Menu
اعلان اعلى الهيدر

حـريـق النـصـيـرات.. لكـل ضحـيـة اســم

بقلم د. وليد القططي

رأيتُ فيما يرى النائمُ أنَّ عمارةً كبيرة قد انهارت على ساكنيها، فإذا هي أنقاض بنيان مهدوم، أو كومة أحجار مركومة، دفنت في جوفها سكانها أمواتاً، بعد أن كانت عمارة تحملهم في طبقاتها أحياءً، ورأيتُ أني قد هرعتُ مع الناس لمكان العمارة الهاوية، لإنقاذ الأحياء وانتشال الأموات. وبينما نحن نقوم برفع حُطام العمارة، إذا بعيني تقع على جثة صديق عزيز لي مدفونة تحت الرُكام، فصرختُ بأعلى صوتي مذعوراً على من حولي طلباً للمساعدة في رفع الجثة، وقبل أن تمتد أيدينا إلى الجثة لترفعها، شعرتُ بيد أُمي تمتد إليَّ وتهزني من كتفي بقوة لإيقاظي من نومي بعد سماعها لصراخي، فقُمت من سريري فزعاً، ولم تتركني أمي حتى ذهب الروع عني فذهبت لحالها، وعدت إلى نومي تاركاً خلفي ما رأيته في المنام على أساس أنه أضغاث أحلام، أو أخلاط كوابيس، وقلت في نفسي لعلها رؤية إلهام يكون تأويلها بعكسها، فيُكتبُ لصديقي عمرٌ مديد وعيشٌ رغيد، ثم نمتُ مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم، ومستبشراً رحمة الله الرحمن الرحيم.

استيقظتُ صباحاً على خبر حادثة اصطدام سيارة شحن إسرائيلية كبيرة بحافلة عمال فلسطينيين من قطاع غزة، ومقتل وجرح جميع ركابها، وكلهم من مخيم دير البلح، ومعظمهم من عائلة البحيصي، فخشيتُ حينها أن في الحادثة تأويل الرؤيا ومصداق المنام، فانطلقت مُسرعاً إلى دير البلح لأقطع الشك باليقين، وعندما قادتني رجلي لأول جمهرة من الناس في المخيم سألتهم وأنا كاره لإجابتهم، وقلبي مُعلّقٌ بين الخوف والرجاء، إن كان صديقي الذي رأيته في المنام يوسف البحيصي بين الأحياء أو الأموات، فوقع القول عليّ أنه من الأموات. هذه الحادثة الفاجعة التي راح ضحيتها أكثر من عشرين شاباً ورجلاً من مخيم دير البلح وقعت في مطلع الثمانينات من القرن العشرين، والشاهد فيها أسماء الضحايا، فقد عرفتُ آنذاك كل أسماء الضحايا، غير أني لم احتفظ بذاكرتي إلا اسم صديقي العزيز، وظَّل الضحايا الآخرون مجرد أرقام بعثرتها رياح الزمن في صحراء الذاكرة المكتظة بالأحداث، تذكرتُ هذه الفاجعة الأليمة وأنا اتابع أخبار فاجعة حريق النصيرات في نشرات أخبار الإذاعات المحلية، وصفحات المواقع الالكترونية الإخبارية، رغم الهوة الزمنية السحيقة بين الفاجعتين، ورغم اختلاف ظروف وملابسات كل منهما، إلا أن الحزن وغياب أسماء الضحايا يوحدهما.

أسماء الضحايا في فاجعة حريق النصيرات لم تكن حاضرة بقوة، وكان التركيز على البُعد العددي في التغطية الإخبارية للحادثة، فقد كان آخر خبر- حتى الآن –هو "الضحية رقم (20) في حريق النصيرات" وأول خبر للحريق نُشر في الخامس من مارس آذار كان "وفاة تسعة مواطنين في حريق النصيرات"، وبينهما سلسلة من عناوين الأخبار كانت تزيد فيها أعداد الضحايا يومياً على اختلاف فيما بينها في توصيف الضحايا، ما بين وفيات وقتلى وشهداء وضحايا، دون الالتفات إلى مدلول كل مفهوم في اللغة والاصطلاح وعلاقته بنوع الحدث وأسباب الموت. وهكذا أصبح ضحايا حريق النصيرات مجرد أرقام في عدّاد الإعلام، يزيد بإطراد مع زيادة عدد الأيام، ويقل الاهتمام بأسماء الضحايا مع تتابع الأحداث، لا سيما ونحن في ذروة الهلع من وباء كورونا، فتتوه أسماء الضحايا في زحمة الأخبار المتتالية عن الوباء، ويبقى ذوي الضحايا وحيدين يحضنون حزنهم وألمهم وحسرتهم، ربما نتعاطف معهم، ونحزن لحزنهم، ونتألم لألمهم، ونشعر بحسرتهم، ونشاركهم دفن جثامين أعزائهم... لكننا حتماً سنتركهم ونمضي إلى سبيلنا وهمومنا وحياتنا تحت وطأة الاحتلال وثقل الحصار، وإلى جانب مأزق الانقسام وبؤس الانفصال، ولا بأس بالتعايش مع قليلٍ من العشوائية والاستهتار، وشيء من اللامبالاة والإهمال.

