Menu
اعلان اعلى الهيدر

خاسر من يراهن على دولة عنصرية

بقلم: طلال عوكل

إذا كانت رسالة الفلسطينيين الرافضة لـ «صفقة القرن»، ومؤتمر المنامة، لم تصل. أو أنها وصلت، للعرب الذين يهرولون نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولكنهم، فضلوا أن يضعوها في الأدراج، فإن الرسالة التي تصدر من إسرائيل، ينبغي أن تفرض على العرب، التوقف والتفكير ولو لدقيقة، لإدراك الآفاق التي تنتظرهم، في حال استمروا في الركض وراء أميركا وإسرائيل.

الرسالة الإسرائيلية من جهة أخرى، ينبغي أن تكون وصلت منذ زمن، لمن يعتقد من الفلسطينيين، أن ثمة إمكانية لتحقيق سلام مع دولة اختارت لنفسها طواعية، وبالقانون هوية عنصرية. العنصرية التي تشير إلى جوهر المشروع الصهيوني، الذي لا يتوقف عند حدود التوسع في كل أرض فلسطين التاريخية، وإنما يشمل مساحات واسعة من الجغرافية العربية، هذا المشروع العنصري ينطوي على عنصرية تجاه الفلسطينيين، وتجاه العرب، وأساساً بين الجاليات والطوائف اليهودية.

التناقضات في إسرائيل التي تتدهور نحو عنصرية بغيضة، تشمل التناقض بين اليهود الغربيين والشرقيين، والعلمانيين والمتدينين، وبين السود والبيض، وبين الطبقات الاجتماعية الفقيرة والغنية، في سابقة لم تختف من ذاكرة الجالية اليهودية الأثيوبية، كان بعض اليهود الغربيين، قد رفضوا الاستفادة من الدم الذي تبرعت به الجالية الأثيوبية، إلى هذا الحد بدا أن حتى مشروع الدولة الذي يقوم على الهوية الدينية لا يمكن أن ينجح في تحصين المجتمع اليهودي. يمكن الحديث عن تناقضات، بين أتباع الأديان، والطوائف، وحتى بعض الفئات من اصول قومية مختلفة، لكن ما يقع من تناقضات بين أبناء الديانة الواحدة وهم اليهود، فهو أمر يشير إلى أن دولة تقوم على أساس هذه الهوية، ستكون كل الوقت معرضة للسقوط والانهيار. وفي الأصل فإن المشروع الصهيوني لم ينجح في أن يستقطب يهود العالم، حيث أن سكان إسرائيل من اليهود، أقل من عدد اليهود في العالم وأغلبيتهم في الولايات المتحدة.

ثمة تناقض آخر يضج به المجتمع الإسرائيلي، وهو التناقض بين دولة ومجتمع المستوطنين في الضفة الغربية والقدس، وبين دولة ومجتمع المستوطنين على أراضي 1948. ربما لا تظهر الآن خصوصية هذا التناقض، على نحو صارخ، طالما أن الأغلبية في الطبقة السياسية، تتبنى سياسات ومشاريع اقتصادية وأمنية، تمثل المستوطنين في الضفة، أكثر مما تهتم بالمستوطنين في غلاف غزة كمثال، لكن هذا التناقض من شأنه أن يتبلور مع الأيام تزامنا مع تقدم المشروع الصهيوني التوسعي الذي يعطي لمجتمع الاستيطان في الضفة الأفضلية.

هذا كلام يمكن أن يُقال في أي وقت، وأن يخضع لقرارات، بحثية ودراسية جدية، لكن مناسبة اليوم تتصل بأحداث العنف التي اندلعت ولا تزال مستمرة في إسرائيل.

لم يكن الشرطي الذي رفع السلاح في وجه يهودي أثيوبي ثم أرداه قتيلاً، يقوم بفعل مدبر، ومخطط ومقصود، ذلك أن الشرطي تصرف بعفوية، وانطلاقاً من قناعات وطبائع عنصرية، وإلاّ لما كان فعل ذلك.

غير أن الشرطي القاتل، كان على ما يبدو مستنداً إلى مراهنة واقعية من أنه سيحظى بالحماية من جهاز ودولة يعرفها، وقد أكد الإفراج عنه بعد يومين من اعتقاله، بأنه كان على حق فيما راهن عليه.

وزير الأمن جلعاد أردان، أكد تلك المراهنة هو الآخر، حين اتخذ قراره بمواجهة الأحداث بالعنف، واستخدام قوة الدولة التي ينتمي إليها، ويقتنع حتى العظم بهويتها العنصرية.

الأحداث امتدت من مستوطنة «كريات آتا» إلى تل أبيب وإلى مناطق ومفترقات أخرى، من شأنها أن تعطل على الأقل حركة السير، وأن تتوسع في عرض المشهد العنصري على مساحات أوسع في المجتمع الصهيوني.

الحصيلة حتى الآن وهي مفتوحة على المزيد إصابة سبعة وأربعين شرطياً، واعتقال أكثر من ستين متظاهراً، الأمر الذي يدعو لترجيح استمرار وتصاعد الاحتجاجات العنيفة طالما أن الشرطة تتصرف بعنف متزايد بحق المحتجين، الذين يشعرون بالمهانة والحط من الكرامة، فضلاً عن فقرهم الشديد.

الدولة لا تتحرك بخلاف طبيعتها العنصرية، فبالإضافة إلى إطلاق يد الشرطة رسمياً، فإن نتنياهو لا يجد ما يقوله أو يفعله سوى أن يطالب المحتجين بالهدوء. هذه هي الدولة التي يدعو وزير خارجية البحرين إلى قبولها والتعامل معها كعضو طبيعي في المنطقة، وهذه هي إسرائيل التي يعتقد بعض العرب أنها يمكن أن تقدم لهم العون في مواجهة إيران. إنها دولة هشّة، ضعيفة من الداخل، حتى لو امتلكت كل أسلحة الدنيا. ولكن قبل أن نختم أجازف بترجيح سقوط مدوٍّ لنتنياهو في الانتخابات القادمة بما يسدل الستار على مستقبل «الملك»، ويحدث تعديلات مهمة في الخارطة السياسية والحزبية في إسرائيل.

عن صحيفة الأيام

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"