Menu
اعلان اعلى الهيدر

أوجاع نتنياهو في سدوم وعمورة

بقلم: صبحي حديدي

أحدث أوجاع بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء حكومة الاحتلال (المكلف بتصريف الأعمال، حتى إشعار انتخابي آخر!)؛ لم تأت من جهة إسرائيلية، على كثرة الجهات التي تتناوله وتتناهشه بالأحرى؛ بل جاءت هذه المرّة من إحدى أوسع الصحف الهولندية انتشاراً، وعبر رسم كاريكاتوري. “دي فولكسكرانت”، أو “صحيفة الشعب” العريقة ذات الأصول العمالية والكاثوليكية على حدّ سواء، نشرت مؤخراً رسماً كاريكاتورياً وقّعه يوس كولنيون أحد أبرز رسامي هولندا، يُظهر نتنياهو وهو يواجه زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربن، حاملاً في يدٍ حجرَ توجيه تهمة العداء للسامية، وفي اليد الأخرى نصّ اتهامه رسمياً بالفساد والارتشاء؛ وأمّا كوربن فإنه يردد عبارة يسوع المسيح: مَن كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بأوّل حجر.

في قراءة أخرى للرسم الكاريكاتوري، يقول كولنيون إنه لم يعد كافياً عند نتنياهو أن يحشر مآزقه المتعاقبة في مشكلات الداخل الإسرائيلي، عبر مناورات شتى ومعارك زائفة؛ ويتوجب اليوم أن يصدّر متاعبه إلى الخارج عبر بوّابة كلاسيكية عتيقة هي إشهار تهمة العداء للسامية، اختلاقاً في أغلب الأمثلة: “حين تُثار مزاعم العداء للسامية، فإنّ مجموعات الضغط اليهودية ليست البتة بعيدة عن إثارتها (…) لا معنى في ربط خصوم الحاضر بفظائع الماضي، إلى درجة اتهامنا جميعاً بالتعاطف مع النازية”، يقول كولنيون. وليس أمراً غير لافت للانتباه أن يختار رسام الكاريكاتور شخصية كوربن، في هذه الأوقات تحديداً، لإقامة التوازي بين عناصر ثلاثة: حملة الانتخابات التشريعية البريطانية، وعداء مجموعات الضغط اليهودية هناك لزعيم حزب العمال، وخضوع نتنياهو لاتهامات الفساد والرشوة.

وفي صحيفة “هآرتز” يعقد المعلق الإسرائيلي الشهير حيمي شاليف مقارنة بين نتنياهو والليكود من جهة، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحزب الجمهوري من جهة ثانية؛ فيساجل بأنّ دولة الاحتلال والولايات المتحدة كلاهما في قبضة زعيمين يشكّل سلوكهما “تهديداً وجودياً لمستقبل الديمقراطية، وسلطة القانون، والحكم القويم، وأخلاق المواطنة”؛ مقابل عجز الحزبين عن إنتاج “بطل واحد منفرد يتسامى على اللحظة ويرتقي إلى مصافّ الساعة”. تماماً، يتابع شاليف، على غرار مصير سدوم وعمورة، حين تفاوض إبراهيم مع الربّ على إنقاذ البلدتين فلم يعثر فيهما على مطلب الربّ البسيط في إيجاد عشرة من الصالحين.

والحال أنّ هذه “الديمقراطية” الإسرائيلية، التي يتباكى عليها شاليف، هي التي سلّمت إلى نتنياهو لقب رئيس الدولة الأطول عهداً في الحكم، بحيث بزّ مؤسس دولة الاحتلال دافيد بن غوريون؛ وليست “سلطة القانون” إلا هذه التي تتكئ عليها سلطات الاحتلال، ومؤسسات الاستيطان المختلفة، في الاستيلاء على أراضي فلسطين لإقامة المزيد من المستوطنات؛ وأمّا “أخلاق المواطنة” فإنها هي التي يستهدي بها نتنياهو حين يعرض على تحالف “أزرق أبيض” صفقة تتيح له رئاسة الحكومة مدّة خمسة أشهر، وليذهب إلى الجحيم حزب الليكود وأقداره في أية انتخابات مقبلة…

أوجاع عابرة للقارات، إذن، هذه التي يعاني منها نتنياهو ويسعى إلى معالجتها عبر استطبابات أين منها أخلاق سدوم وعمورة؛ مع فارق أنها ليست مصائب فرد فقط، بل تنسحب على جموع إسرائيلية غفيرة، وترتدّ أعراضها إلى مرض عضال جَمْعي الصفة. وعلى الدوام، في الجوهر العميق، تعاقب طيّ ذلك المرض جدل محموم حول العلاقة مع التاريخ، قسم ويقسم الإسرائيليين إلى فريقين: مطالِب بحقّ الضمير اليهودي في أن ينام قرير العين إلى الأبد ودونما منغصات من أيّ نوع (بما في ذلك شبح انتخابات ثالثة خلال عام واحد)؛ ومطالِب بأن يصحو هذا الضمير الغافل ليكتشف حقائق نفسه وليس حقوق الآخرين بالضرورة (حيث سدوم وعمورة المعاصرة لا سبيل إلى إنقاذها حتى مع نظير لها ونصير مثل ترامب).

ويبقى أنّ العواقب الأعمق هي تلك التي يحفظها التاريخ لكيان استعماري استيطاني عنصري يعالج ما يُحدثه نتنياهو من خدوش في بدن “الدولة” الراهنة، متناسياً السرطان الأكبر والأقدم والأكثر استفحالاً في بواطن وجودها الأمّ.

 

عن صحيفة القدس العربي 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"