لم تكن السنوات الست التي قضتها الدكتورة رانية يوسف منصور في كلية الطب بجامعة الأزهر في غزة مجرد دراسة أكاديمية اعتيادية، بل رحلة قاسية امتدت بين الحرب والنزوح والفقد، فمن تحت أنقاض المنازل المدمّرة، وفي عتمة خيام النزوح وممرات المستشفيات، واصلت طريقها لتقف اليوم على منصة التخرّج، حاملةً وجع فقد والدها وإخوتها الشهداء، وإصراراً قوياً على إكمال الحلم الذي اختارته رسالة حياة وخدمة لأبناء شعبها.
رحلة طب لم تكن هينة
أنهت د. رانية دراستها في كلية الطب بعد ست سنوات وصفتها بأنها مليئة بالصعاب والقسوة ، في ظل حرب متواصلة ونزوح متكرر وانعدام شبه كامل للاستقرار، وتوضح أنها اضطرت للدراسة في ظروف غير تقليدية، متنقلة بين الخيام والطرقات، وعلى ضوء الهاتف والشمعة، وفي ممرات المستشفيات، أحياناًَ لساعات طويلة وقوفاً، وأحياناً خلال ساعات الليل هرباً من الضجيج والخوف، في محاولة لمواصلة تعليمها رغم قسوة الواقع.
الفقد كاختبار مضاعف
لم تنفصل رحلة رانية الأكاديمية عن محطات الفقد التي شكلت امتحاناً إنسانياً قاسياً، فقدت شقيقها أسامة أولاً ، ثم شقيقها حسام الذي شكل لها سنداً وداعماً رئيسياً، قبل أن تفجع باستشهاد والدها، الذي كان حلمه أن يرى ابنته طبيبة تخدم شعبها .
وتؤكد أن هذه الخسارات المتتالية جعلت الاستمرار أكثر صعوبة، لكنها في الوقت ذاته عمقت شعورها بالمسؤولية تجاه رسالتها الطبية.
منصة التخرّج… غياب حاضر
في لحظة صعودها إلى منصة التخرج، تصف رانية شعورها بالبحث في وجوه الحاضرين عن ملامح والدها وإخوتها، متمنية أن يكون الغياب مجرد حلم عابر، إلا أن تلك اللحظة، كما تقول، تحولت إلى دافع لإيصال رسالة مفادها أن أبناء الشهداء ما زالوا قادرين على النهوض، ومواصلة الطريق، وتحقيق ما حلم به ذووهم.
الأم… سند الصبر
تولي د. رانية دوراً محورياً لوالدتها، التي شكلت مصدر الدعم الأول في رحلة الصبر والثبات، مؤكدة أن وجودها كان عاملًا حاسماً في الاستمرار رغم الانكسار، وأن ما تحقق اليوم هو ثمرة تضحيات أم صابرة آمنت بقدرة ابنتها على تجاوز المحنة.
مهنة في قلب الميدان
ترى د. رانية أن الطب في غزة ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية في ظل ما يعيشه القطاع من أزمات متواصلة.
وتشير إلى أن شعورها بالعجز في لحظات الفقد عزّز دافعها للتعلّم وبذل أقصى الجهد، حتى تكون قادرة على تقديم العون لكل محتاج في الميدان.
اليوم، تقف الدكتورة رانية منصور كـ "عنقاء" انبعثت من تحت الركام، متمسكةً بعهدها لوالدها وإخوتها بأن تكون "خير طبيبة" تخدم أبناء شعبها. إن قصة رانية ليست مجرد نجاح فردي، بل هي حقيقة تجسد قدرة الإنسان الفلسطيني على تحويل الألم إلى أمل، والموت إلى حياة.
