غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

تقرير رمضان خلف القضبان.. حين يصنع الأسرى من المعاناة صبرًا وأملًا

معتقل سدي تيمان
شمس نيوز - نضال أبو شربي

مع حلول شهر رمضان، تتزين البيوت بالأضواء وتلتف العائلات حول موائد الإفطار، وتتعالى أصوات الأذان في المساجد، غير أن آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي يعيشون الشهر الفضيل بطقوس مختلفة تمامًا؛ فهناك خلف الجدران الباردة والأسلاك الشائكة، يغيب دفء العائلة وتغيب ضحكات الأطفال، ويحل مكانها واقع قاسٍ من القيود والحرمان.

ورغم ذلك، لا يفقد رمضان معناه لدى الأسرى، بل يتحول إلى موسم للصبر والثبات، فمن القليل يصنعون مائدة إفطار، ومن الزنزانة محرابًا للصلاة، ومن الألم قوة تعزز إرادتهم في مواجهة السجن، ومع كل يوم من أيام الشهر الفضيل، يكتب الأسرى حكاية جديدة من الصمود، تؤكد أن روح الإنسان قادرة على تجاوز أقسى الظروف.

ومن بين هذه الشهادات، تبرز تجربة الأسير المحرر نضال سمير سالم أبو شربي، الذي عاش تجربة اعتقال قاسية بعد أن اعتقلته قوات الاحتلال من مستشفى الشفاء في 18 آذار/مارس 2024، وخلال فترة اعتقاله تنقل بين عدة مراكز احتجاز، من بينها معتقل سديه تيمان، وسجن عوفر العسكري، وسجن النقب الصحراوي.

ويروي أبو شربي تفاصيل مؤلمة عن الحياة داخل السجون خلال شهر رمضان، حيث الجوع والعطش والإذلال، إلى جانب الصبر والصمود. ويقول: "تم اعتقالي من داخل مستشفى الشفاء، ثم جرى نقلي بين عدة أماكن اعتقال، كانت تجربة قاسية للغاية، لكنها كشفت أيضًا عن قوة كبيرة داخل الإنسان عندما يُوضع في ظروف صعبة."

ويصف أبو شربي معتقل سديه تيمان بأنه من أقسى أماكن الاعتقال، حتى أن الأسرى يطلقون عليه اسم "معتقل الجحيم". ويضيف: "في رمضان كان الإفطار يتكون من ثلاث قطع من الخبز اليابس وقليل من الماء، وهي كمية لا تكفي لسد الجوع، أما خلال فترة التحقيق فكان الطعام أقل من ذلك بكثير، وأحيانًا كنا نحصل على خبزة صغيرة واحدة كل 24 ساعة."

ويتابع: "كان الجنود يرمون قطعة خبز صغيرة من خلف الأسلاك الشائكة، وكنا ننتظرها لنلتقطها حتى نسد شيئًا من الجوع الذي ينهش بطوننا. حتى الماء كانوا يقطعونه عنا أحيانًا لساعات طويلة، في مشهد يعكس حجم الإذلال الذي كنا نعيشه."

أما في سجن عوفر، فيصف أبو شربي رمضان بأنه من أصعب التجارب التي يمكن أن يمر بها الإنسان، إذ يتحول الشهر الذي يفترض أن يكون شهر عبادة وطمأنينة مع العائلة إلى اختبار قاسٍ للصبر والإيمان. ويقول:

"كنا نستيقظ قبل الفجر بقليل للسحور، وغالبًا ما يكون بسيطًا جدًا؛ قطعة خبز يابسة وقليل من الطعام الذي لا يكفي لسد الجوع. ثم يبدأ يوم طويل من الصيام داخل غرف ضيقة مع تعب الجوع والعطش."

ويضيف أن لحظة الإفطار كانت من أكثر اللحظات انتظارًا، رغم بساطة الطعام: "كنا نحاول أن نتقاسم القليل بيننا بمحبة لنصنع جوًا من الأخوة داخل الغرفة."

