يقف الفتى عبد الله حمودة (15 عاماً) على رصيف ميناء غزة متكئاً على عكازه الخشبي ويطوق أجهزة البلاتين ساقه المصابة، ينسج حكاية صمود استثنائية، بين رمال بيت لاهيا التي شهدت طفولته في زراعة الذهب الأحمر "الفراولة"، وبين أمواج بحر غزة التي أصبحت ساحته الوحيدة للعمل.
لم تكتف الحرب بتهجير عبدالله من بلدته الحدودية أقصى الشمال الغربي من مدينة غزة إلى خمس مرات متتالية، بل طاردته رصاصات الاحتلال لتترك في ساقيه كسوراً حادة، أرادت لها أن تكون قيداً، لكنه جعل منها دافعاً للتمرد على العجز.
وبينما تحولت حقوله الخضراء في بيت لاهيا إلى "مناطق صفراء" محرمة وخطرة، لم يستسلم الفتى لآلام إصابته أو مرارة النزوح؛ فاستبدل محراث الأرض بصنارة صيد بدائية، ليواجه بها غلاء العلاج وقسوة الجوع.
المعركة بصنارة بدائية
يتوجه عبد الله بجسدٍ مثقلٍ بالأوجاع وساقٍ لم تلتئم جُراحها تماماً، متكئًا على إرادته قبل عكازه، نحو شاطئ البحر، لا يملك مركب صيدٍ أو شباكاً احترافية، بل أدواتٍ بدائية صنعها من بقايا ثلاجة مهترئة وخيوط للصيد، يقف لساعاتٍ طوال متحدياً آلام الكسور التي تنهش ساقه بفعل الرطوبة، يراقب حركة الموج بصبر مزارعٍ ينتظر الحصاد.
قيدٌ في الجسد وكبرياء الروح

لم تكن الإصابة في ساق عبد الله مجرد كسورٍ حادة تطلبت جراحاتٍ معقدة، بل كانت طعنةً في صميم هويته كمزارعٍ صغير، ففي بيت لاهيا، كان يعرف مواعيد الريّ وأسرار التربة؛ لكنّ تصنيف الاحتلال لمنطقته "منطقة ضنت الخط الأصفر"، جعل الوصول إلى أرضه انتحاراً، فوجد عبد الله نفسه أمام خيارين: إما الاستسلام لعجز الإصابة وانتظار مساعدات قد لا تأتي، أو اختراع حياة جديدة من تحت الأنقاض.
كيف أصيب عبدالله؟
في ظل المجاعة القاتلة التي عاشها قطاع غزة، كان الجوع يأكل جسد عبدالله وأشقائه، فلم يكن أمامه سوى المخاطرة بحياته للحصول على بعض من الطعام أو الذهاب لرحلة محفوفة برائحة الموت بحثًا عن الطحين أو معلبات تسد رمق أشقائه.
وبصعوبة بالغة وصل عبدالله إلى موقع توزيع المساعدات، ووسط الحشود الكبيرة من المجوعين، اخترقت الرصاصة أو الشظية قدم عبدالله ليصبح اليوم معاقًا يعاني مرارة الإصابة وعجز الإمكانيات الطبية.
لقمةٌ مغموسة بالدم
كل سمكة صغيرة يعود بها عبد الله في نهاية اليوم، ليست مجرد وجبة طعام لعائلته النازحة للمرة الخامسة، بل هي "عملة صعبة" يسابق بها الزمن لتوفير ثمن أدويته ومستلزمات علاجه التي شحت في مراكز الإيواء، لتتحول رحلة الصيد اليومية إلى "مهمة مقدسة" يوازن فيها الفتى بين وجعه الشخصي ومسؤوليته تجاه عائلة فقدت كل شيء تحت الركام.
"يجلس عبدالله اليوم، يضمد جرحه وجرح قلبه، لكن عينيه لا تزالان تنظران نحو الشمال (بيت لاهيا) يقول بلسان يسبق عمره: "سأعود وأزرع أرضي من جديد، هذه القدم ستشفى، والأرض لا تموت، عبدالله ليس مجرد رقم في كشوفات الجرحى، بل هو حكاية إرادة تتحدى النزوح والوجع".
