غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

توجيهي غزة.. تحديات جمة تواجه الطلبة تحت نار الإبادة

توجيهي غزة.. تحديات جمة تواجه الطلبة تحت نار الإبادة.jpg
شمس نيوز - خاص

"دراسة في ظل الحرب مثل محاولة إشعال شمعة في عاصفة هوجاء" بهذه الكلمات لخص الطالب "محمد عياد" ما وصل إليه حال طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة، بعد إعلان وزارة التربية والتعليم، نيتها عقد امتحانات "التوجيهي" لطلبة القطاع، أواخر شهر يناير من العام القادم 2025م، بعد أن حرمهم الاحتلال الإسرائيلي من الدراسة لعام كامل؛ بسبب حرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل" منذ أكثر من 441 يوماً على التوالي، ودمَّرت خلالها عدداً من المدارس والمراكز التعليمية من جهة، وتحويل عدد آخر منها إلى مراكز إيواء للنازحين وربطها بمعاناتهم من جهة أخرى، في محاولة لفرض "التجهيل" بشكل ممنهج، وحرمان الأجيال القادمة من حقهم في التعليم.

داخل خيمة النزوح، يستمع الطالب "عياد" لدروسه المقررة في الرزم التعليمية، إلكترونياً بواسطة "هاتفه المحمول"، بعد أن باءت محاولاته في توفير الكتب والقرطاسية بالفشل؛ نظراً لارتفاع ثمنها الباهظ وعدم توفرها، إضافةً إلى عدم توفر البيئة المناسبة للدراسة بسبب ضجيج الباعة وأصوات القصف والاستهداف الإسرائيلي ودوي "طائرات الاستطلاع" التي باتت جزءاً روتينياً من حياة أهالي القطاع، علاوةً على معاناة الحياة اليومية التي تتطلب نقل المياه من أماكن بعيدة وتوفير الطعام من التكايا، وهي ما يلزمها وقوفاً لساعات في طابور الانتظار؛ ليجد "عياد" نفسه كما آلاف الطلبة في قطاع غزة أمام واقع مأساوي، وظروف قاهرة لا يمكن خلالها الدراسة ولو بالحد الأدنى.

يقول عياد لمراسل "شمس نيوز"، الذي زاره في خيمة نزوحه وسط القطاع، وعايش معه أجواء الدراسة ساعةً واحدةً من الزمن: "كيف لنا أن نستعد للامتحانات ونحن نعيش وسط القصف، بلا كتب ولا هدوء ولا أمان، وبلا وقت، سيما مع معاناتنا اليومية التي تتطلب الوقوف منذ ساعات الصباح الباكر في طوابير تعبئة المياه وتكايا الطعام؟".

ويعيش طلبة الثانوية العامة "التوجيهي" حالة من الضياع النفسي وسط ظروف النزوح والدمار، ففي ظل تعطل كامل للعملية التعليمية وقصف المدارس، وغلاء الملازم والقرطاسية ورزم التعليم الورقية، وانعدام أجواء الدراسة في حضور الخيام التي لا تصلح حتى للإيواء الآدمي، مما يجعل التركيز على الدراسة أمراً شبه مستحيل، ويدخل الطلبة في دوامة من الحيرة والقلق حول مصيرهم في هذه المرحلة التعليمية الحساسة.

في زاويةٍ أخرى من زوايا المعاناة، لم يجد الطالب "أحمد المغني" بُدَّاً من البحث عن أي نقطة تعليمية في مخيمه الواقع في منطقة دير البلح وسط القطاع، وفي ظل اشتداد القصف لا يدري كيف يبدأ في الدراسة، يقول: "الوضع هذا لا يمكن الدراسة فيه، أحاول قدر الإمكان الدراسة بلا فائدة، القصف شديد ولا يوجد تركيز".

الخضوري: سنعقد امتحانات التوجيهي بغزة رغم الحرب!

وأعلن المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم العالي، صادق الخضوري، موعد عقد اختبار الثانوية العامة لطلبة قطاع غزة، بعد انقطاعهم عن تقديمها بسبب الحرب.

وقال الخضور، إن الوزارة ستعقد اختبارات الثانوية العامة للعام 2025 في الضفة وطلبة غزة في الحادي والعشرين من حزيران/يونيو المقبل على أن تنتهي الدورة الأولى في التاسع من شهر تموز/يوليو".

