غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

هل تخسر أميركا الحرب في إيران؟ قراءة في تنبُّؤ البروفسور جيانغ شيوكن

نتنياهو وترامب وخامنئي.png

محمد حسب الرسول | باحث في الشؤون الإقليمية

 

القوة العظمى لا تُستنزف في معركة واحدة، بل عبر تراكم الكلفة والوقت والضغط الداخلي؛ وإذا كان التفوّق العسكري يمنح قدرة على ردع، فإنّ طول أمد الحرب يختبر حدود هذا التفوّق.

في خضمّ التحوّلات المتسارعة في المنطقة، يبرز اسم البروفسور الصيني جيانغ شيوكين كأحد الأصوات التي تتبنّى قراءة استشرافية جريئة لمسار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

جيانغ، الأكاديمي الصيني وخريج جامعة ييل، اشتهر عبر منصته "Predictive History" بمقاربته التي تقارن بين سلوك الإمبراطوريات في لحظات الصعود والاختبار.

في عام 2024، طرح ثلاثة تنبؤات: عودة دونالد ترامب للرئاسة، اندلاع حرب مع إيران، ثمّ احتمال خسارة أميركا لهذه الحرب. ومع تحقّق التوقّعين الأولين، اكتسب الثالث أهمية خاصة، لأنه قدّم مشهداً لنتيجة الحرب يقوم على معادلة قدرة طرفيها على الصمود وليس حجم القوة.

أطروحة جيانغ: الاستنزاف كاستراتيجية

ينطلق جيانغ من فرضية أنّ ما يجري ليس مواجهة تقليدية يمكن حسمها سريعاً، إنما تآكل تدريجي تبني إيران استراتيجتها على أساسه. ففي حرب فيتنام، لم تخسر أميركا بسبب نقص في القوة النارية، بل لأنّ الحرب تحوّلت إلى صراع طويل نجحت فيه الإرادة الفيتنامية في استنزاف الإرادة السياسية والاقتصادية الأميركية، الأمر الذي أفقد القوة العسكرية تفوّقها الوظيفي.

لكنّ المقارنة مع فيتنام تحتاج إلى ضبط؛ فإيران اليوم تمتلك قدرات لم يتوفّر معشارها لفيتنام: ترسانة صاروخية باليستية دقيقة، وبرنامج مسيّرات فعّال، وقدرات حرب إلكترونية، يضاف إليها شركاء إقليميون فاعلون،  فضلاً عن السيطرة على مضيق هرمز الذي يمرّ عبره ثلث نفط العالم. هذه القدرات مجتمعة تعزّز إمكانية إيران في الصمود والمدافعة، وتمكّنها من تحقيق استنزاف أعمق وأوسع لخصومها مما حقّقته حرب العصابات في فيتنام.

إنّ القوة العظمى لا تُستنزف في معركة واحدة، بل عبر تراكم الكلفة والوقت والضغط الداخلي؛ وإذا كان التفوّق العسكري يمنح قدرة على ردع، فإنّ طول أمد الحرب يختبر حدود هذا التفوّق.

الخليج كساحة استنزاف متبادلة

يبرز الخليج كحلقة استراتيجية مركزية، إذ لا يقتصر دوره على تأمين الملاحة والطاقة، بل يشكّل العمود الفقري للاقتصاد الأميركي واستثماراته في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

لكنّ استمرار الحرب يضع ضغوطاً مضاعفة؛ فواشنطن ستفقد انسيابية هذه الموارد الحيوية، و"إسرائيل" وأميركا تواجهان استنزافاً لقدراتهما العسكرية والاقتصادية، أما الخليج فقد يواجه تحدّيات اقتصادية واجتماعية وأمنية، تتزامن مع تصاعد خطاب سياسي يرى أنّ هذه الحرب ليست حرب الخليج بل حرب "إسرائيل" وأميركا، وهو ما عبّرت عنه شخصيات مهمة مثل حمد بن جاسم وتركي الفيصل، والحبتور رجل الأعمال الإماراتي، الأمر الذي يعكس حضوراً لافتاً لهذا التوجّه في الوعي السياسي الخليجي.

