Menu

يكرههم ويحابيهم

بقلم: عوض عبد الفتاح

خاض بنيامين نتنياهو معاركه الانتخابية الأخيرة مستندًا إلى اختراقات كبيرة وخطيرة للأنظمة العربية، فضلا عن تلك التي حققها على الساحة العالمية. كما تباهى ولا يزال بالإنجازات الاقتصادية، إذ تمكنت إسرائيل تحت قيادته من النجاة من الأزمة الاقتصادية التي ضربت النظام الرأسمالي العالمي عام 2008. مع ذلك، لم يتمكن من تشكيل حكومة، ويتوقع العديد من المحللين والمراقبين أن يتكرر السيناريو ذاته بعد انتخابات الثاني من آذار، اليوم، لتجري انتخابات رابعة.

ويظهر من خلال حملاته الإعلامية وتصريحاته، أن نتنياهو غير مستوعب لأسباب هذا "الجحود" الذي يقابله به خصومه، إذ أنه كوّن صورة عن نفسه بأنه شخصية عظيمة يجب أن تضاف إلى قائمة الشخصيات العظيمة (ذات العقلية الاستعمارية) في التاريخ.

إذًا، لماذا لا يلتف معظم ناخبي المجتمع الإسرائيلي الكولونيالي حول "بطلهم"، ويتجه كثرٌ ممن كانوا في صفوف الليكود، قيادات ونشطاء، إلى التصويت لحزب "أزرق أبيض" (وزير الأمن السابق موشيه يعالون انتقل من الليكود لـ"أزرق أبيض"، كذلك مستشار نتنياهو السابق، عضو الكنيست يوعاز هندل، وسكرتير حكومة نتنياهو السابق، تسفي هاوزر، وغيرهم)، رغم أن هذا المجتمع يزداد غلوا في التطرف والكراهية ضد الفلسطينيين أينما كانوا؟

الجواب هو أن الإسرائيليين سئموا طريقة نتنياهو في الحكم وفساده الشخصي، وليسوا ضد الاختراقات والإنجازات التي حققها لكيانهم، وهو سلوكٌ أدى به إلى مواجهة لوائح اتهام بالفساد قد تؤدي به إلى السجن لسنوات. والأهم من ذلك، هو وجود بديل صهيوني انتخابي، يحمل تقريبًا الأيديولوجيا ذاتها، ونزعة التوسع الاستيطاني ذاتها، والاستعلائية الكولونيالية ذاتها (مقابلة هندل مع "هآرتس" مؤخرًا التي قدم فيها طروحات عنصرية حتى ضد اليهود الشرقيين).

هو بديل يتسم في نظر شرائح واسعة من المجتمع الصهيوني، بالرزانة واللياقة السياسية، ومن ناحية ثانية لأنه يرفض الاعتماد على المواطنين العرب في تشكيل حكومة، حتى لو استجدى مندوبو القائمة المشتركة هذا الدعم. لقد بات جليًّا، أن الفروق بين الحزبين، الليكود و"كاحول لافان" هامشية وتجميلية. أحدهما حزبٌ فظٌ، لا تهمه الشكليات، وحزبٌ آخر يتصرف برزانة تجاه مجتمعه، ويرغب بأن تعود إسرائيل الى الظهور كما كانت في عقود سابقة، إلى الصورة الوهمية الزائفة لنظام استعماري استيطاني متوحش، يواصل احتلال فلسطين، ويُنكّل بشعبها دون التسبب بردّ فعلٍ غاضب من العالم.

في ظل فشل نتنياهو المتكرر في تشكيل حكومة، لجأ في الأسابيع الأخيرة إلى العرب؛ إلى أنظمة عربية، وإلى العرب في الداخل خاصة بعد أن أظهرت الاستطلاعات تفوق حزب "أزرق أبيض" على الليكود، وذلك قبل أن تتغير الصورة في الأسبوع الأخير.

بخصوص الأنظمة العربية، فالاختراقات حاصلة منذ إسقاط مصر في حضن التحالف الأميركي – الصهيوني على يد نظام السادات، مرورًا بحسني مبارك، وصولا الى عبد الفتاح السيسي. ولكن الجديد، هو إسقاط أنظمة عربية جديدة، ليست مرتبطة باتفاقية صلح/ استسلام رسمية مع إسرائيل، واصطفافها إلى معسكر الثورة المضادة ضد الشعوب العربية، وإلى جانب إسرائيل ضد إيران.

