إحسان عطايا: عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين
يبدو أن سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تقليم مخالب الولايات المتحدة قد بدأت تؤتي أُكلها، فها هي أميركا تجني شرّ أفعالها، وتحصد تبعات سياساتها، وتدفع ثمن بلطجتها، وتتألم من الضربات التي تتلقاها، ومعها كيان الاحتلال. وها هو رئيس الدولة العظمى يتخبّط في خطاباته وتصريحاته المتناقضة والمربكة، وإن كان يحاول أن يظهر بصورة المنتصر، وأنه يمسك بزمام الأمور، وهو يتعجرف بتصريحاته اليومية، وكأنه الناطق الرسمي لقواته العسكرية.
وها هو رئيس حكومة العدو الصهيوني بات لا يجرؤ على الخروج من مخبئه المُحصّن معظم الوقت، وها هم قادة حربه يمنعون نشر معظم صور الضربات الإيرانية الموجّهة إلى مواقع مختلفة في كيان الاحتلال، بحجة الدواعي الأمنية، بينما الحقيقة أنهم لا يريدون أن يشاهد الصهاينة هذه الصور المرعبة، حتى لا تنهار معنويات «جبهتهم الداخلية» المختبئة معظم الوقت في الملاجئ والتحصينات.
بوادر فشل العدو
بات من الواضح أن العدو الأميركي والصهيوني قد فشل في تحقيق أهداف الحرب العدوانية التي شنّها على الجمهورية الإسلامية، في الثامن والعشرين من شهر شباط المنصرم، حتى الآن. والتي من أبرزها:
- زعزعة الاستقرار الداخلي، وتحريض الشعب الإيراني للخروج إلى الشوارع وإسقاط نظامه، بعد توجيه الضربات الأولى التي استهدفت عدداً كبيراً من قياداته التاريخية المعروفة، وعلى رأسهم السيد القائد علي الخامنئي.
- القضاء على منظومة الصواريخ الباليستية، وتدمير البنية التحتية النووية.
- ضرب العلاقة بين إيران وحلفائها، وتفكيك محور المقاومة، لتغيير موازين القوى وضمان التفوّق الصهيوني في المنطقة.
- الهيمنة على موارد الطاقة، وإضعاف الاقتصاد الإيراني، والسيطرة المطلقة على مضيق هرمز، والتحكّم بالممرات المائية الأخرى.
لقد واجهت أميركا في حربها على إيران عقبات كأداء لم تتمكن من تجاوزها، فعلى سبيل المثال، فشل ترامب في تحريض دول الخليج للدخول مباشرة في الحرب، ولم ينجح في إقناع حلفائه من دول حلف «الناتو» للمشاركة معه في الحرب أيضاً. ولم ينجح في تأليب الشعب الإيراني ضد قيادته. ولم ينجح في القضاء على القدرة الصاروخية الإيرانية أو إضعافها. ولم ينجح في فرض شروطه على القيادة الإيرانية وإرضاخها...
وفي المقابل، استطاعت إيران أن تثبت للجميع أنها ليست لقمة سائغة بيد العدو، وأنها ما زالت قوية ومتماسكة وعصية على الانكسار، وتمتلك الكثير من أوراق القوة، وتحسن استخدامها في المعركة بحنكة ودقّة تفاجئ بهما العدو. فهي قد باشرت بردّها المزلزل بعد بدء العدوان الأميركي الصهيوني عليها، وركّزت ضرباتها على القواعد العسكرية الأميركية، وفي الوقت عينه وجّهت ضربات موجعة إلى كيان الاحتلال الصهيوني القاعدة الأميركية الكبرى في المنطقة. وخلال ذلك قامت بترتيب أوضاعها الداخلية، بشكل أذهل العدو، وجعله عاجزاً عن تنفيذ مخطّطاته الشيطانية على الأراضي الإيرانية. وما زاد من إرباكه رفض القادة الإيرانيين بدء التفاوض حول وقف إطلاق النار في التوقيت الذي تريده أميركا، وتحدّثوا عن مفاوضات لإنهاء الحرب بشكل كامل، وليس لوقف إطلاق النار، ولكن بشروطهم وتوقيتهم.
التناقض والإرباك الأميركيان
منذ بداية العدوان الأميركي الصهيوني الغادر على إيران، في 28 شباط 2026، لم يتوقّف ترامب عن إدلاء التصريحات المتباينة حول قراراته وأهداف الحرب ومجرياتها، وقاد الحرب بخطاب متغيّر وغير مستقرّ، ما أربك الإدارة الأميركية وحلفاءها، والمتابعين والمحلّلين والمراقبين الدوليين، وأثار قلق شريكها الصهيوني في هذا العدوان، وأظهر أن الاستراتيجية الأميركية في الحرب لم تكن واضحة ومحدّدة في الخطاب السياسي. وهذا بعض ما تمّ رصده من سلسلة التناقضات الطويلة التي أطلقها الرئيس الأميركي في تصريحاته الصحافية وخطاباته وتغريداته ومواقفه:
التباين الأول: حول هدف الحرب
خاطب ترامب الشعب الإيراني، قائلاً له: «ساعة الحرية قد حانت». وطالبه بالاستيلاء على الحكم في إيران، بعد استكمال الضربات الموجّهة إلى الأهداف المحدّدة في الهجوم. ثم قال إنه يريد المساعدة في بناء بلد جديد في إيران.
