غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

ارتدادات الحرب على إيران في أفريقيا: التداعيات الخفية

رشقات صاروخية إيرانية

ثابت العمور | باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية 

لا يمكن اختصار ارتدادات الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران واقتصارها على مُحدد واحد أو منطقة جغرافية واحدة، إذ إنها حرب ليس كغيرها من الحروب لجهة الأهداف والمحددات والتداعيات والتدحرج العابر للجغرافيا، صحيح أن الحرب تبدو كحدث شرق أوسطي بامتياز، ولكن في النظام الدولي الحالي الذي أصبح العالم فيه كقرية صغيرة بحكم تشابك الاتصالات والمصالح والعلاقات لا يمكن الجزم بأن منطقة ما أو قارة ما ستكون بمعزل عن التداعيات. 

العالم اليوم شبكة مترابطة من الاعتماد المتبادل، وأفريقيا تقف في مفترق طرق استراتيجي بين الشرق الأوسط والمحيط الهندي والبحر الأحمر، وعليه فإن ارتدادات الحرب لن تقتصر على منطقة بعينها، وإن كانت منطقة الشرق الأوسط في عين العاصفة، فأفريقيا التي تبدو منعزلة جغرافياً عن حيثيات الصراع وليس طرفاً مباشراً فيه لا يمكنها تجنب الارتدادات لأنها في قلب معادلات النظام الدولي، والسؤال ما هي ارتدادات وتبعات الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران على الدول الأفريقية؟

على الرغم من أن مسرح الحرب يقع في منطقة الشرق الأوسط، فإن أفريقيا بحكم الجغرافيا والموقع الاستراتيجي وتشابك مصالحها الاقتصادية والأمنية مع منطقة البحر الأحمر، فإنها ليست بمعزل عن التداعيات، ولا يمكنها الوقوف موقف المحايد لأنها بحكم التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد والمصير طرف في كل ما يحدث، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

 هذه الحرب ليست صراعاً بين طرفين أو ثلاثة أو صراعاً طارئاً يُمكن تجاوزه، هذه الحرب في التقدير الموضوعي عامل ومُتغيّر جديد غير مسبوق ستترتب عليه إعادة تشكيل البيئة الدولية بالكامل، ولن تقتصر تبعاتها على منطقة الشرق الأوسط فقط بل قد تكون أفريقيا أكبر المتأثرين بتداعيات حرب لم تكن طرفاً فيها ولم تشارك في قرارها.

يحضرني في ارتدادات الحرب على إيران في أفريقيا حدث سياسي مهم في 24 شباط/ فبراير 2026 قبل الحرب بأربعة أيام فقط، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقائه وزير دفاع بوركينا فاسو، سيليستين سيمبور، أن القارة الأفريقية تمثل أولوية استراتيجية في سياسة بلاده الخارجية، مشدداً على أن طهران تسعى إلى توسيع التعاون الشامل مع الدول الأفريقية على أساس "المصالح المشتركة" وفي إطار دبلوماسية متوازنة. وشدد بزشكيان على التزام إيران بتعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية، خاصة بوركينا فاسو، مؤكداً أن رؤية الجمهورية الإسلامية تجاه القارة تقوم على أسس طويلة المدى ومرتكزة إلى الشراكة المتبادلة. هذه الرؤية تأجلت الآن وتلك واحدة من أهم ارتدادات الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران في أفريقيا.

إن إيران ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط؛ إنها عقدة أساسية في شبكة إمدادات الطاقة العالمية لا سيما تلك التي تمر عبر مضيق هرمز، وبالتالي أول الارتدادات ستكون في الاقتصاد تحديداً اسعار النفط والغاز ما سيضغط على الدول الأفريقية المستورد للطاقة من شرق القارة وغربها، والتضخم سيقفز وكلفة النقل سترتقع وأسعار الغذاء ستقفز كل ذلك سيحدث في دول تعاني في الأصل من هشاشة مالية وديون، وهو ما قد يتحوّل إلى اضطرابات اجتماعية. صحيح أن الدول الأفريقية المُصدرة للنفط ستستفيد لكنها فائدة طارئة.

والتاريخ يُظهر أن الأزمات الاقتصادية العابرة للحدود تتحول مباشرة إلى أزمات سياسية داخلية لأن ارتفاع الأسعار وتراجع النمو يُغذي الاحتجاجات في دول تعاني بالأساس من توترات اجتماعية، كذلك فإن بعض الأنظمة قد تستثمر المناخ الدولي المتوتر لتعزيز قبضتها الأمنية بذريعة الاستقرار، ما يخلق معادلة دقيقة بين الأمن والحرية في سياق مضطرب.

وفي البحر الأحمر الذي يُعدّ شرياناً حيوياً بالنسبة إلى التجارة الأفريقية قد تتدحرج فيه المواجهة ويُصبح ساحة حرب، وهو ما سيؤثر على الدول الأفريقية كافة، نظراً لارتفاع تكلفة شحن وتأمين الممرات البحرية، وهو ما يعني مزيداً من الضغوطات على اقتصاديات الدول الأفريقية.

