يواجه صيادو غزة معضلة قاسية بين الموت بسبب الحصار، والقصف، والصدامات مع قوات الاحتلال أثناء محاولة الصيد أو الجوع لعدم قدرتهم على تأمين لقمة العيش بسبب تدهور قطاع الصيد وفقدان مصادر رزقهم في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة، مما يجعلهم يائسين ومحاصرين يحدق بهم الموت من كل جانب.
في كل مرة يلقي فيها الصيادون شباكهم في بحر غزة، يلقون معها أرواحهم على كف القدر. ما كان يوماً مصدراً للرزق الوفير، تحول بفعل الممارسات الإسرائيلية إلى ساحة للموت والمطاردة، إن لم يبحروا ماتوا جوعاً، وإن أبحروا ماتوا برصاص المحتل.
تاريخياً، كان الصياد هو العنصر المنتج والكادح، أما اليوم فقد أصبح الفقر هو السمة الغالبة على هذه الفئة، يقول الصياد نضال قنن: ""وضعنا تحت خط الفقر بمليون مرة، عيشة مُرة وصعبة جداً".
ويضيف بأنه يخرج في الليل رغم البرد الشديد والمخاطرة الكبيرة لتأمين لقمة العيش لأولاده، وهو على علم بأنه من الممكن ألا يعود إليهم مرة أخرى، "مع الأسف لا خيار آخر أمامنا".
ويشير قنن إلى أنه أصيب مرتين خلال عمله في البحر، ولكنه يصرّ في كل مرة على العودة إلى البحر وممارسة عمله كصياد، لافتًا إلى أنه لا بديل آخر أمامه.
فيما تروي أم أشرف والدة الشهداء الصيادين، مأساتها بفقدان اثنين من أبنائها الذين استهدفتهم الزوارق الحربية في عرض البحر أثناء أدائهم عملهم في الصيد، "طلعوا الصبح يدوروا على رزقهم وما رجعوا".
وتضيف: "ابني أشرف كان أشطر صياد، كان يوزع السمك على الكل وما يحرم حد. اليوم الدار فضيت علينا، وأبوهم كبر وهدّه المرض والحزن. خسرنا ولادنا ومالنا وبيتنا".
وتتابع أم أشرف بصوتٍ يختلط فيه الصبر بالقهر: "البحر اللي كان مصدر أمان ورزق صار مقبرة لأولادنا. كل مرة بنشوف مركب، قلوبنا بترتعش. ما عاد في أمان لا بالبر ولا بالبحر، والصياد صار طالع وهو مش عارف إذا راجع".
وتؤكد أن فقدان أبنائها لم يسرق منها أولادها فقط، بل سرق الطمأنينة من كل بيتٍ على الشاطئ، حيث تحوّل انتظار عودة الصيادين إلى خوفٍ يومي وحكاية حزنٍ تتكرر مع كل فجر.
بدوره، يقول رئيس النقابة العامة للعاملين في الصيد بقطاع غزة زكريا بكر، إن سلطات الاحتلال تمنع الصيادين من دخول البحر بشكل نهائي، منذ السابع من أكتوبر عام 2023 وحتى اللحظة.
ويضيف أن الاحتلال ارتكب سلسلة من الجرائم بحق الصيادين في قطاع غزة، من بينها عمليات الحصار البحري الخانق ومنعهم من دخول البحر، ثم عمليات التدمير الواسعة والتي شملت أكثر من 95% من معدات الصيد.
ويشير بكر، إلى أنه ومنذ بدء الحرب في قطاع غزة استشهد 232 صيادًا، منهم 67 صياد ارتقوا أثناء محاولتهم الصيد، إضافة إلى ما يقارب 100 مصاب، وعشرات المعتقلين، لافتًا إلى أنه ما زال أكثر من 4000 صياد عاطلين عن العمل يعانون أوضاع اقتصادية غاية بالصعوبة وقاسية جدا فاقدين لكل مقومات الحياة، يواجهون الموت جوعاً أو قتلاً بنيران الاحتلال في حال فكر بالاقتراب من شاطئ البحر.
ويناشد المجتمع الدولي، والمؤسسات الحقوقية والإنسانية بالتدخل الفوري والعاجل للضغط على الاحتلال للسماح للصيادين بدخول البحر، ووقف الجرائم المرتكبة بحقهم، وإدخال معدات الصيد اللازمة لإعادة إعمار هذا القطاع الحيوي.