وبينما تتجه الأنظار للميدان العسكري، يبرز الأمن الغذائي كأخطر أوراق الضغط؛ فدول الخليج تستورد نحو 90% من احتياجاتها الغذائية عبر مضيق هرمز. ورغم تطمينات العواصم الخليجية بشأن كفاية المخزون الاستراتيجي لفترة تتراوح بين 4-6 أشهر، إلّا أنّ أيّ اضطراب طويل الأمد في سلاسل الإمداد سيصنع أزمة معيشية حقيقية. 

لهذا، فإنّ استطالة أمد الحرب سيحوّل المنطقة من ساحة نفوذ إلى ورقة استنزاف إضافية في الصراع.

الجبهة الداخلية الأميركية 

في هذه الحرب، لا ينحصر الاستنزاف في البعدين العسكري والاقتصادي، فالداخل الأميركي عنصر ذو تأثير مهمّ في مسار الحرب. تتصاعد منذ سنوات المعارضة الداخلية للحروب الخارجية في أميركا، سواء بدافع الإرهاق أو الأولويات المحلية، وساهمت حركة "ماغا" التي أعادت ترامب إلى البيت الأبيض في تعبئة شعبية حول شعار "أميركا أولاً"، وهي دعوة صريحة لتقليص الانخراط الخارجي والتركيز على الداخل.

قد تصطدم حرب استنزاف طويلة بهذا الأساس السياسي الذي أعاد ترامب للرئاسة. ومع غياب نصر سريع وحاسم، قد يتسع نطاق المعارضة الداخلية، ويصبح الضغط السياسي عاملاً مؤثّراً في صناعة القرار. مؤشرات هذا الرفض بدأت تظهر مبكراً على المستويين الشعبي والرسمي؛ فاستطلاعات الرأي تعكس تردّداً أميركياً متزايداً في الانخراط بحروب خارجية جديدة، في وقت كشف التصويت الأخير في الكونغرس عن انقسام حادّ إزاء منح الرئيس صلاحيات حرب غير مقيّدة، وقتذاك، لم يتمكّن من تمرير القرار إلّا بفارق ضئيل (53 صوتاً مقابل 47).

من المعروف أنّ الأزمات الخارجية الكبرى غالباً ما تؤدّي إلى "التفاف حول العلم" في مراحلها الأولى لكنّ حروب الاستنزاف الطويلة التي لا تخدم أهدافاً تتصل بالسيادة والاستقلال وحماية الوجود، تمتلك قدرة خاصة في تحويل الالتفاف إلى احتقان وغضب، خاصة مع تصاعد أعداد القتلى والتكاليف المالية الباهظة، وهذا الذي سيتطوّر في أميركا مع تطاول أمد الحرب.

"إسرائيل" ومخاوف الاستنزاف

"إسرائيل"، الشريك الأساسي لأميركا في هذه الحرب، بل هي من ورّطت الأخيرة فيها. وهي تعتمد في عقيدتها العسكرية على الحروب الخاطفة والحسم السريع، وليس على مواجهات مطوّلة تستنزف الموارد وتهدّد قدرات ومقوّمات وجود الكيان، وقد أظهر "المجتمع الإسرائيلي" دوماً حساسية متزايدة تجاه الخسائر البشرية والضغوط النفسية والاقتصادية. وتثبت ردود الفعل في هذه الحرب وهي في أسبوعها الأول، أنّ "المجتمع" غير راغب في الحرب ويخافها، وأنّ قدرته على تحمّل صراع طويل محدودة جداً إن لم تكن معدومة.

قدّرت هيئة البثّ الإسرائيلية الخسائر التي لحقت بالمرافق الاقتصادية الحيوية من جرّاء الحرب بمليارات الشواكل، في حين نقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة أنّ الأسبوع الأول وحده كبّد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر مباشرة تجاوزت ملياري دولار، نتيجة تعطّل المصانع والنزوح من مناطق الشمال وتراجع حركة الطيران.

ومع ذلك، ينظر اليمين الإسرائيلي لهذه الحرب باعتبارها فرصة استراتيجية لتحييد التهديد الوجودي الذي تمثّله إيران، ويعدّها سانحة لرسم خرائط جيوسياسية جديدة في المنطقة وبناء مشروع "إسرائيل الكبرى"، وهنا تبرز بوضوح جدلية الرغبة في تحقيق الهدفين الاستراتيجيين، وقدرة "إسرائيل" سلطةً و"مجتمعاً" على تحمّل استحقاقات الحرب وتكاليفها.