وقبل أن تغيب أسماء الضحايا عن ذاكرتنا وعقولنا، وتختفي صورهم من عيوننا وقلوبنا، وقبل أن تبرد نار حريق النصيرات، فيبرد معها تعاطفنا مع الضحايا وأُسرهم، وتبرد معها حماستنا للبحث عن الحقيقة واستخلاص العبر وإصلاح الخلل،، وقبل أن يتحوّل الضحايا إلى مجرد أرقام جافة في تاريخ الوقائع والأحداث، وأعداد جامدة في أرشيف الجرائد والذكريات، ينبغي التأكيد دائماً على إنسانية الضحايا بذكر أسمائهم وقصصهم وحكاياتهم، ومعاناة أسرهم ومحبيهم، من أول الضحايا الأم إيمان أبو محروق وطفلتيها ليان ومنال حسين، وحتى آخر الضحايا الشاب يوسف الأشقر، والضحية قبل الأخيرة السيدة حياة صبح، مروراً بالأختين الطفلتين سالي وريتال عيد، والأب وابنه ماجد وعدي أبو يوسف، والأم وابنتها سلوى ولينا حمدان، وأبناء العم الشابين حسن وعبدالله الزريعي، والشاب زياد حسين، والطفل فراس عوض الله، والحاج سعيد خواص، وأسامة البنا، وحنفي أبو الليل، ومحمد الشاعر، وأحمد أبو رحمة. فلكل ضحية اسم، وكل اسم ذات انسان، وكل إنسان قصة حياة التهمتها نيران حريق النصيرات، وكُتب فصلها الأخير المأساوي بلظى النار على صفحات كتاب القضاء والقدر، الذي شاركنا بإهمالنا في طباعته، فكتبنا نهاية حزينة لحياة بسيطة، حمل أحلامها العادية معهم إلى القبر فقراء المخيم؛ لعلها تشفع لهم عند بارئهم فيكتبوا مع الصديقين والشهداء.

لكل ضحية اسم إنسان مات بعد أن انتهى أجله المكتوب في اللوح المحفوظ، ولم يبقَ له في الحياة الدنيا لحظة واحدة من عمر، فلكل أجل كتاب، هذه حقيقة إيمانية يقينية لا شك فيها، ولكن هناك حقيقة أُخرى متعلقة بحادثة حريق النصيرات، وهي أن الضحايا الأبرياء قد ماتوا ظلماً بسبب الإهمال الجنائي المترتب على عدم قيام المسئولين المختصين بواجبهم الوظيفي المطلوب منهم بحكم عملهم، والذي يقتضى أخذ الإجراءات اللازمة لحفظ أمن وسلامة الناس، وهو ما يترتب عليه مسؤولية جزائية على المقصرين بعملهم، وهناك مسؤولية عامة لأولي الأمر في البلد عما يحدث فيها. ومن جانب آخر فمن الضروري التحقيق في أسباب الحادثة الفاجعة لاستخلاص العبر والدروس منعاً لتكرره في أماكن أُخرى. ومن المفيد التأكيد أن احترام كرامة الضحايا بعد موتهم واحترام مشاعر أسرهم بعد مأساتهم يقتضى أن لا يتم استغلال الفاجعة الأليمة من قبل أي طرف لتكون فرصة لتصفية حسابات الثأر التاريخية، وتعزيز المواقع على خارطة القبلية الحزبية، وتجميع المزيد من النقاط في حلبة المناكفات السياسية، خاصة وأننا في أوج حملة وطنية للوقاية من وباء كورونا نحتاج للوحدة الوطنية وجهد الجميع. وفي المقابل أن لا يتم الدفاع عن أخطاء المسؤولين المقصرين، وإهمال المختصين المتسببين، فيتحوّل الكُتّاب بذلك إلى مخبرين، والإعلاميين إلى مندوبين، فيفقدوا رسالتهم ويتخلوا عن واجبهم.