وبالتالي، فإن الدول المستوردة للطاقة ستواجه موجة تضخم جديدة قد تتجاوز آثار أزمة أوكرانيا؛ لأن كلفة النقل والأسمدة والسلع الأساسية سترتفع، ما يهدد الأمن الغذائي في دول الساحل والقرن الأفريقي؛ وستجد الحكومات الأفريقية المثقلة بالديون نفسها أمام معضلة دعم الأسعار أم الحفاظ على الاستقرار المالي؟

إن أي عسكرة ستحدث في البحر الأحمر ستؤدي إلى زيادة احتمالات الاحتكاك العسكري قرب السواحل الأفريقية، لأن التداعيات لا تقف عند الاقتصاد والأمن البحري، الحرب ستُعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى في أفريقيا، إذ إن انشغال واشنطن بالحرب على إيران سيُفضي إلى تراجع حضورها في بعض الملفات ما يفتح الباب أمام قوى دولية أخرى كروسيا والصين لتعزيز حضورها ونفوذها. 

وقد تتحول بعض الدول الأفريقية مستقبلاً إلى ساحات تنافس ومواجهة بالوكالة، وبالتالي فإن القارة التي تسعى لجذب الاستثمار والتنمية قد تجد نفسها محاطة بقواعد عسكرية وأساطيل بحرية. والتجربة تشير إلى أن الحياد في عالم متعدد الأقطاب ليس قراراً سهلاً فالدول التي تعتمد على المساعدات، أو ترتبط باتفاقيات عسكرية، أو تحتاج إلى استثمارات خارجية ضخمة، قد تجد نفسها مضطرة للموازنة بين شركاء متنافسين. صحيح أن الدول الأفريقية تتبنى، في الغالب، مقاربة براغماتية؛ ولا تنحاز علناً لأي طرف في المواجهة، لكنها تراقب بقلق شديد ثلاثة ملفات رئيسية هي: أسعار النفط والغاز، وأمن البحر الأحمر والممرات البحرية، وتداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي.

إن أي تصعيد جديد أو تمدد للحرب ستصل تبعاته إلى القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر باب المندب، وتلك تمثل نقطة تماس مباشرة بين أفريقيا والحرب الدائرة، وبالتالي فإن دولاً مثل جيبوتي وإريتريا والصومال قد تجد نفسها في قلب استقطاب عسكري دولي. أما قناة السويس، فهي تمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، وأي اضطراب في البحر الأحمر ينعكس مباشرة على حركة الواردات والصادرات الأفريقية.

الأخطر في ارتدادات الحرب أن أي اضطراب عالمي كبير سيفضي إلى تهميش أولويات التنمية في أفريقيا لصالح أجندات أمنية وعسكرية. وبالتالي، تجد الحكومات نفسها بين مطرقة الضغوط الاقتصادية وسندان الاصطفاف الدولي. وفي ظل تزايد أهمية الممرات البحرية والموارد الطبيعية الأفريقية، قد تتحول القارة من منطقة محايدة إلى ساحة اختبار لتوازنات النظام الدولي الجديد.

ارتدادات الحرب الأميركية -الإسرائيلية على إيران في أفريقيا قد لا تكون عسكرية مباشرة بل تضخماً اقتصادياً واضطرابات في التنمية والتغذية والإمداد وعسكرة للمرات البحرية وتحولات في الاستقطاب الدولي بين دول القارة التي تبحث عن التنمية والاستقرار والشراكة، الحرب على إيران ستُعيد خلط الأوراق إقليمياً ودولياً وأفريقيا ليست بمعزل عن ذلك. بل ربما تنخرط بشكل أو بآخر في الحرب الدائرة.

انخراط بعض مكونات أفريقيا في الحرب سيناريو ليس مستبعداً بل بات معلناً وله شواهد، ففي السودان أعلن قادة في "كتيبة الفرقان" وهي فصيل يقاتل الى جانب الجيش السوداني استعدادهم للقتال "كتفاً بكتف" مع إيران ضد "إسرائيل".

وقد جاء الإعلان عن ذلك خلال فعالية رمضانية، حيث أكد القيادي الإسلامي الناجي عبد الله التضامن الكامل مع طهران في مواجهة الضربات الأميركية- الإسرائيلية، وأعلن استعداد مقاتلي الكتائب الإسلامية لاستخدام الطائرات المسيّرة في هذه الحرب، كما تحدث عن إمكانية إرسال مقاتلين إلى إيران إذا اندلعت مواجهات برية.

ارتدادات الحرب على إيران في أفريقيا لن تقتصر على الأبعاد الاقتصادية أو المواقف السياسية الرسمية، فهناك البعد الشعبي المبني على القوة الناعمة لإيران وحضورها الإنساني في أفريقيا؛ فإيران تشرف وتدير ما يزيد على 100 مركز إسلامي ومدرسة في 30 دولة أفريقية والهلال الأحمر الإيراني ولجنة إمداد الإمام الخميني حاضرون في أزقة أفريقيا ويقومان بجهد إغاثي وإنساني مهم جداً.

 مضافاً إلى ذلك كله، جانب يتعلق بالكاريزما والحضور الذي يمثله المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الشهيد علي خامنئي بالنسبة إلى كثير من الشعوب الأفريقية، لا سيما في السنغال ونيجيريا وغانا وموريتانيا وغيرها؛ واغتيال المرشد لن يمر من دون ردة فعل أفريقية شعبية قد تكون على شكل تحريك وتفعيل خلايا نائمة لاستهداف المصالح الأميركية- والإسرائيلية في أفريقيا.

ختاماً، أن أفريقيا ليست طرفاً في الصراع لا يعني أنها بمعزل عن ارتدادات الحرب الاقتصادية والعسكرية، الرسمية والشعبية، الآنية والمستقبلية.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".