غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

لماذا لن تعود الحرب على غزة بكثافتها العالية؟

قصف اسرائيلي

أ. عادل ياسين

 

رغم التصعيد اللفظي المستمر، والتهديدات التي لا تكاد تتوقف، تشير جملة من المؤشرات السياسية والأمنية إلى أن الحرب على غزة لن تعود بكثافتها العالية كما كانت خلال العامين الماضيين.

فخلف الضجيج الإعلامي، والتهديدات المتزامنة التي يطلقها وزراء وأعضاء كنيست من اليمين المتطرف، يتّضح أن هامش الحركة لدى صانع القرار الإسرائيلي بات يضيق أكثر فأكثر، في ظل اقتراب موعد الانتخابات، وتزايد المؤشرات حول إمكانية تقديمها إلى منتصف العام الحالي. وهذا يعني أن بنيامين نتنياهو يخوض صراعًا مباشرًا مع الزمن، ومن غير المرجّح أن يُقدم على خطوة بهذا الحجم، انطلاقًا من قناعته بأن ما لم يحققه خلال عامين من الحرب على غزة، لن يتمكن من تحقيقه خلال بضعة أشهر. بل إن العودة إلى حرب واسعة دون تحقيق ما يُسمّى «النصر المطلق» ستُعدّ بمثابة هدية مجانية يقدّمها نتنياهو لمعارضيه على طبق من ذهب، لاستغلالها في مهاجمته والعمل على إسقاطه في الانتخابات المقبلة.

وفضلًا عن ذلك، يواجه نتنياهو تحديات داخلية معقّدة، أبرزها الخلافات داخل معسكره التقليدي حول قانون التجنيد، إضافة إلى الانقسامات المتزايدة داخل حزب الليكود، في ظل صعود معسكر الشباب وتراجع تأثير معسكر القيادات القديمة، وما يرافق ذلك من صعوبة في الحفاظ على قاعدته الشعبية الواسعة، التي بات جزء منها يشعر بنفور وامتعاض من تصرّفات بعض قيادات الحزب.

العامل الثاني يتمثل في الإرادة الدولية، والإصرار الأمريكي الواضح على إنجاح خطة ترامب المتعلقة بغزة، باعتبارها جزءًا أساسيًا من رؤية أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ومحاولة وضع أسس نظام إقليمي ودولي جديد. وفي هذا السياق، تبدو أي عودة إلى حرب شاملة خطوة تتناقض مع هذه الأجندة، أو على الأقل تُربك مسارها وتُهدد فرص تمريرها.

أما العامل الثالث، فيتصل بالبعد الزمني والديني، مع اقتراب شهر رمضان، الذي يشكّل هاجسًا دائمًا للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لما يحمله من احتمالات تصعيد ميداني واسع. ويعقبه عيد الفصح اليهودي، الذي يفرض تحديات إضافية، في مقدّمتها الصعوبات الكبيرة المرتبطة بتجنيد عشرات الآلاف من جنود الاحتياط، وهو عنصر حاسم في أي عملية عسكرية واسعة النطاق.

وفي السياق ذاته، يمكن فهم حدّة التهديدات والخطابات التصعيدية على أنها جزء من معركة الانتخابات، باعتبارها وسيلة فعّالة لكسب تأييد جمهور اليمين ودغدغة مشاعره، بما ينسجم مع ميوله الأيديولوجية المتطرفة، التي ترى في المرحلة الراهنة «فرصة تاريخية نادرة» لتحقيق حلم «أرض إسرائيل الكبرى».

وهذا يعني أننا سنكون أمام المزيد من التصريحات النارية والتهديدات المتصاعدة كلما اقترب موعد الانتخابات، دون أن يكون ذلك بالضرورة مؤشرًا على قرب تنفيذ عملية عسكرية واسعة في غزة تُحاكي مراحل حرب الإبادة التي شهدناها على مدار العامين الماضيين.
وأخيرًا، فإن ما جرى على الجبهة اللبنانية يقدّم نموذجًا دالًا على الفجوة بين الخطاب والواقع. فعلى الرغم من التهديدات المتكررة التي أطلقتها حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل بشن حملة عسكرية واسعة ضد حزب الله لنزع سلاحه، لم تُنفَّذ هذه التهديدات حتى بعد انتهاء المهلة المحددة وفق اتفاق وقف إطلاق النار في نهاية العام الماضي. وهو ما يعكس بوضوح حدود القدرة العملياتية، وتأثير البيئة السياسية الداخلية، فضلًا عن الضغوط الإقليمية والدولية.

خلاصة القول، إن الحرب على غزة، وإن بقيت حاضرة بأشكال مختلفة، إلا أن عودتها بكثافتها العالية تصطدم بجدار صلب من الحسابات السياسية، والقيود الأمنية، والاعتبارات الإقليمية والدولية، ما يجعل التهديدات أقرب إلى أدوات ضغط سياسية منها إلى مؤشرات حقيقية على قرار حرب وشيك

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".