ويروي حادثة لا تزال عالقة في ذاكرته: "في إحدى المرات كنا نجهز أنفسنا للإفطار ببعض الخبز اليابس وقليل من المربى، لكن قبل موعد الإفطار بقليل اقتحم القسم نحو عشرين جنديًا، وقاموا بسحب الطعام من داخل الغرفة وضربونا، ثم عصبوا أعيننا وقيدوا أيدينا، وبقينا في ذلك اليوم دون إفطار."

ويؤكد أبو شربي أن الجوع داخل السجن كان شديدًا: "كنا نجمع الخبز أحيانًا ليومين حتى نشعر بشيء من الشبع. كثير من الأسرى أصيبوا بسوء تغذية، وأصبحت أجسادنا هزيلة. تخيل أن يكون وزنك 80 كيلوغرامًا ثم يصبح خلال أقل من شهر نحو 40 كيلوغرامًا."

ويختتم حديثه بالقول: "رمضان في السجن يعلّم الإنسان معنى الصبر الحقيقي. كنا نصوم ليس فقط عن الطعام والشراب، بل عن الحرية التي حُرمنا منها."

من جهته، يروي الأسير المحرر طارق السويطي جانبًا آخر من التجربة، موضحًا أن الأسرى كانوا يستقبلون رمضان بمشاعر مختلطة بين الفرح بقدوم الشهر الفضيل والحزن لابتعادهم عن عائلاتهم. ويقول:

"كنا نحاول أن نصنع أجواء رمضانية بسيطة داخل الغرف، فنهنئ بعضنا البعض ونحاول أن نشعر بروح الشهر رغم القيود".

ويضيف أن الطعام داخل السجن كان بسيطًا للغاية: "في السحور كنا نكتفي أحيانًا بقطعة خبز وبعض الطعام القليل، أما الإفطار فكان محدودًا أيضًا، لذلك كنا نحاول أن نجمع ما يتوفر لدينا ونقسمه بين الأسرى."

ويشير إلى أن الصلاة وقراءة القرآن وتبادل الأحاديث كانت من أهم الوسائل التي تساعد الأسرى على تجاوز قسوة الاعتقال، موضحًا أن الاشتياق للأهل كان من أصعب ما يواجهونه خلال الشهر الفضيل.

وفي السياق ذاته، يروي الأسير المحرر أحمد محمود تجربته قائلاً: "رمضان في السجن مختلف تمامًا عن خارجه. بدل أن يكون شهر عبادة وراحة مع العائلة، يتحول إلى اختبار قاسٍ للصبر. كنا نصوم ساعات طويلة في ظروف صعبة مع نقص الطعام والماء واشتياق كبير للأهل."

ويضيف: "الطعام كان قليلًا جدًا وغالبًا لا يكفي لسد الجوع. أحيانًا يكون الإفطار مجرد قطع من الخبز اليابس وقليل من الطعام، لذلك كنا نحاول أن نتقاسم ما لدينا بين الأسرى."

ويؤكد أن أصعب اللحظات كانت الشعور بالجوع الشديد إلى جانب القمع الذي قد يتعرض له الأسرى أحيانًا، مثل اقتحام الأقسام أو منع الطعام قبل موعد الإفطار.

ورغم كل هذه الظروف، يحاول الأسرى الفلسطينيون الحفاظ على روح رمضان داخل الزنازين، حيث يتحول الشهر الفضيل إلى مساحة للصبر والتضامن بينهم وأملٍ متجدد بالحرية. ويقضي العديد منهم ساعات النهار في الصلاة وقراءة القرآن وتنظيم حلقات دينية وثقافية داخل الأقسام، في محاولة لخلق أجواء روحانية تخفف من قسوة الاعتقال.

وعلى الرغم من القمع والتضييق، يؤكد الأسرى أن روح التضامن بينهم تساعدهم على تجاوز الكثير من المعاناة، إذ يتقاسمون الطعام القليل ويدعمون بعضهم نفسيًا حتى يأتي يوم الحرية.

تبقى تجربة الأسرى الفلسطينيين في شهر رمضان شاهدًا على معاناة إنسانية كبيرة داخل السجون الإسرائيلية، لكنها في الوقت ذاته تعكس قوة الصمود والإيمان لدى هؤلاء الأسرى الذين يواجهون قسوة الاعتقال بالأمل والصبر، ويؤمنون أن فجر الحرية سيشرق يومًا مهما طال ليل السجن.