غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

اقليم ليس متمرد

9999485641.jpg

بقلم / د. سامي محمد الأخرس


أثنا عشر عامًا منذ أن اندلعت شرارة الحقيقة في صراع الشرعيات الذي نشب بين مكونات النظام السياسي الفلسطيني، وبين قواه الرئيسية التي تتكون من قطبين، الأول: القطب الذي يشكل منظمة التحرير الفلسطينية الإطار الجامع للشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد بفعل اعتراف دولي وإقليمي انتزع بمسيرة نضال ومقاومة لعقود طويلة، وتضحيات ومعارك جسام، والثاني: القطب الذي يمثل قوى الإسلام السياسي التي تعمل خارج إطار منظمة التحرير وترفض مننذ انطلاقتها أن تكون جزءًا منه، وهما القوتان الممثلتان بحركتي حماس والجهاد الإسلامي واللتان وقفتا على الضد من اتفاقيات إعلان المبادئ أوسلو عام 1994، مما شكل حالة تناقض وتباين مؤثرة في المكون العام للنظام السياسي الأشمل والأعمق، وساهم تلاقيهم وتقاطعهم مع بعض فصائل م ت ف وعلى وجه التحديد الجبهتين الشعبية والديمقراطية في رفض أوسلو، نقطة صراع نتج عنها تشكيل حلف الفصائل العشرة في سوريا. مما يؤكد أن شرارة الإنقسام بدأت منذ أوسلو وربما قبل أوسلو عودة لإنتفاضة عام 1987 التي رفضت حركتي حماس والجهاد الإسلامي الإنضواء خلالها تحت يقيادة القيادة الوطنية الموحدة للإنتفاضة. هذا اإنقسام الذي تدحرج في دائرة صراع مغلقة، تضخم بتخم قوى مثل حركة حماس التي بدأت منذ انتفاضة الأقصى عام 2000 ترفض الخنوع أو الإستسلام لسياسة الواقع وبدأت بتشكيل قوة موازية سياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا لقوة السلطة الفلسطينية، حيث ساهمت كل الظروف المحيطة في نجاحها بعدما اكتست مؤسسات السلطة الفلسطينية حالة من الترهل من جهة، ومؤسسات م ت ف التي تفككت وتحولت لأشبه بالإرث المحصور في دائرة مغلقة منحصرة، كذلك إفراغ الساحة الفلسطينية من قيادتها الحكيمة والتي تحظى بإجماع وطني، وظهور قيادة جديدة شابة لا تنطلق من فهم الغستراتيجيات الوطنية، بل انحصر جل سعيها الدؤوب للقفز على صدارة المشهد السياسي، والبحث عن شرعيات تنطلق منها للأمام، حتى جاءت لحظة الحسم في انتخابات المجلس التشريعي عام 2005 الذي استكملت به حلقات الصراع الأولى، وانطلاق مرحلة الحسم فوق أرض تشك بيئة خصبة وعلى وجه التحديد في قطاع غزة الذي أصبح تحت سيطرة الأقوياء فقط، وسط خضوع واستسلام تام من قوى مؤثرة في المشهد حتى تم الحسم العسكري عام 2007 الذي قادته حركة حماس بذراعها العسكري ضد أجهزة ومؤسسات السلطة الفلسطينية لتنتقل القضية الفلسطينية لمناورة أخرى تحت مسمى (مصالحة).
أثنا عشر عامًا منذ تفرد قوتين بالجغرافيا السياسية الفلسطينية في شطري الوطن، لم تفلح أي محاولات محلية أو اقليمية في حسم هذا الصراع الذي تحول لصراع سياسي على الشرعيات، في ظل تمسك كل فريق بحدود مسؤولياته وسلطاته السياسية، فالسلطة الفلسطينية ممثلة بمؤسسة الرئاسة حافظت على سلطتها وشرعيتها المتعلقة بالرواتب، والبنى التحتية، والصحة والتعليم، والخارجية، وحركة حماس حافظت على سلطتها المستمدة من المجلس التشريعي عبر فرض سلطة الأمر الواقع والقوة على غزة دون أن تتحمل أي مسؤوليات مباشرة على الكتلة البشرية في غزة إلا بمناحي الأمن، وجمع الضرائب. وما بين الشد والجذب بين القوتين وحالات التقارب والتباعد، وتشكيل حكومة رامي الحمد لله الأخيرة التي استلمت العديد من الملفات في غزة، تصاعدت حدة الصدام والتصادم الفعلي على الأرض بين الفريقين، فالأولى تريد بسط سيادتها الفعلية، والثانية تريد الحفاظ على وجودها وتأثيرها وسلطتها وإن كان من خلف ستار أو قناع، فكانت حدود الاختلاف أكبر من حدود الإتفاق، وبدأ كل فريق التحرك بمربعه وتشريعاته، انطلاقًا من الورقة الاقتصادية أو المالية، فالسلطة الفلسطينية بدأت بإجراءات مالية جديدة من خلال خفض فاتورة الرواتب لموظفيها عبر سلسلة إجراءات تقاعد أو فصل أو قطع رواتب، وحماس لجأت للورقة المالية القطرية، فالأمر يبدو مرتبًا وفق تسلسل سيناريوهات واضحه.
