منذ ما قبل الإعلان عن «مجلس السلام» الذي يهدف إلى وضع قطاع غزة تحت وصاية بعض المليارديريين المقرّبين من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بمن فيهم صهره جاريد كوشنر، الذي دأب، منذ أشهر، على استعراض مشاريع «عقارية» ضخمة وتصويرها على أنها «الحلّ السحري» للقضية الفلسطينية، كان العديد من المراقبين يجادلون بأن المحاولات الرامية إلى تحويل القطاع إلى «واجهة بحرية استثمارية» أو «دبي على المتوسط»، تتجاهل الواقع الديموغرافي والسياسي العميق «على الأرض».
بالنسبة إلى هؤلاء، فإن بناء فنادق ومنتجعات سياحية فاخرة في بيئة لا تزال تفتقر إلى أبسط مقوّمات السيادة، وبالقرب من مخيمات معظم سكانها متمسّكون بحق العودة، لا يمثّل حلاً اقتصادياً بقدر ما هو «وصفة لانفجار اجتماعي وسياسي قادم»، حتى لو تحقّق الهدف المُعلن المتمثّل باستبعاد «حماس» من الواجهة. ويرى هؤلاء أنه من غير المنطقيّ التعويل على مقايضة «الرفاهية المادية» بالهوية الوطنية أو التطلّعات السياسية، ولا سيما أن «التجارب التاريخية في غزة أثبتت أن هذه الفكرة (باطلة)»، وأن أيّ مشروع اقتصادي لا يرتكز على حلّ سياسي شامل، سيتحوّل في النهاية إلى مجرد «احتلال مُذهّب»، لن يُكتب له الاستمرار.
وفي هذا الإطار، ينبّه «معهد الشرق الأوسط»، في تقدير نُشر في تشرين الأول 2025، إلى أن غياب أيّ ملكية حقيقة للفلسطينيين في أرضهم «يهدّد بزرع بذور المقاومة في المستقبل»، نظراً إلى أنه «عندما تشعر المجتمعات بالإقصاء أو التجريد من القدرة على التصرف، غالباً ما تنشأ مجموعات مسلحة جديدة لملء هذا الفراغ»، مشيراً إلى أنه في غزة نفسها، كان صعود «حماس» ناجماً عن الإحباط من «اتفاقية أوسلو»، والإخفاقات الملموسة للسلطة الفلسطينية.
ويحذّر أصحاب الرأي المتقدّم من أنه إذا أدّت الخطة الجديدة إلى تهميش الفلسطينيين مجدّداً، فقد تكون الظروف مُهيّأة لحركة مسلّحة أخرى لترسيخ جذورها، حتى لو تمّ تفكيك «حماس» بنجاح. وإذ «لا يبدو أن الخطة تتضمّن أي بند للتحوّط ضدّ هذا الخطر، فإن ذلك مما يعكس استمرارية الأطر التي تعطي الأولوية للترتيبات الأمنية، من دون معالجة المظالم السياسية، وتهدّد باستثارة التشدّد القومي».
وعلى ما يبدو، لم يُسهِم إعلان ترامب عن «مجلس السلام» وأعضائه من رجال الأعمال القادمين من عالم العقارات، إلا في تعزيز المخاوف المُشار إليها، إذ يلفت تقرير نشره موقع «ريسبونسبل ستيتكرافت»، إلى أن مبعوث ترامب الخاص، ستيف ويتكوف، أعلن هذا الشهر «إطلاق المرحلة الثانية» من الخطة، والتي تشمل «الانتقال من وقف إطلاق النار إلى التجريد من السلاح، والحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار»، مستدركاً بأن تلك الأهداف تستبطن «مبالغات مريرة».