وأضاف أنه من: "من المقرر عقد امتحان الثانوية العامة لطلبة قطاع غزة بدورته الثالثة والمتواجدين خارج فلسطين في السادس والعشرين من شهر كانون الثاني/ يناير العام القادم".

ولفت إلى أن عدد هؤلاء الطلبة 523 طالب وطالبة موزعين على اثنتين وعشرين دولة عربية وأوروبية.

مبادرات تعليمية من وسط الركام!

وجراء ذلك، انطلقت مبادرات تعليمية في قطاع غزة تهدف إلى إنقاذ الجيل من سياسة "التجهيل" وتعويضهم عما فاتهم من التعليم، ومن بينها كان مركز "جورة اللوت التعليمي"، الذي مثَّل بارقة أمل للطلبة جنوب القطاع.

تبادرت فكرة تأسيس المركز إلى ذهن الأستاذ "شعبان صافي"، وهو مشرفٌ تربويٌّ لمبحث "الفيزياء" في مديرية التربية والتعليم بخانيونس، الذي سعى لابتكار وسيلة تساعد الطلبة في المذاكرة ومتابعة الدروس، من خلال توفير بيئة تعليمية تُنقذ هذا الجيل.

وبالفعل، أبصرت تلك الفكرة النور، بعد جهدٍ كبيرٍ وعملٍ دؤوبٍ، وسجَّل فيه أكثر من 800 طالب وطالبة من الثانوية العامة، يُوزعون على 4 فصول من الخيام، وفق التخصص (علمي وأدبي)، بطاقم تدريس أكاديمي متطوع تم اختياره بعناية وفق معايير تقديرية لضمان الكفاءة والجودة.

ويَدرس الطلبةُ في مركز "جورة اللوت" جميعَ المواد المقررة وفق الرزم التعليمية التي أقرتها وزارة التربية والتعليم، ويتم تنظيمها في 5 حصص يومياً، وللتغلب على مشكلة عدم توفر الكتب أو الرزم التعليمية الورقية، دمج المركز بين التعليم الورقي والإلكتروني؛ لضمان وصول المعلومات للطلبة بأفضل الطرق الممكنة.

يقول "أ. شعبان صافي": "نسعى لتوفير بيئة مستقرة تمكن الطلبة من التمسك بحقهم في التعليم، وأملهم في المستقبل، وما نراه اليوم من إقبال كبير من الطلبة يدل على إرادتهم وعزيمتهم، حيث إن الاحتلال لا يخشى فقط عددنا أو عديدنا، بل يخشى علمنا وثقافاتنا وانتماءنا لأرضنا وتمسكنا بها".

ويضيف: "نحن نراهن على هذا الجيل، فهو الذي سيبني غزة من جديد ويصنع مستقبلاً مشرقاً وغداً أفضل".

ويحظى المركز بزيارات دورية من وزارة التربية والتعليم، التي تتابع سير العملية التعليمية فيه، وتشيد بجهود القائمين عليه والمعلمين فيه، وينتظر الحصول على اعتماد رسمي من الوزارة، إذ تنطبق عليه الشروط التعليمية المطلوبة، كما يسعى للحصول على اعتماد من منظمة الأمم المتحدة لإنقاذ الطفولة "اليونيسيف".

في إحدى غرف المركز الصفيَّة المشيدة من الخيام، يعكف المعلم "سعيد المصري"، وهو معلم الرياضيات، على تبسيط قواعد الاشتقاق الرياضي، لطالبات التوجيهي، وشرح تلك المعادلات بإتقانٍ وتفانٍ شديدين، مُستَخِدماً ما توفر من وسائل تعليمية "كالسبورة والطبشور"، وسط تفاعل ملحوظ من طالباته.

في خيمة أخرى، ينهمك المعلم "عمر الحاج"، وهو معلم اللغة العربية، في شرح قواعد الميزان الصرفي وأوزانه لطلبة الفرع العلمي، حيث يجلس الطلبة على أرض مفروشة بالحصير؛ نظراً لعدم القدرة على توفير كراسي وطاولات مدرسية؛ بسبب إغلاق المعابر وسيطرة الاحتلال عليها، يحملون دفاترهم وأقلامهم، بينما يحاول المعلم تبسيط المعلومات باستخدام أمثلة قريبة من واقعهم.

في خِضَمِّ الحصة، يرفع أحد الطلبة يده ليسأل: "أستاذ، ما وزن كلمة نزح؟"، ليجيب المعلم "الحاج" بعد أن ابتسم: "كلمة نزح هي على وزن فعل، وهي تعبر عن واقعنا اليومي في النزوح، لكننا سنجعلها تعبر عن قوتنا بالإصرار على العودة".