مؤسسة الرئاسة الفلسطينية بدأت بالعودة للمخارج القانونية الدستورية الممثلة بمؤسسات م ت ف حيث عقدت دورة المجلس الوطني الفلسطيني الذي شهد مقاطعة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفق رؤيتها بضورة أن يعقد المجلس بشكله الوحدوي للكل الفلسطيني، ومن ثم اللجوء للمجلس المركزي الفلسطيني وهي الخطوة التي أرادت منها مؤسسة الرئاسة أن تشكل بديلًا دستوريًا للمجلس التشريعي منتهي الولاية، وأن تغادر من خلالها صراع الشرعيات، خطوة وإن كانت شكلة مؤثرة في طبيعة السلطات السياسية والدستورية بما أن م ت ف المرجعية القانونية والدستورية للنظام السياسي الفلسطيني، وهي المعترف بها دوليًا واقليميًا، ومن ثم الخطوة الإستباقية التي لجأت لها مؤسسة الرئاسة للمحكمة الدستورية الفلسطينية التي اتخذت قرار بحل المجلس التشريعي وفق تفنيد قانوني لها، اختلفت عليه أطراف الصراع، لكنه بحكم الواقع أصبح واقعًا لا يمكن القفز عنه، وعليه تم تجريد حركة حماس من سلطتها التشريعية السياسية الممثلة بالمجلس التشريعي التي تحوز على أغلبيته التمثيلية، هو إجراء معقد لا تمتلك حماس الرد عليه سياسيًا في الوقت الراهن، حيث لا يمكن لها أن تشكل هيئات دستورية قانونية وإنما تقوم بإجراءات أمر واقع، في حين أن الطرف الآخر بدأ بسلسلة إجراءات مالية وقانونية تقوض حركة حماس، كما أسلفنا فإن الرئاسة الفلسطينية حاولت اتباع سياسات مزدوجة أهمها ما فعلته وعدلت عنه أخيرًا بضرب القوة الرئيسية المتحالفة مع حماس أي حركة الجهاد الإسلامي في تحميلها وعناصرها فاتورة مالية عالية من خلال قطع الرواتب لعناصرها، ومن ثم تصدير أزمات داخلية لها مع كادرها وعناصرها الذي يتحفظ على كثير من سياسات وتصريحات قيادته الجديدة.
غير المعلن عنه أن مؤسسة الرئاسة وخاصة بعد سحب عناصرها من المعابر وإغلاق مكاتب حركة فتح في قطاع غزة تتخذ خطوات تقويض سلطة حماس من خلال سلسلة إجرءات تستند في حقيقتها إلى التعامل مع غزة كإقليم متمرد، ولكن هذه الخطوات تأتي تحت بند أو ستار تقويض حماس وذلك لإدراك الرئاسة أن الإعلان عن غزة كإقليم متمرد لن يجد ترحيبًا دوليًا أو إقليمًا أو على الصعيد المحلي الفلسطيني وكذلك الإحتلال الصهيوني، لذلك فالإعلان المباشر لن يتم، ولكن الإجراءات على الأرض تدلل على ذلك، وكل المؤشرات تؤكد أن الرئاسة الفلسطينية تدرك أن أي خطوة أو قرارات مثل إعلان الإنتخابات لا يمكن لها المرور، كما لا يمكن لحركة حماس أن تسمج لها بالمرور في غزة، ولذلك فكل الحلول هو العودة لقاننون وشرعية منظمة التحرير في اتخاذ أي قوانين أو تشريعات أو إجراءات مستقبلية، والتعامل مع قطاع غزة كإقليم متمرد في مناحي عديدة ومتعددة، دون قدرة حماس والفصائل الأخرى للتصدي لهذه الإجراءات.
من هنا فإن المستقبل القريب لن يحمل أي متغيرات على صعيد موقف القوى المتصارعة فحركة حماس لن تتنازل عن حدودها السلطوية وستحاول تصدير أزماتها بشتى الطرق خاصة وأن بعض القوى الإقليمية مثل قطر وإيران تدعماها، والرئاسة الفلسطينية تمضي في سلسلة إجراءاتها ضد قطاع غزة وفق المصوغ القانوني الذي تملكه عبر مؤسسات م ت ف، في الوقت الذي تتحكم فيه المصالح السياسية الإقليمية والمحلية بسياسات ومواقف القوى الأخرى مثل الجبهة الشعبية وحركة الجهاد الإسلامي.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".