Menu

هل أصبحَ الإغلاقُ حَلًا في قطاعِ غزة؟

بقلم/ أحمد زقوت:

مُنذ تسجيلِ أولى الإصابات بفيروس كورونا داخل قطاع غزة في 24 أغسطس/آب الماضي، بدأ عددٌ كبيرٌ من الإشاعات والفبركات واختلاق الأخبار الكاذبة بالانتشار في قطاع غزة ، والتي يتم تداوُلُها بكثرةٍ من قبل مُرتادي شبكات التواصل الاجتماعي، نتيجة حالة الخوف والقلق، لا سيما أبرزُ هذه الشائعات المٌتداولة هي الإغلاقٌ التامٌ لمناحي الحياة في غزة وفرض حظر التجوال، وهو ما يَحدُثُ إرباكاً شديداً بين المُواطنين، بالرغم من كل الإيضاحات الحُكومية الرسمية التي تحدثت عن موضوع الإغلاقِ التامِ وبينت تفاصيلُهُ ومتى يمكُنُ اتخاذُ مثل هذه القرارات، لكن وفي ظل الجدل المُثار حول الإغلاقِ أم لا، نطرحُ سُؤالًا هل أصبحَ الإغلاقُ في قطاع غزة الحل؟

 أولا لحسم الجدل بين الرواد والحُكومة في غزة، صرح مُؤخرًا، موسى السماك، النائبُ الأولُ لرئيس لجنة المُتابعة الحُكومية، إن موضوع الإغلاقِ قيد التُداول؛ لكن لهذه اللحظة لا يوجدُ فيه قرارٌ، وتم إرجاؤُهُ لأيامٍ قادمةٍ بعد مُتابعة الوضع الوبائي في القطاع، وشدد على أن الإغلاقَ مرتبطُ بالوضع الوبائي وتفشيه، مُشيراً إلى أن هناك مُحددينَ رئيسيينِ للإغلاق: وهما تفشي الوضع الوبائي في القطاع، وقُدرةُ وزارةِ الصحةِ على الصمودِ والتصدي للوباء وهذا مُرتبط ٌبعدد الحالات.

ولا بُد أن نعرف أن قطاع غزة مُكتظٌ بالسكان، الذي يُعدُّ من النسب الأعلى في العالم حسب الجهاز المركزي الإحصائي (حوالي 6000 شخص لكل كيلُو متر مربع)، ويُوجدُ بغزة أكثر من 2 مليون إنسانٍ، يعيشُون في بُقعةٍ لا تتجاوز 365 كيلُو مترًا.

والهدفُ الأساسيُ من "الإغلاق" هو مُحاولةٌ لمنعِ تفشي الفيروس وتقليل العدوى والإصابة به، وتخفيف الضغط على المستشفيات في القطاع، وأيضًا المُحافظةُ بقدر الإمكان على الأرواح البشرية، وطبقت الحُكومةُ في غزة ذلك بعد إعلانِ وزارةِ الصحةِ تسجيلَ إصابةٍ جديدةٍ بفيروس كورونا في وسط قطاع غزة، لسيدةٍ في 24 أغُسطُس المُنصرم، ورافق الإعلان حظرًا شاملًا للتجوالِ وأغلقت المحال التجارية، والمُؤسسات الحُكوميةَ والتعليمية والخاصة، والمساجد أبوابها، ضمن إجراءات مُكافحة الفيروس.

أُضطرُ الكثيرُ من المُواطنين حينها، إلى المُكوث في منازلهم، بسبب قرارات الحجر الصحي المفروضة من السُلطات الحُكومية، وهذا الواقع الجديد أي الإغلاق انعكسَ على الحياةِ الاقتصاديةِ، ونظراً إلى توقًّف عمل المياومين في الكثير من المنشآت التجارية والصناعية وغيرها، فأحدثت أزمةً جديدةً وهي لا بُد من التعايش حتى يتم تلبية حاجاتِ المُواطنين الأساسية، إذًا لم يكُن الإغلاقُ الحل السحري، فأعلنت بعد ذلك العودةُ تدريجيًا لمناحي الحياة، مع الالتزام بالإجراءات الوقاية.

وهذا ما أكدهُ علي الحايك رئيسُ جمعيةِ رجالِ الأعمالِ الفلسطينيين، أن الخسائر المُباشرة وغير مُباشرةٍ للاقتصاد في قطاع غزة، نتيجة تفشي فيروس كورونا، وبدءِ إجراءاتِ الإغلاقِ في أغسطس/ آب الماضي، بأكثر من مليار دولارٍ أميركيٍ، وأشار إلى أن العام 2020م، هو الأكثر ضررًا على القطاع، على المُستوى الاقتصادي والاجتماعي والصحي، نتيجة الوباء، واستمرارِ الحصار "الإسرائيلي"، وتأثر مشاريعِ الدخلِ الصغيرة والمتوسطة والكبيرة على حد سواء بشكلٍ سلبيٍ.

