تبذل الدول الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على آثارها الحضارية، ومعالمها المختلفة؛ لما لها من دلائل على ارتباطها بالتاريخ الإنساني والحضاري، غير أنَّ الصورة في قطاع غزة تبدو مختلفة تماماً؛ إذ تنوي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) إزالة معلمٍ إسلامي وحضاري كبير شرق مدينة غزة.
مقام الشيخ علي السيقلي (892 هجرية/ 1487 ميلادية) المُهدد بالإزالة، واحدٌ من أبرز المقامات الأثرية والحضارية في قطاع غزة؛ إذ شُيِّدَ قبل مئات السنين، وكان من أبرز الشواهد الحضارية على التاريخ الفلسطيني الإنساني.
ويخبرنا "التأريخ الشفوي" أنَّ المقام تحول في كثير من العصور إلى مزارٍ ونقطة التقاء بين المتعلمين والطلبة، وفي حاضرنا أصبحت أرض المقام مدرسة تعرف باسم (مدرسة الشجاعية للبنين)، وكان قبر الراحل الذي يتوسط ساحة المدرسة مبعث طمأنينة للطلبة؛ لما وصل إليهم أجدادهم عبر "النقل الشفوي" عن صلاح الشيخ علي.
أرض المقام تبلغ مساحتها أربعة دونمات، أوقفها نجل الشيخ علي صاحب القبر للأوقاف الإسلامية؛ وذلك كصدقة جارية عن روح الشيخ علي، الذي وافته المنية لدى عودته إلى بلاده في المغرب الإسلامي؛ في أعقاب أداء الشيخ مناسك الحج وزيارة المسجد الأقصى المبارك.
بقيَّ الضريح يزين قطعة الأرض طيلة تلك القرون، ويزين المدرسة طيلة أيام إنشائها، مع الإشارة إلى أنَّ القبر يحوي نقوشاً تراثية إسلامية فريدة، إلى أنْ جاءت جرافات وآليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين لنبش القبر، الذي لا يتجاوز طوله متراً ونصف وعرضه متراً واحداً، مبررةً ذلك أنَّ الأمر يتعلق بتوسعة المدرسة، مع الإشارة هنا إلى أنَّ القبر موجود في منطقة خارج الخرائط الهندسية البنائية؛ إذ أنه يقع في بداية ساحة المدرسة، التي لا يصلح فيها لا إنشاء ملعب ولا حتى فصل دراسي.
عائلة السيقلي التي تنحدر من صلب الشيخ علي، وصفتْ قرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) بـ"الخاطئ"؛ كونه يمس بالموروث الأثري، والحضاري، والديني، والاجتماعي.
وذكرت العائلة أنّ تخريب (الأونروا) لأجزاء من القبر عملاً يتنافى مع التعاليم الإسلامية، ومساساً صارخاً بالتراث الحضاري، وتعدياً على الموروث الاجتماعي للعائلة، مشيرةً إلى أنَّ (الأونروا) لجأت إلى ذلك السلوك غير المبرر دون الرجوع إلى الجهات المختصة، أو العائلة.
ونظمت عائلة السيقلي وقفة حاشدة بالقرب من ضريح الشيخ علي؛ احتجاجاً على نبش القبر، والإضرار بالإرث الإنساني والحضاري، داعين في الوقت ذاته الجهات المختصة في وزارة الآثار، والمؤسسات المختصة في رعاية الموروث الحضاري والإنساني إلى التدخل العاجل.
يقول محمد السيقلي: "إن ما يجري في أمر ضريح الشيخ علي، يعبر عن حالة الجهل، ومحاولة تجهيل المجتمع، وفصله عن تاريخه وحضارته"، مشيراً إلى أنَّ الاعتداء على تراث شعبنا يأتي في سياق طمس الهوية الحضارية، والصبغة الدينية، والمعالم الأثرية المهمة، التي تربط الفلسطيني بتاريخه وماضيه".
وشدد السيقلي على أنه ومن الواجب والصحيح ترميم القبر، لا أن يزال بتلك الطريقة التي وصفها بالهمجية.
إلى ذلك عبر الأهالي وسكان المنطقة عن سخطهم مما جرى، مشددين على ضرورة الحفاظ على الإرث الحضاري والتاريخي؛ لما يشكله من رافعة للأجيال وربط لها بتاريخها وحاضرها.
يقول محمد الحطاب أحد جيران الضريح الأثري: "المحافظة على المعالم التاريخية، والأثرية، والدينية أمر في غاية الأهمية؛ كون تلك المعالم مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة، وأهم مظهر من المظاهر التي تعكس حضارة شعبنا؛ لذلك كان المفترض أن يرمم قبر الشيخ علي السيقلي، لا أن يزال بتلك الطريقة".














