Menu

الأستاذ محمد حميد يكتب: رجالٌ تعاهدوا على الجهاد في سبيل الله

بقلم الأستاذ: محمد حميد

(عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين)

يهمّ تموز بالرحيل تاركاً خلفه أثيراً من أثير الذي اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة يرجون أن يؤتوا أجراً عظيماً، أثيرٌ يحمل معه ذكرى استشهاد القادة في سرايا القدس الشهيد/ خليل الضعيفي "أبو زيد" والشهيد/ عمر الخطيب "أبو عرفات" والشهيد/ أحمد البلعاوي "أبو شادي"، ففي أسبوعٍ كهذا من العام 2007م استهدفت طائرات الغدر الصهيونية السيارة التي كانوا يستقلونها أثناء تواجدهم في المحافظة الوسطى في قطاع غزة، وصعدت أرواحهم إلى بارئها شاهدةً على رحلة جهادية مباركة واكبت نشأتهم في قلب النضال الفلسطيني.

فالشهيد القائد/ خليل الضعيفي "أبو زيد" الكهل الخمسيني أحد السباقين في إشهار السلاح في وجه العدو الصهيوني وهو صاحب النخوة والنُصرة لإخوانه في السراء والضراء، فضلاً عن كونه ذا همةٍ عاليةٍ لا يتوانى عن الجد والجهد في سبيل الجهاد المقاومة، فلم يثنِه ارتقاء نجله البكر "زيد" شهيداً في العام 2003م عن عمله المقاوم ورحلته الجهادية، وشارك مع إخوانه في سرايا القدس في التخطيط للعديد من العمليات العسكرية والتي من أبرزها عمليات الاقتحام للمغتصبات الصهيونية التي كانت جاثمةً على أرض القطاع قبل الاندحار الصهيوني عام 2005، ورغم كبر سن الشهيد أبو زيد نسبياً إلا أنه شارك الشباب المجاهد ميدانياً كافة مهماتهم الجهادية، فساهم في تصنيع وإطلاق مئات القذائف الصاروخية على مستوطنات غلاف غزة وباقي المدن الفلسطينية المحتلة.

هذه المسيرة الجهادية الحافلة، لم تحرم الشهيد أبو زيد من إنسانيته اللافتة وحس الدعابة، فقد رافق مجلسه حضوراً طاغياً، فلا يمكن أن تلقاه إلا مبتسم الثغر لبساطته وحضوره الفكاهي المميز، جمعتنا به أيام عديدة وله في القلب ذكرياتٌ راسخة وثابتة كثباته على طريق الجهاد.

أما الشهيد القائد/ أبو عرفات الخطيب فكان يحمل مزيجاً بين البساطة الشخصية والعلم العسكري الغزير، إذ أنه رغم سمته البسيط حمل معرفةً وعلماً عسكرياً عميقاً، ولم يكن يتوقف عن تطوير نفسه وعلمه والاطلاع على ما هو جديد ومتابعة المستجدات. وقد قدر الاحتلال الصهيوني مبكراً خطورته العسكرية، فتعرض للاعتقال لأكثر من ثلاثين شهراً في زنازينه خلال تسعينيات القرن الماضي، وقد خرج منها ليستمر في ذات الطريق دون هوادة.

سبق لي أن عاينت قدرات الشهيد/ أبو عرفات العسكرية أثناء حضوري لعدد من النقاشات مع إخوانه المجاهدين حول بعض العمليات العسكرية بعد استعراض ملاحظات مجاهدي الرصد والمتابعة، إن ما يلفت النظر في نقاش الشهيد مقدرته العالية على التمييز والتقدير وتحديد نقاط القوة والضعف بكل عملية.

إضافة إلى كون الشهيد أحد السباقين في تدشين قوة سرايا القدس البحرية من الضفادع البشرية، وقد أشرف في حينه على هذه القوة التي نفذت أكثر من عملية جهادية في عرض بحر غزة، ولعل أبرزها عملية "بدر الكبرى" الذي نفذها الأخوان الشهيد القائد/ محمد المصري من بيت حانون والشهيد القائد/ جمال إسماعيل من مخيم البريج، حيث تمكن المجاهدان الشهيدان من تفجير سفينة حربية للعدو ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود الصهاينة. ولا غضاضة في القول أن الشهيد/ أبا عرفات قد شارك في التخطيط أو التنفيذ للعديد من العمليات العسكرية النوعية التي أحدثت فارقاً كبيراً في سجل سرايا القدس الجهادي وفي سجل المقاومة الفلسطينية.

ومما تسعفني به الذاكرة في سيرة هذه الشهيدين أبي زيد وأبي عرفات، هو صنيعهما أثناء مباغتة قوة خاصة صهيونية لقوة من سرايا القدس كانت تباشر إطلاق القذائف الصاروخية على المغتصبات الشمالية للقطاع والاشتباك معها بتغطية من الطيران الحربي للعدو ما أدى إلى استشهاد الإخوة الشهيد/ عبد الرحمن أبو شنب والشهيد/ يوسف أبو المعزة والشهيد/ محمد مطر، إذ كان الشهيدان/ أبو زيد وأبو عرفات من أوائل من وصل إلى منطقة الاشتباك والمشاركة الفاعلة فيه، وكانا آخر من انسحب من المكان بعد تأمين جثامين الشهداء.

أما الشهيد القائد/ أحمد البلعاوي "أبو شادي" فقد كان جاراً كريماً وصديقاً عزيزاً رغم صغر سنه، فهو المثال الصادق للشاب المسلم المجاهد، المقتصد في الحدث، المعلق قلبه بالمساجد والمواظب على الصلاة فيه، لا يشده شيءٌ سوى عمله الجهادي، فلا تراه صاباً عمله وتركيزه إلا على عمله الخاص كحدادٍ وعمله الجهادي دون أن يكون له اهتمامات أخرى مثل أقرانه من الشباب، فهو ابن أسرة كريمة عزيزة، حيث كان والده من أهل الصف الأول في المساجد.

رحم الله الشهداء رحمةً واسعةً وأسكنهم فسيح جناته وألحقنا بهم مقبلين غير مدبرين، لقد عاشوا على الفطرة السليمة التي تضم في ثناياها المقاومة والمشاغلة في وجه هذا العدو الغاصب دون تفاهمات أو تسويات، وتضم أيضاً البساطة وسلامة القلب، فقد عرف جميع الشهداء أن الطريق إلى الله –سبحانه وتعالى- تبدأ من آفاق وإحياء فريضة الجهاد، فثمن تحرير المسجد الأقصى المبارك وأكنافه غالٍ وكلفته القيد والدماء والأشلاء، ففلسطين قدر الله تعالى أن تكون أرضاً مباركةً للمؤمنين، ولن يتمكن الغرباء وشذاذ الآفاق من بسط هيمنتهم واحتلالهم طويلاً، وسيتكمن رفاق الشهداء وإخوانهم الصادقين من دحر الاحتلال وإنزال الهزيمة القاصمة به، فهي لحظاتُ تمحيصٍ وابتلاءٍ للمؤمنين ليميز الله الخبيث من الطيب، وسيكتب الله –بإذنه- سقوطاً مدوياً لأعوان الاحتلال الجبناء من المشرق والمغرب، فهذه حتمية التاريخ، وما النصر إلا إيمانٌ بسورة الإسراء.