 أُشيرَ هنا إلى أن سيناريو التعايش مع الفيروس أو ما يُعرفُ بـ "مناعة القطيع" الذي طبقتهُ العديدُ من دولِ العالم، فهي مرحلةٌ تحتاج إلى تهيئةِ المجتمع الغزي، ليس بالمعلُوماتِ فقط بل بالتطبيق، فهناك فجوةٌ كبيرةٌ ما بين النظريةِ والتطبيقِ، ونُلاحظُ ذلك من خلال ازديادِ عددِ الإصاباتِ وإن بعضَ المُواطنين لا يلتزمونَ بالإجراءات الوقائية والصحية للحماية أنفُسهم من الوباء.

 إذن من خلال ما سبق نجد أن الحُكومةَ أمام تحدي حقيقي بين خيارتها، إما الإغلاقُ وحظرِ التجوالِ بشأنه يُحافظُ على الأرواح البشرية، ولكنهُ يؤثرُ سلبًا على الحياة الاقتصادية، في المُقابلِ الاتجاهَ نحو التعايش الذي يؤثرُ سلبًا على المنظومةِ الصحيةِ المنهكةِ في القطاع، ويُنقذُ بعض الاقتصادِ الشحيحِ أصلًا قبل الجائحة.

هنا تكمُنُ الأزمُة الحقيقةُ التي لا بُد أن تُواجهها للمُحافظة على الحياة الصحية والاقتصادية، فالإغلاقُ ليس حلٌ، بل وقفٌ وتأجيلٌ لتزايد عددِ الإصابات، والتعايُشِ لا يُراهنُ على وعي المواطن بدليلِ كثرةِ عددِ الإصابات في الأيامِ الأخيرةِ، من واجبنا أن نُحاول الإسهامِ في حل المُشكلة، يجبُ تحقيقُ التوازُنِ بين العودة للحياة الطبيعية التي أصبحت ضرورةً ملحةً والتي تتطلبُ عودة الاقتصاد والأعمال، وبين استمرار الإجراءات الاحترازية وتشديدها، والحفاظ على صحة المُواطنين، أي السماح لفئاتٍ معينةٍ في المجتمع بالتحرك الضروري كمن لهم مصالحُ معيشيةٌ لا غنى عنها، ومراقبةُ الأماكن العامة بشكلٍ دائمٍ، وفضُ التجمُعات بشكلِ مناسبِ بدون قسوةٍ، وإغلاق بُيوت العزاءِ والأفراحِ، وإغلاق المُؤسسات التعليمية، والمراكزِ المُجتمعية.

ففكرةُ الإغلاقِ تم تطبيقٌها مُسبًقًا كأول حلٍ لمُحاصرةِ الفيروس وليس كحلٍ دائمٍ، وفكرةِ التعايُشِ طبقتهُ دولُ العالم في نهايةِ المشوارِ بعد السيطرةِ على انتشارِ الوباءِ، وتحديد الخربطة الوبائية وتحصين البلاد ووضع الإمكانيات جميعُها من تأمينٍ طبيٍ واجتماعيٍ ورواتب للناس، لذلك يجبُ أولُ اعتبارٍ إذا طُبقت فكرةُ الإغلاقِ ثانيًا عليها أن تُغلقَ المناطقُ المُصنفةُ حمراء وفيها عددٌ كبيرٌ من الإصاباتِ وعدم السماحِ بالدخُول والخُروجِ من هذه المناطق، وأن توفرَ "الحاجاتُ الأساسيةُ للمُواطنين" في هذه المناطق، صحيحٌ هذا لن يُنهي التفشي الفيروس لكن يُساهم في تقليل انتقالِ العدوى قدرَ المستطاعِ.

أخيرًا يتوجبُ على المُواطنين التعامُلُ بجديةٍ ومسؤوليةٍ في هذه المرحلة، وعدم التهاوُنِ أو الاستهتارِ واتباعِ كل إجراءات السلامة والوقاية، والبقاء قدر الإمكانِ في البيوت، والتباعُدِ الاجتماعي، وعدم ارتياد الأماكن المعروفة بازدحامها إلا للضرُورِة القصوى وضمن الضوابط، مثل: ترك المسافات الآمنة بينك وأقرب الناس إلى مكان وُقوفِكَ، وارتداء الكماماتِ والقفازات، وضَرورَةِ الاهتمامِ بالنظافةِ العامة، وغسل الأيدي بين حين وآخر بالماء والصابون، وتناوُلِ الأغذيةِ المُفيدة والمقويةِ لمناعةِ الجسمِ.