يقول المعلم "الحاج"، لمراسل "شمس نيوز"، وهو يشير إلى سبورة صغيرة عُلِّقت على جدار الخيمة: "التعليم في هذه الفترة يشكل تحدياً كبيراً، لكنَّ إصرار الطلبة على التعلم هو ما يدفعنا على الاستمرار وتذليل كل العقبات، فنحن نعمل بأبسط الإمكانيات لتصل المعلومة إليهم، ونحرص على أن تكون الحصة ممتعة ومفيدة في الوقت ذاته".

لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام

وجد المعلم "عمر المصري"، في المركز التعليمي فرصةً لممارسة طموحه وشغفه في تدريس مبحث التاريخ، الذي كان يحلم به منذ أن تخرج من الجامعة وحصل على درجة الماجستير بتقدير امتياز" في التاريخ والعلوم السياسية من جامعة عين شمس بجمهورية مصر، ولكنه اصطدم بواقع غزة الذين كانت تتفشى فيه البطالة بشكل كبير، وهو ما جعله يواجه صعوبة في إيجاد وظيفة تتناسب مع مؤهلاته.

جلس مراسل "شمس نيوز"، في إحدى المقاعد الدراسية وانتبه لشرح حصة التاريخ، وأُعجب بتفاعل الطلبة الكبير، وأسلوب المعلم المتمكن الذي بدا كأنه يروي التاريخ على شكل رواية بأسلوب بديع، والذي يمكن وصفه بـ"الراقي" شرحاً ومعاملةً، يقول المعلم "عمر المصري": "كان حلمي دائماً أن أكون معلماً للتاريخ، لكن الواقع في غزة كان قاسياً، والبطالة كانت تقف عائقاً أمام تحقيق طموحي، لكن عندما سنحت لي الفرصة للعمل في مركز جورة اللوت، شعرت بأنني أعود إلى حلمي القديم، وأنني أساهم في بناء جيل جديد من الشباب الذين يمتلكون الوعي بتاريخهم وواقعهم".

ويضيف: "التدريس هنا له طعم مختلف، فنحن لا نُعَلِّمُ التاريخ فقط، بل نُعَلِّم ُالطلبة كيف يفهمون الحاضر من خلال دروس الماضي، وهذا يجعلهم أكثر إصراراً على التغيير في حياتهم".

كما يجد الطلبةُ في مركز "جورة اللوت" التعليمي، نوراً وضوءاً لهم، إذ تقول الطالبتان "فاطمة ورهف"، بعد أن أثنى المعلم عليهما نتيجة إجابتهما السريعة على إحدى الأسئلة: "الحرب حرمتنا من كل شيء، لكنَّ المعلمين في هذا المركز يهتمون بنا ويريدون لنا النجاح والتفوق، وهذا يعطينا دافعاً أكبر للدراسة وتحقيق حلمنا بأن نكون ممرضتين تخدمان أبناء شعبهما يوماً ما".

إحصائيات وزارة التربية والتعليم

وقالت وزارة التربية والتعليم العالي، إن 12,061 طالباً استُشهدوا و19,467 أصيبوا بجروح منذ بدء العدوان الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول 2023 على القطاع والضفة.

وأوضحت الوزارة في بيان صحفي، أن عدد الطلبة الذين استُشهدوا في قطاع غزة منذ بداية العدوان وصل إلى أكثر من 11,946، والذين أصيبوا 18,858، فيما استُشهد في الضفة 115 طالبا وأصيب 609 آخرون، إضافة إلى اعتقال 466.

وأشارت إلى أن 564 معلما وإداريا استُشهدوا وأصيب 3729 بجروح في قطاع غزة والضفة.

ولفتت الوزارة إلى أن 441 مدرسة حكومية وجامعة ومباني تابعة لها و65 تابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" تعرضت للقصف والتخريب في قطاع غزة، و126 مدرسة للقصف والتخريب، و77 للتدمير بالكامل، كما تعرضت 91 مدرسة و7 جامعات في الضفة للاقتحام والتخريب.

وأكدت أن 788 ألف طالب في قطاع غزة ما زالوا محرومين من الالتحاق بمدارسهم وجامعاتهم منذ بدء العدوان، فيما يعاني معظم الطلبة صدمات نفسية، ويواجهون ظروفاً صحية صعبة.