تتجاهل خطط ترامب «العقارية» الواقع الديموغرافي والسياسي العميق «على الأرض» في غزة
وينطلق مُعِدّو التقرير من زعم ويتكوف أن المرحلة الأولى ضمنت وقف إطلاق النار، مبيّنين أن ذلك الادّعاء هو، في أساسه، خاطئ، ولا سيما أن إسرائيل واصلت هجماتها اليومية على قطاع غزة، منذ أن كان من المُفترض أن تدخل الهدنة حيز التنفيذ في تشرين الأول الماضي. وعلى الرغم من أن كل طرف يتّهم الآخر بارتكاب انتهاكات، إلا أنّ «عدد الضحايا يكشف عن الجانب الذي تأتي منه الانتهاكات المُميتة». كذلك، وعلى عكس ادّعاءات ويتكوف عن أن المرحلة الأولى «ضمنت أيضاً وصول مساعدات تاريخية» إلى القطاع، فإن استمرار عرقلة إسرائيل لإيصال المساعدات، جعل تدفّقها أقلّ بكثير مما تم الاتفاق عليه، علماً أن تل أبيب تعهّدت بإدخال 57 ألف شاحنة، فيما لم يدخل نصفها بحلول منتصف كانون الثاني.
أيضاً، وعلى الرغم من الإعلان عن بعض أعضاء «مجلس السلام»، فمن الواضح أن تجنيد قائمة كاملة من الأعضاء كان أمراً صعباً، في وقت يبدو فيه تردّد العديد من الحكومات في المشاركة أمراً مفهوماً، وذلك نظراً إلى الشكوك المحيطة بآلية التنفيذ حتى الآن، وطبيعة المشروع الشامل، الذي نسّقه ترامب مع إسرائيل. وفي حين سارعت إسرائيل إلى الاعتراض على تشكيلة «المجلس التنفيذي لغزة»، الذي يضمّ وزير الخارجية التركي ومسؤولاً قطرياً رفيع المستوى، فإن ذلك سيمثّل بالنسبة إلى حكومة بنيامين نتنياهو «مبرّراً إضافياً» للضرب بالعملية الدبلوماسية برمّتها عرضَ الحائط.
وإلى جانب ما سبق ذكره، لا يزال مسار «القوة الدولية» التي من المُفترض أن تؤدّي دوراً أمنياً رئيسياً خلال الإدارة المؤقّتة للقطاع وإعادة إعماره، غير واضح، في وقت يبدو فيه أن «تجنيد المشاركين في تلك القوة أكثر صعوبة من تجنيد أعضاء مجلس السلام»، ولا سيما أن الحكومات لا ترغب في أن تتورّط قواتها في حالة قتالية نشطة، أو المشاركة في مهمة «نزع سلاح (حماس)».
وفي ظل الإشارة المتكرّرة من جانب ويتكوف وآخرين إلى ضرورة وفاء «حماس» بالتزاماتها، ينوّه أصحاب الرأي المتقدّم إلى أن «حماس» لم توقّع أبداً على خطة ترامب المكوّنة من 20 نقطة. كما أن الحركة لن توافق على نزع سلاحها من جانب واحد، «بينما تواصل إسرائيل احتلال الأراضي الفلسطينية وقتل المواطنين الفلسطينيين»، معتبرين أنه «من غير الواقعي وغير المعقول أن نتوقّع ذلك، خاصة في ضوء المذبحة التي شهدتها غزة خلال السنوات الثلاث الماضية».
ومن بين المؤشّرات الأخرى إلى عرقلة التفلّت الإسرائيلي لعملية ترامب، اضطرار علي شعث، الذي من المُفترض أن يترأّس حكومة «التكنوقراط» الفلسطينية، إلى السفر عبر الأردن، جنباً إلى جنب تعرّضه للاحتجاز من قبل السلطات الإسرائيلية لمدّة ست ساعات عند معبر اللنبي، للوصول إلى اجتماع القاهرة من الضفة الغربية. وإلى ذلك، يضاف استمرار إسرائيل في الهدم المُمهنج للمباني، في وقت يُقِرّ فيه شعث نفسه بأن أضخم المهام التي تواجهه تتمثّل في إزالة الأنقاض، والتي قد تستغرق ثلاث سنوات، فيما قد تستغرق إعادة الإعمار الشاملة حوالي سبع سنوات.
وعليه، بات هنالك ما هو أشبه بقناعة، في أوساط المراقبين الغربيين أنفسهم، بأن خطة ترامب، أو أي «خطة سلام» أخرى، لن تكون قادرة على الاقتراب من أي شيء يشبه السلام والأمن والازدهار في غزة، طالما أن إسرائيل هي القوة المسيطرة على الأرض ومصمّمة على معارضة أي شيء يشبه الحكم الذاتي الفلسطيني.
المصدر: الأخبار اللبنانية
