غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

حين تكون النجاة هدفًا: أرامل غزة ومعركة البقاء

أرامل غزة
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لا تُقاس الحرب في غزة بعدد الغارات فقط، بل بعدد النساء اللواتي فقدن أزواجهن واضطررن لمواصلة الحياة وحدهن، بين الخيام الممزقة، ومراكز النزوح المكتظة، تعيش الأرامل واقعًا قاسيًا، يجمع بين ألم الفقد ومسؤولية إدارة أسرة كاملة في ظل انعدام الأمان وغياب مقومات الحياة الأساسية.

أرامل غزة معركة الحياة بلا سند

لا تتوقف معاناة النساء الأرامل في غزة عند حدود الفقد والنزوح، بل تمتد إلى معركة يومية من أجل الصحة والنجاة، في ظل نظام صحي شبه منهار، ونقص حاد في الأدوية، وانعدام الرعاية الطبية المنتظمة، فالأرمل لا يقلقن على أنفسهن فقط، بل يحملن همّ أطفالهن المرضى.

أم ياسر، أرملة في الثلاثينيات من عمرها، تعيش مع أطفالها في مدرسة تؤوي نازحين، تقول: "أصغر أطفالي مريض قلب، كل يوم أخاف أن أفقده كما فقدت أباه، أبحث عن دواء فلا أجد، فأكتفي بالدعاء".

وأشارت إلى أن طفلي الأخر مريض بالربو، وكلما اشتد القصف أو البرد تتضاعف نوباته، لا دواء، ولا مستشفى قريب، أحتضنه وأدعو الله أن تمر الليلة بسلام".

وبصوت منخفض تُشير أم ياسر إلى أن قلبها في كثير من الأوقات سيتوقف من الخوف، لكن لا تستطيع إظهار خوفها أمام أطفالها، فهم بحاجة إلى أن يشاهدوا أمهم قوية وصامدة.

أم أحمد 35 عام أم لخمسة أطفال تعيش بإحدى الخيام المهترئة وفقدت زوجها أثناء محاولته تأمين المساعدات لعائلته تقول: "كان زوجي يخرج ويقول لي لا تخافي، اليوم أنا من يخرج، وأنا من أخاف، وأتحمل المسئولية الصعبة ودائما أشعر بدوار دائم وتعب، لكن إن ذهبت للطبيب، من سيبقى مع أطفالي؟ ومن سيجلب لهم الطعام؟".

وتضيف أم أحمد، إن النجاة في غزة لم تعد مسألة شخصية، بل مسؤولية جماعية تتحملها المرأة وحدها، فالأرملة مطالبة بالبقاء قوية، صحيّة، متماسكة، لأن انهيارها يعني انهيار الأسرة بأكملها.

وأشارت أم أحمد وهي تنظر إلى أطفالها إذا سقطتُ أنا، سيسقطون معي؛ لذلك أقف حتى لو كنت مكسورة من الداخل.

وتطالب بتوفير العلاج لأنه اغلب ثمنها غالي لا أقدر على شرائها وأيضا محتاجة خيمة لكي أعيش بها بدال الخيمة الرديئة

إلى جانب الأمراض الجسدية، تعاني الأرامل من صدمات نفسية عميقة، منها "فقدان الزوج، مشاهد القصف، الخوف الدائم، وانعدام الأمان، ومع غياب الدعم النفسي المتخصص، تتحول المعاناة إلى عبء داخلي مكتوم".

وبينما تستمر الأرامل في معركتهن مع المرض والحرمان الصحي، تتضاعف أعباؤهن الاجتماعية والاقتصادية، في واقع يفرض عليهن أدوارًا أكبر من أعمارهن وأحلامهن المؤجلة

الفقد لحظة فاصلة لا تشبه ما بعدها

استشهاد الزوج حوّل حياة آلاف النساء إلى مسار مختلف تمامًا، لم يعد الحزن ترفًا، بل عبئًا مؤجلًا، لأن متطلبات البقاء لا تنتظر.

"سماح محمد"، أرملة وأم لخمسة أطفال فقدت زوجها في قصف استهدف منزلهم شرق غزة، تقول والدموع تقف أمام مقلتيها: "عندما قالوا لي إن زوجي استشهد، شعرت أن الزمن توقف، وبعد دقائق نظرت إلى أولادي، وعرفت أنني لا أملك رفاهية الانهيار".
أكثر ما أرق سماح هو عملية النزوح بالأطفال، إذ كان نزوحًا مؤلمًا من مكان إلى آخر، بحثًا عن بقعة آمنة لا وجود لها، فالنزوح لا يعني فقط فقدان المنزل، بل فقدان الخصوصية والكرامة، حيث قالت: "نمت في مدرسة، ثم في خيمة، ثم في بيت مهدّم، في كل مرة أبدأ من الصفر".

الأرامل في قطاع غزة، لسن مجرد ضحايا حرب، بل عمودها الأخير، يحملن الفقد على أكتافهن، ويقُدن أسرًا بأكملها وسط الجوع والخوف والنزوح.

في السياق يقول مدير مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة الفلسطينية زاهر الوحيدي، إن حرب الإبادة قتلت 70 ألفا و300 فلسطيني وأصابت 171 ألفا، بينهم 20 ألف طفل و10 آلاف امرأة و5 آلاف من كبار السن.

الحرب ذاتها أيَّمت 22 ألفا و750 امرأة، وأيتمت 57 ألف طفل (49 ألفا فقدوا آباءهم، و5 آلاف فقدوا أمهاتهم، و3 آلاف فقدوا الوالدين معا). مسحت 2,600 أسرة كاملة، وشهدت 5 آلاف أسرة مجازر نجا منها فرد واحد، وفقدت 6 آلاف أسرة أفرادا. "هذه الأرقام مفزعة، تعكس كارثة غير مسبوقة،" يؤكد الوحيدي.