Menu
اعلان اعلى الهيدر

غياب أوروبا وتبدد حل الدولتين...!!

بقلم: أكرم عطا الله

هو السؤال الطبيعي في ظل ما ارتكبته الإدارة الأميركية من مجزرة بحق المحاولة التي استغرقت عقوداً من أجل تحقيق حل الدولتين أين هو الموقف الأوروبي الذي تحمل مسؤولية كبيرة خلال ربع القرن الماضي سواء بالجهود التي بذلتها من أجل دعم حل الدولتين من زيارات ووفود ووزراء خارجية أعطوا من وقتهم وجهودهم على امتداد الزمن ما يكفي لحل قضايا الكرة الأرضية، ودفعت أوروبا من الأموال ما يكفي لإنشاء دولة جديدة، كل هذا ألا يستدعي أن تسأل تلك القارة التي تحملت كل تلك المسؤولية أن تسأل ما الذي يحدث وكيف تبدد حل الدولتين؟

اسرائيل وحدها تتحمل المسؤولية ليس فقط بسبب انزياحها نحو اليمين، فليس اليمين وحده هو من دمر عملية التسوية، كل ما فعله هذا اليمين أنه كشف إسرائيل على حقيقتها كدولة لم تكن تفكر منذ أن افتتحت عملية التسوية بحل الدولتين، فقد بدأت نذر التلاعب حينما كان حزب العمل في السلطة وانتهت المرحلة الانتقالية في ظل حكمه عام 99 وانتشرت المستوطنات في عهد العمل أكثر حتى من عهد الليكود في تسعينات القرن.

منذ شهورها الأولى أطلق رابين تصريحه الأشهر «لا مواعيد مقدسة» كان يقصد مواعيد وأزمنة التنفيذ ثم جاء بعده شمعون بيريس الذي رفض تنفيذ انسحاب ما سمى حينه بـ «النبضة « من الخليل وهي منصوص عليها بالاتفاقيات، ثم جاء نتنياهو عام 96 ليجمد كل شيء كامتداد لإسحق شامير وفكر اليمين الذي لا يؤمن بالسلام أو حل الدولتين ثم يعود باراك عام 99 الذي كان ينتمي لمجموعة الصقور في حزب العمل، وكان رافضاً لاتفاق أوسلو «ب» وقد صوت ضده عندما كان عضو كنيست حديث العهد، وكان أميناً لصقوريته وهو من دق المسمار الأخير في نعش عملية التسوية في كامب ديفيد ليعود الى الميدان من جديد بديلاً عن المسار.... الميدان الذي تستطيع إسرائيل خلاله ضرب الفلسطينيين عسكرياً وإطلاق النار على قلب عملية السلام.

كانت أوروبا تراقب وتسمع وتشاهد كل ما ترتكبه إسرائيل بكل أحزابها وتتابع ما ترسمه مراكز دراساتها وقرارات برلمانها وسلوكها على الأرض وحركة جيشها الحارس لهدم المنازل والمدارس التي كانت تبنيها أوروبا، ولم تتخذ أوروبا أو أي من حكوماتها مواقف على مدار ربع القرن الماضي تتلاءم لا مع مسؤوليتها ولا مع خسائرها المالية ونفقاتها الهائلة، ولا مع ثقلها كمركز هام، ولم تجرؤ أي من الحكومات حتى ولو قرص الاذن الاسرائيلية التي لم تكن تسمع سوى ما تريد بكل هذا الدلال.

الآن ليس هناك وضوح مثل هذا الوضوح الذي نراه فيما فعله الاسرائيلي ولم يكن خافياً، بل كان نتاج مراكز الأبحاث التي كانت تتم متابعتها من قبل دول كانت تراقب دبيب نمل وحركة الاستيطان، وتجريف عملية السلام وبجرافات بعضها من صنع أوروبي، وأمام كل هذا كان الصمت الأوروبي أمام كل ما يحدث هو السمة الوحيدة التي سادت دون أن تفكر تلك القارة باستخدام أي من ممكنات قوتها الهائلة للضغط من أجل تصويب مسار العملية، ومن المؤسف القول أن كثيرا من المواقف الأوروبية التي بدت متقدمة كانت مواقف ذيلية للإدارة الأميركية.

لم تذكر أوروبا كلمة الدولة الفلسطينية إلا بعد أن قالها الرئيس بوش ولم تطالب أوروبا بوقف الاستيطان إلا بعد أن طالبت به ادارة أوباما، ولم تتقدم بعض البرلمانات الأوروبية في مواقفها بالاعتراف إلا بعد ضوء أخضر من ادارة الرئيس أوباما أو لمناخات وفرها هذا الأخير، وكان واضحاً أن الفترة التي سجلت فيها أوروبا مواقف متقدمة هي فترة باراك أوباما، وبعدها مع مجيء ترامب كأن أوروبا انكمشت بشكل يثير كثيراً من الأسئلة التي لا تتلاءم مع قوة دولها، بل ذهبت أبعد مثل ألمانيا ليقرر برلمانها بتجريم حركة مقاطعة اسرائيل بعد أن هبت ذات مرة رافضة تجديد ضم اسرائيل لاتفاقية «هوريزون» العلمية بسبب الاستيطان، واليوم تجهر حكومة نتنياهو بآلاف الوحدات الاستيطانية في ظل السكوت الأوروبي.

وأمام هذا التاريخ كيف يمكن أن نحكم على أوروبا؟ وهل يمكن أن نتعاطى معها بجدية وقد كنا قد راهنّا كثيراً على تلك القارة التي كانت يوماً ما صانعة التاريخ للكرة الأرضية من أقصى شمالها حتى أقصى جنوبها وشرقها وغربها، والآن تبدو ضعيفة أمام دولة صغيرة مثل اسرائيل، ويظهر ضعفها أكثر أمام دولة لا تفوتها كثيراً مثل الولايات المتحدة، بل أن ما تملكه أوروبا من تاريخ وثقافة وأموال وصناعات وقوة لا يقل عما تملكه الولايات المتحدة.

ان ترك أوروبا لرسن عملية التسوية وحل الدولتين للولايات المتحدة هو خطأ ارتكبته بحق تراثها وبحق مواطنها الذي ظل لعقود يمول عملية التسوية، ظناً منه أن دولة قادرة على حماية استثماراته المالية في السياسة وأن أمواله لن تذهب هدراً، بل ستساهم في تحقيق الاستقرار العالمي، ولكن الحقيقة أن تلك الدول تكتشف الآن أنها لم تكن قادرة على أن تكون شريكة، وأن إسرائيل والولايات المتحدة استخدمتها لتحقيق المشروع الإسرائيلي.

يمكن القول إن أوروبا تعرضت لخديعة سياسية هي الأكبر والأطول زمنياً، هذا واضح، لكن الغريب بعد أن تكتشف أوروبا تلك الخديعة ألا يجدر بها أن تقف أمام المغامرة الطائشة التي يقوم بها هواة البيت الأبيض والتي تنسف كل الجهود والأموال التي تم استثمارها؟ لأن منظومة السلام العالمي هي نتاج القارة الأوروبية التي انطحنت بفعل حربين عالميتين، وأصبحت تلك القارة تبحث عن السكينة والهدوء والسلام، بل أنها ساهمت بشكل مباشر في أزمة الشرق الأوسط وساهمت بتسليم تلك المنطقة لإسرائيل، وأقرت مبكراً في الأمم المتحدة حل الدولتين، وعند اللحظة التاريخية يأتي السؤال المنطقي أين أوروبا؟

عن صحيفة الأيام  

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"