الصين وروسيا: المستفيد الأكبر من الاستنزاف

لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن موقف روسيا والصين، اللتين تراقبان بدقة تطوّرات الصراع كفرصة لتقويض النفوذ الأميركي.

فموسكو، المنخرطة في حرب استنزاف في أوكرانيا، تدرك قيمة انشغال واشنطن في "مستنقع" استنزاف شرق أوسطي جديد، وهي مرشّحة لتوفير دعم سياسي وتقني وأمني لإيران، خاصة في مجالات الدفاع الجوي التي صُقلت في الميدان الأوكراني ردّاً لجميل ودين مستحقّ لطهران، وفي سياق اتفاق الشراكة الاستراتيجية القائم بين البلدين، حرصاً من موسكو في تحقيق أعلى درجات الإنهاك الأميركي في هذا الوقت.

أما الصين، فتنظر إلى الصراع من زاوية جيواستراتيجية عميقة، مدعومة باتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تربطها بطهران، وتوحّد الطرفين في تحالف صلب ضدّ اليمنة الأحادية، بما يؤكّد دور إيران المحوري كقطب إقليمي لا غنى عنه. ورغم إدراك بكين لتأثير الحرب على سلاسل الإمداد، إلا أنها تعي أنّ الخاسر الأكبر هو أميركا وحلفاؤها؛ لذا قد تنظر لهذه الحرب كفرصة لإضعاف واشنطن عبر تعزيز صمود طهران، مع موازنة دقيقة بين مكاسب الاستنزاف وتأثيراته الاقتصادية، الأمر الذي قد يحمل بكين وموسكو على ابتدار مشروع تسوية لوقف الحرب، بما يخدم فكرة بناء نظام دولي جديد يقوم على التعدّد، ويقرّ بموازين القوى الناشئة.

سؤال القدرة لا سؤال القوة

من تداخل هذه الجبهات الأربع، يتشكّل المشهد الحقيقي لهذه الحرب. ففي واشنطن المثقلة بالديون، يتصاعد الانقسام السياسي حول صلاحيات الحرب، وفي "إسرائيل" تتراكم التكاليف الاقتصادية الباهظة، وتتضاعف الآثار النفسية للحرب، وفي الخليج تبرز معضلة الأمن الغذائي كورقة ضغط صامتة، ويتعالى صوت رافض لحرب واشنطن و"تل أبيب" في فضائه وخصماً من أمنه وموارده، وفي إيران تتبدّى قدرة مؤسساتية ومجتمعية على امتصاص الصدمة والبقاء في الحلقة الأطول برغم وجود تحدّيات داخلية (معيشية وسياسية وأمنية ترتبط بجماعات يمكن توظيفها ضدّ الدولة).

 

هنا تبرز المعادلة الجوهرية: القضية ليست في موازين القوة المعروفة، بل في القدرة على استخدامها بشكل مستمر من دون أن تتحوّل كلفتها إلى عامل إضعاف داخلي، وفي حسن توظيف قدرات المجتمع الروحية والوطنية في معادلات القوة، بالقدر الذي يعظّم مفاعيل الاستدامة ويحافظ عليها على المدى الطويل.

إنّ التحدّي الأكبر اليوم، يكمن في تجنّب مسار التآكل البطيء؛ فحين تتقاطع الاستنزافات العسكرية والاقتصادية والسياسية، يصبح السؤال عن النصر العسكري أقلّ أهمية من السؤال عن الثمن.

وهنا تكمن قيمة تحليل جيانغ شيوكين الذي يحوّل النقاش إلى "معادلة استدامة الصراع"؛ ففي حروب الاستنزاف لا انتصار بالضربة القاضية، بل بالقدرة على النفس الطويل. وإذا ما تحقّقت نبوءته بخسارة أميركا، فإنّ الخسارة لن تتخذ شكل السقوط العسكري الذي حدث في فيتنام، بل ستظهر في تآكل الهيبة والإخفاق في فرض الإرادة وتحقيق الحسم. هذا العجز سيقود إلى أحد مسارين؛ إما خروج مضطرب يعيد للأذهان مشاهد أفغانستان، أو الذهاب نحو تسوية اضطرارية يفرضها الاستنزاف، وتدفعها الرغبة الأميركية الإسرائيلية لتأمين بقاء "إسرائيل" في بيئة غدت شديدة الانفجار.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".