أما بخصوص الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، فقد لجأ إلى محاباتهم بعد أن استنتج أن التحريض الأرعن المستمر، خصوصًا أثناء الحملات الانتخابية، سيؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يزداد الكثيرون منهم بالتمسك بالقائمة المشتركة، بل أن حملة التأييد قادت الى العديد من الناقدين والمستائين من أداء المشتركة، السياسي والوطني، إلى التصويت لها، فقط كرهًا لسياسته العدوانية. وقد لمس أن كل الدعم السياسي والمادي الذي جاء من القيادة العليا للولايات المتحدة الأميركية لنتنياهو، ظلّ قاصرًا عن تغيير ميزان القوى في الخريطة الانتخابية داخل إسرائيل لصالح الليكود وتمكينه من مواصلة الحكم، في حين أن الدعم الذي تقدمه المنظمات الصهيونية الليبرالية، المتخوفة على صورة إسرائيل، لحملات رفع نسبة التصويت بين المواطنين العرب، يعطي ثمارا أفضل لصالح خصمه، اليمين الآخر - "كاحول لافان".

اختار نتنياهو تكتيك القفز من فوق رؤوس مندوبي القائمة المشتركة، وقصر التحريض عليهم فقط، والتوجه إلى الناخبين العرب مباشرة، عبر تقديم وعود جديدة بتحسين حياتهم، وإظهار إنجازات تحققت بفضل القيادات العربية وكأنها جاءت بفضله. وهذه السياسة قديمة، تعود الآن بعد أن جرى التخلي عنها لفترة وجيزة، وذلك بعد تفاقم التطرف والانحدار نحو الفاشية. فمنذ إنشاء إسرائيل، اتبعت الحكومات المتعاقبة وأجهزتها الأمنية، سياسات تتمثل في تصوير جزء من القيادات العربية كمتطرفة، وفي محاباة المواطنين العرب وتصويرهم كأنهم ضحايا القيادات العربية المتطرفة، وليس ضحايا النهب والسرقة والإفقار والتجهيل، الذي يمارسه نظام الأبرتهايد الكولونيالي.

وكانت حركة "الأرض" أول ضحايا هذه السياسات في العقد الأول بعد النكبة، إذ جرى حظرها وملاحقة قادتها، في حين أبقى على الحزب الشيوعي. أما اليوم، فقد جرى حظر الحركة الإسلامية (الشمالية)، وتجري محاولات مستمرة منذ عقدين لتقويض حزب التجمع الوطني الديمقراطي، رغم تكيفه إلى حدٍ بعيد، مؤخرًا، مع خطاب تيارات شريكة في القائمة المشتركة، التي تتجنب مواجهة إسرائيل كنظام صهيوني استعماري شامل، وتركز على إسقاط نتنياهو. كل ذلك يجري في سياق دق الأسافين بين القوى السياسية ومخططات تمزيق المجتمع الفلسطيني وترويضه، لتسهيل السيطرة عليه.

بطبيعة الحال، لن تؤدي تكتيكات نتنياهو القديمة - الجديدة، إلا لتعزيز مناهضة المواطنين العرب لشخصه ولسياساته وتعزيز مأزقه، ولكن العطب هو في غياب الرؤية السياسية الجذرية الوطنية لدى القائمة المشتركة، أي غياب فضح مواقف "أزرق أبيض" بالقدر ذاته، إذ وكأنه يجري التكيف مع الصهيونية، كما ظهر في الدعاية الانتخابية للقائمة الصادرة باللغة العبرية، والتي بدت كمحاولة للتماشي مع الصهيونية (أزيل لاحقا فيديو للمشتركة بهذا الشأن كان موجها للناخب اليهودي، بعد انتقادات عديدة على شبكات التواصل الاجتماعي).

وهذا الانحراف في الخطاب هو سقوط سياسي وقصر نظر، وبالتالي لا بد من التصدي له بحزم ووضوح، وبروح من المسؤولية الوطنية العالية، ليس فقط عبر النقد الإعلامي، بل عبر تشكيل سياسات مبدئية صارمة، وحوامل تنظيمية وطنية واجتماعية بديلة، قابلة للعيش والاستمرار.

إنه من المؤلم، أن تمر ثلاث حملات انتخابية في غضون عام واحد، وبميزانيات ضخمة، من دون خوض حملات تثقيف وتوعية سياسية عميقة للجمهور العربي، بمضامين وطنية تحررية، مناهضة للصهيونية وليهودية الدولة، ولنظام الاستعمار الاستيطاني الذي بات ممتدًا وشرعيًا (إسرائيليا وأميركيًا) في كل فلسطين التاريخية. هكذا كانت حملات التيار الوطني الديمقراطي الانتخابية على الأقل، قبل سنوات معدودة. حملات انتخابية، لكنها كانت تحمل خطابًا سياسيًا، وكذلك رسالة وطنية توعوية ومسؤولة.

عن موقع "عرب48"
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"