع الناس في غزة قبول واقع إقصائهم من مسؤولية الاشتباك حين تكون القضية معرضة للتصفية، وهم يدركون بأن استخدام السلاح ليس هو الخيار الوحيد، والآن المناسب لأن يلجؤوا إليه، خلال الفترة السابقة، داوم الكثير من الشبان على الذهاب إلى الحدود، للاحتجاج، وإلقاء حجارة لا تصل بطبيعة الحال، ذلك أن المسافة بينهم وبين مواقع الاحتلال لا تجعل لهذه الحجارة أية قيمة لكنهم كانوا يتلقون الرصاص. لعل ما تفكر الفصائل به، إزاء مواجهة ما تتعرض له القضية الفلسطينية وما يتعرض له سكان القطاع، يشكل خياراً إبداعياً وخطيراً على إسرائيل اكثر من استخدام السلاح والحجارة، ولهذا لا تكف اسرائيل عن الحديث عن ضرورة المساهمة في معالجة الكارثة الإنسانية التي يتعرض لها الناس. ستختفي هذه النبرة ذات الطبيعة الإنسانية الكاذبة بمجرد أن يتحرك الناس نحو خيار التحشيد على الحدود، وحينذاك أو قبل أن يقع مثل هذا الخيار فإن إسرائيل ستلجأ إلى التصعيد العسكري، وهي في هذه الحالة، ستتصرف على اعتبار أن ذلك واحد من الاستحقاقات المترتبة عليها في صفقة القرن.

يستدعي فرض صفقة القرن الأميركية الإسرائيلية، إخضاع السياسة الفلسطينية وإرغامها على القبول بالأمر الواقع، وما يترتب فرضه من «حلول»، وفي الوقت ذاته إزالة كل أثر لأية مقاومة خصوصًا المسلحة، من باب نزع العقبات من أمام العرب، الذين يستعجلون تنفيذ هذه الصفقة، في ضوء واقع فلسطيني عاجز، وحناجر مبحوحة. قد تدرك أو لا تدرك الإدارة الأميركية أن تصفية بعض الحقوق الأساسية للفلسطينيين وإتاحة المجال لإسرائيل لتحقيق مآربها التوسعية، لا يعني ولا يمكن أن يؤدي إلى تصفية القضية، يتطلب تصفية القضية الفلسطينية، تصفية الشعب الفلسطيني، وهو أمر أقرب إلى المستحيل.

نعلم بأن اللاحق على فرض صفقة القرن، سيمنح إسرائيل الفرصة، للانتقال تدريجياً إلى مرحلة إقصاء الكتلة السكانية الكبيرة في الضفة الغربية بعد أن اعتقدوا أنهم أقصوا مليوني إنسان في غزة، ولتحقيق هدف الدولة اليهودية، لكن هؤلاء وأولئك لن يذهبوا بعيداً، إذ لا يمكن إقصاء ملايين الفلسطينيين عن النضال من أجل استعادة حقوقهم.

المشكلة ليست في مدى صحة أو عدم صحة، التحليلات التي ترسم وجهة الأحداث في المرحلة الراهنة وربما إلى أمد ليس بعيداً، كما أن المشكلة لا تكمن فيما يحاك من مؤامرات ومخططات لمصادرة الحقوق الفلسطينية، فهذه هي طبيعة الصراع، ومخرجات موازين القوى، وما تنطوي عليه المرحلة من معطيات على مختلف الأصعدة في المحيط القريب والأوسع.

السلوك الفلسطيني العام محير إلى أبعد الحدود، حتى أن أكثر المحللين خبرة، لا يستطيع فهم أسباب هذا الغموض، الذي يحيله البعض مغرضاً، إلى أن القيادة الفلسطينية متواطئة مع ما يجري، وتبحث لها عن دور ومكان في صفقة القرن. من حيث المبدأ، علينا أن نقر جميعًا بأن الظروف معقدة إلى أبعد الحدود، وأنه ليس من السهل على أية قيادة أن تنقلب على أوضاع تشكلت خلال ما يقرب من ربع قرن. وفي ضوء صعوبة ذلك، لست ممن يعتقدون أن بإمكان المنظمة والسلطة، تنفيذ القرارات التي اتخذها المجلس المركزي دفعة واحدة، وبعض هذه القرارات مثل فك الارتباط مع الاحتلال يحتاج إلى وقت قد يطول وآليات معقدة، خاصة وأن الكل الفلسطيني يقع تحت الاحتلال الذي يتحكم بنسبة كبيرة في حياة الفلسطينيين.

غير أن على القيادة الفلسطينية أن تبادر إلى معالجة وتنفيذ الأسهل وربما الأهم من تلك القرارات، وهي التي تتصل بالمصالحة واستعادة الوحدة وتعزيز الصمود الفلسطيني، وتصعيد المقاومة الشعبية السلمية، بالإضافة إلى الإسراع في التوجه إلى المؤسسات الدولية بكل ما لديها من ملفات.

من غير الممكن أن تجري إعادة بناء الثقة سواء بين فصائل العمل الوطني أو بين المستوى السياسي وبين الجمهور الفلسطيني الذي سيتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية، بينما عملية تنفيذ القرارات كل القرارات، مجمدة وبدون أن يتطوع أحد ليشرح للناس الأسباب.

القطاع الخاص الفلسطيني في غزة، أصدر إشارة مهمة وواضحة، نحو إمكانية اللجوء إلى العصيان المدني، حتى لو أدى ذلك إلى المزيد من تدهور الأوضاع المعيشية، حين توقف التجار عن الاستيراد، يوم الثلاثاء الماضي، يمكن أن يحصل ذلك مرارًا في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، وتدريجيًا نحو المقاطعة الشاملة قدر الإمكان، ما يضع إسرائيل والمجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ويلحق بالاقتصاد الإسرائيلي خسائر باهظة. الخيارات كثيرة، حين يتفق الجميع، ذلك أن ساحة الاشتباك الفعال عبر وسائل المقاومة الشعبية والسلمية، واسعة، واقل تكلفة من استخدام وسائل العنف التي ترغب بها إسرائيل.

الأيام

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

اخبار ذات صلة