غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

انبعاث روح هربرت صموئيل: غزّة تعود إلى الحقبة الانتدابية

2 (1).webp
شمس نيوز -

 حقّق إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تنصيب نيكولاي ملادينوف مندوباً سامياً على قطاع غزة، رمزياً، تهديدات قادة جيش الاحتلال الإسرائيلي بُعيد عملية «طوفان الأقصى»، بإرجاع القطاع مئة عام إلى الوراء، إذ أعاد هذا القرار، ومعه مجمل تشكيلة «مجلس السلام»، الذي لم يكن استخدام الأدبيات والمصطلحات الاستعمارية التاريخية فيه عبثياً، إلى الأذهان، الحقبة الانتدابية التي فُرضت على فلسطين عام 1920، مذكّراً بالمندوب السامي البريطاني الأول، هربرت صموئيل. ورغم أن الغزيين يمتلكون من الوعي السياسي ما يكفي لتقدير الكارثة، التي تتلخّص في كون مجلس ترامب الانتدابي يسلب منهم السيادة والقرار والحق في تقرير المصير، وينزع عن الصراع صبغته السياسية المحقّة، ويحصره في إطار إنساني إغاثي خدماتي داخل حيّز جغرافي ما، غير أن مدينة يعيش أكثر من مليون إنسان فيها في العراء، لا يمتلكون ترف الخيارات، ولا سيما أن البديل من المخطط الأميركي الجائر، هو العودة إلى الإبادة. ولذا، بقيت غصّة الغزيين في قلوبهم؛ إذ ليس على هذه الشاكلة تُكافأ مدينة مُحرَّرة، انبرت تنشد الحرية لما تبقّى من البلاد.

وعلى أيّ حال، كانت الساعات اللاحقة للإعلان كفيلة بجعل المثل الفلسطيني: «رضينا بالبين والبين ما رضي فينا» منطبقة على ما يجري، إذ رفضت الحكومة الإسرائيلية، أول من أمس، تركيبة «مجلس السلام»؛ وفتح الإعلام العبري الموجّه الهواء لفيض من التحليلات حول خطورة مجلس ستشارك فيه تركيا وقطر على الأمن القومي الإسرائيلي. غير أنه على أرض الواقع، لم يوقف هذا الرفض أو الملاحظات الفلسطينية، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي دعا أكثر من 60 رئيس دولة إلى عضوية المجلس، عن المضيّ في مشروعه.

وادّعت أوساط مقرّبة من رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، أن الأميركيين تجاوزوا الخطوط الحمر الإسرائيلية بإشراك كلّ من تركيا وقطر في المجلس. ويشي هذا الاتهام، الذي قُرئ على أنه صوتٌ عالٍ هدفه استرضاء الحلفاء اليمينيين، بحقيقة الموقف الإسرائيلي من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول الماضي، وقطع، على علّاته، الطريق أمام تحقيق سقف الطموحات العالي لوزراء اليمين في غزة. فالترجمة العملية لشعار «النصر المطلق»، وفق ما أقرّ به وزير المالية، بتسلئيل سموترتش، هي استكمال تدمير ما تبقّى من قطاع غزة وتهجير مليوني فلسطيني إلى دول تقبل بهم، وصولاً إلى إعادة الاستيطان في القطاع. وعليه، كانت وجدت الحكومة الإسرائيلية أن الخطة التي أعلن عنها ترامب بُعيد فوزه في الانتخابات وسمّاها «ريفييرا غزة»، تعبّر حرفياً عن تلك الطموحات، فيما يبدو حالياً أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إلغاء التشكيلة التي أعلنها ترامب.

وتقول صحيفة «معاريف» إنه «من غير المعقول توقّع استبعاد تركيا وقطر من ملف غزة. وبدلاً من ذلك، ستنشأ معركة صامتة على الصلاحيات، وصياغات التفويض، وعلى سؤال من يدير ومن يكتفي بتقديم المشورة؟ وستسعى إسرائيل إلى التقليص والالتفاف والتفريغ من المضمون، وسيحاول الأميركيون إبقاء الإطار حياً. وفي هذه الأثناء ستبقى غزة ساحة يتحدّث فيها الجميع عن السيطرة فيما قلّة قليلة فقط تمسك بها فعلياً».

على أنه في إسرائيل، ثمة إدراك متزايد لكون ترامب يقود القطاع منفرداً، من دون الالتفات كثيراً إلى «لاءاتها». وفي هذا السياق، رأى الجنرال احتياط، غادي آيزنكوت، أن «نتنياهو فقد زمام الأمور، فيما تتولى دول أخرى إدارة غزة على عين إسرائيل، مع إشراك تركيا وقطر كجزء من الجهة الإدارية». ولفت إلى أن «الانتقال إلى المرحلة الثانية جاء في إطار إملاء دولي فُرض على إسرائيل، وسط فراغ قيادي واستراتيجي تمثّله قيادة سياسية تحرّكها حسابات ضيقة لا ترقى إلى مستوى التحدّيات القائمة».

وبالعودة إلى تركيبة «مجلس السلام»، الذي بدا في اليوم التالي وكأنه كيان دولي جديد لم ينشأ فقط لإدارة شؤون قطاع غزة، وإنما كمؤسسة دولية جديدة تطوي النظام الدولي القديم، تحت عنوان غزة، فقد دعا ترامب نحو 60 رئيساً عربياً وغربياً إلى عضويته، من بينهم زعماء مصر وكندا والأردن، وحتى رئيس وزراء الاحتلال. وضمّ المجلس أيضاً كلاً من وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، ومبعوث ترامب ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، ووزير الشؤون الاستراتيجية القطري علي الذوادي، والوزيرة الإماراتية ريم الهاشمي، والنائبة الهولندية سيغريد كاج.

وعلى الأرض، واصلت سلطات الاحتلال فرض إرادتها بمنع دخول أعضاء «اللجنة الإدارية» إلى القطاع، فيما تغيب التفاصيل وتتضارب المعلومات حول صلاحيات تلك اللجنة، كونه لم يجرِ أصلاً تحديد صلاحيات ووظائف طبقات «مجلس السلام» الثلاث الآخذة في التلبور. أما الغزيون الغارقون في همومهم اليومية، فإن حدود الأسئلة التي تشغلهم هي: هل يحتاج توفير المياه والمسكن الآمن وخدمات التعليم والصحة لقطاع لا تتجاوز مساحته الـ360 كيلومتراً مربّعاً، إلى كلّ هؤلاء الزعماء وهذه المجالس المتداخل بعضُها مع بعض؟