غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

أوتارٌ تتحدى الحرب.. رولا دلول تغنّي للحياة من قلب المخيم

رولا دلول
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في مدينةٍ تعبت من العدّ للشهداء، وعدّ الأيام، وعدّ الخيام، اختارت رولا دلول أن تعدّ شيئًا مختلفًا: نغماتٍ صغيرة تتسلل من بين الركام، وسط القصف والمجاعة والنزوح، أمسكت قيثارها لا لتغنّي فقط، بل لتقول لأطفال المخيم إن الحياة، مهما ضاقت، ما زال لها صوت.

حيث الخيام تلامس بعضها كما لو أنها تتعانق خوفًا من الريح، وحيث المطر يحوّل الأرض إلى طين، وصوت القصف لا يزال عالقًا في الذاكرة هناك، تجلس رولا دلول، تمسك قيثارها كما لو أنه طوق نجاة، وتبدأ بالعزف.

فلا تملك رولا مسرحًا، ولا قاعة موسيقى، ولا حتى جدرانًا تحمي صوتها من الضجيج لكنها تملك شيئًا أقوى: إيمانًا بأن الموسيقى قادرة على أن تُبقي الأطفال واقفين في وجه الانكسار.

 

من حصة الموسيقى إلى حلم العمر

بدأت حكاية رولا مع الموسيقى وهي في المرحلة الابتدائية، عندما كانت هناك معلمة موسيقى تعلمهم الأغاني وتعزف على القيتار، وهناك، في زاوية صف بسيط، اكتشفت رولا أن صوتها مختلف وأن الغناء ليس مجرد هواية، بل هو جزء من روحها.

لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالألحان والعادات الاجتماعية، والظروف المحيطة، إذ فرضت عليها فترات انقطاع طويلة، فلم يكن سهلًا أن تختار فتاة الغناء طريقًا لها في مجتمع مثقل بالأحكام.

ومع اندلاع الحرب، تغيّر كل شيء، نزوح، قصف، أحزمة نارية، انقطاع في الاتصالات، مجاعة، خوف يومي وحياة معلّقة بين البقاء والرحيل.

تقول رولا لمراسلنا "شعرت بفراغ كبير في الشهور الأولى ولم تكن تعرف ماذا تفعل وسط هذا الخراب فأمسكت قيثارها، وبدأت تعزف لأطفال الجيران، لصديقاتها، لمن حولها، شيئًا فشيئًا، تحولت الجلسات الصغيرة إلى مساحة تنفّس، كان الأطفال يقتربون من صوت القيتار كما لو أنه وعدٌ بالحياة.

 

توسعت الفكرة

عملت رولا في نقاط تعليم شمال غرب مدينة غزة، وازداد عدد الطلاب، في البداية كان لديها قيتار واحد اشترته قبل الحرب، ثم حصلت على تمويل بسيط أتاح لها شراء آلات إضافية، فصار بإمكانها تعليم عدد أكبر.

وبين القصف والمجاعة، ظهرت الموسيقى لتصرّ على البقاء، وهنا بدأت رولا مشروعها فعليًا في الأشهر الأخيرة من الحرب، وهي أصعب الفترات التي مرت بها لوجود عمليات عسكرية في غزة ومواصلات شبه معدومة وقصف متواصل ومكثف ومجاعة تنهش الجسد والروح وأحيانًا لم تكن تستطيع مغادرة بيتها، لكن الأطفال كانوا يتصلون بها، يطلبون منها أن تأتي وتعزف ثم جاء الاجتياح الأخير، واضطرت للتوقف ثلاثة أشهر كاملة.

ولم يكن بالإمكان الاستمرار بعد توقف الحرب، قررت ألا ينتهي المشروع انتقلت إلى المخيم، وبدأت من جديد.

 

ساحة مفتوحة وأحلام بلا سقف

واليوم، تتدرّب رولا مع أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عامًا، وبعضهم أكبر، إذ يتجمعون في ساحة مفتوحة داخل المخيم، وأحيانًا يضطرون لرفع أصواتهم فوق الضجيج، وأحيانًا أخرى يلغون التدريب بسبب المطر لأن الأرض تغرق.

فالأطفال يعيشون في خيام، وظروفهم المادية صعبة، لكنهم يحملون في ذاكرتهم مشاهد أثقل من أعمارهم في البداية كانوا يغنون الأغاني الوطنية والشعبية ثم بدأوا يطلبون تعلّم العزف على القيتار ثم أصبح كل طفل يريد أن يمسك بالآلة، أن يصنع صوته الخاص.

تقول رولا "إنها كانت ترى التغيير في عيونهم، الموسيقى لم تكن مجرد ترفيه كانت تفريغا نفسيًا، ومساحة آمنة، واستراحة قصيرة من الحرب.

رولا خريجة صحافة وإعلام، وعملت في الإعلام قبل الحرب، خلال العدوان، عُرضت عليها فرص للعمل الصحفي، لكنها رفضت، حيث كانت عائلتها تخاف عليها من الاستهداف المباشر حيث كان جيش الاحتلال يستهدف الصحفيين بشكل مباشر دون وجه حق.

ثم اختارت رولا أن تقاوم الاحتلال والحرب والإبادة، بالموسيقى، وأضافت: "أقرب شيء كان الها هو القيتار وتقول "اشتغلت في حاجة أنا موهوبة فيها منذ طفولتي".

 

“نحن شعب يحب الحياة”

واختارت رولا فئة الأطفال لأنهم كما تقول – أكثر فئة انظلمت في الحرب لذا أرادت أن يكون لها أثر، وأن تفعل شيئًا جيدًا وسط كل هذا الألم.

وتحمل رولا طموحا كبيرة لنشر الموسيقى أكثر في القطاع، حيث تتوسع هذه الأنشطة في المخيمات ونقاط التعليم، وأن تكون هناك معاهد موسيقى، وأن تعود المدارس والجامعات، وأن تُفتح المعابر.

ووجهت رولا رسالة للعالم من خلال الموسيقى قائلة: "نحن شعب نحب الحياة وأطفال غزة يحبون الموسيقى والغناء".