وبعد ذلك، أعلن ترامب عن هدف الحرب على إيران، بأنه لمنعها من امتلاك سلاح نووي، والقضاء على تهديدها العسكري، وحماية الأمن القومي الأميركي، وليس من أجل تغيير النظام.
وقد جاء هذا، بعد أن أدرك استحالة تحقّق هدفه المُعلن الأول.
التباين الثاني: حول دوافع الحرب
في تبريره للحرب التي شنّها على إيران، صرّح ترامب بأن لدى إيران صواريخ قادرة على الوصول إلى العمق الأميركي «قريباً جدّاً». تارة يسند كلامه إلى معلومات استخبارية، وتارة أخرى يسنده إلى إحساسه!
علماً أن هذا الادّعاء متناقض مع تقارير وكالة الاستخبارات الأميركية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ذكرت قبل بدء الحرب، أن إيران ما زالت بعيدة لسنوات عن امتلاك هذه التقنيات، وأن البرنامج النووي تمّ «إضعافه بشكل كبير»، بعد ضربات العام الماضي (حرب الـ12 يوماً / حزيران 2025).
وقد برّر مسؤولون أميركيون الدافع إلى الحرب، بأن إيران تشكّل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، وكان لا بد من ضربها. بينما صرّح مسؤولون آخرون، بأن العملية العسكرية جاءت بسبب التحرك الإسرائيلي.
فهل كانت الحرب بقرار أميركي، أم استجابة لطلب إسرائيل؟!
بتقديري إن ترامب حاول التنصّل من تبعات اتخاذه قرار الحرب المتسرّع ضد إيران، أمام الكونغرس الأميركي الذي يملك وحده هذه الصلاحية، ولذا فهو لم يسمّها حرباً، بل أطلق عليها اسم «عملية عسكرية». وفي رأيي، إنّ هذا القرار مشترك بين ترامب ونتنياهو معاً، وليس عشوائيّاً. وقد جاء مدفوعاً بخشيتهما من قوة إيران المتنامية والمتعاظمة في المنطقة، وقدرتها على التأثير الإقليمي، وتعذّر احتوائها، ما استدعى هذا التحرك المسعور ضد طهران، استناداً إلى معلومات «الموساد» الصهيوني التي اعتبرت أن إسقاط النظام سهل، بعد القضاء على أركان القيادة الإيرانية، من دون تقدير دقيق لنتائج هذا القرار وعواقبه، وعدم وضع خطة بديلة واضحة ومحدّدة مُسبقاً.
التباين الثالث: حول مدة الحرب
صرّح ترامب في الثاني من آذار لإحدى الصحف الأميركية بأن الضربات ستستمر «أربعة أسابيع أو أقل»، وخلال اليوم نفسه صرّح لصحيفه أخرى بأن الضربات ستستمر «لأكثر من خمسة أسابيع» أو «مهما تطلّب الأمر»، ما يعني أنه قدّم جدولين زمنيين مختلفين في اليوم نفسه.
وفي 12 آذار، صرّح خلال خطابه أمام تجمّع انتخابي، بأن أميركا «انتصرت منذ الساعة الأولى»، وقال: «إن الأمر انتهى تقريباً».
ثم في الخطاب نفسه، بعد بضع دقائق، قال: «لا نريد المغادرة مبكراً، علينا إنهاء المهمة»، ما أظهر تناقضاً وتضارباً في كلامه، فهل الضربات حقّقت أهدافها؟ أم أنها ستستمر إلى أجل غير محدّد؟!
وفي حين يصف ترامب الحرب بأنها قصيرة وليست طويلة، يقول لاحقاً: «إن الحرب ستنتهي عندما أشعر بذلك».
فهل نهاية الحرب محدّدة ومبنية على خطة واضحة، أم مرتبطة بقراره الشخصي؟! سوف تكشف الأيام القادمة الإجابة الدقيقة على هذا التساؤل.
وفي أحد تصريحاته، يقول: «إن الحرب انتهت تقريباً». وفي تصريح آخر، يقول: «إن الحرب ما زالت في بدايتها».
هذا تناقض مثير للسخرية!
التباين الرابع: حول نظام الحكم في إيران
صرّح ترامب بأن الشعب الإيراني هو صاحب القرار في تحديد مصيره، وخاطبه قائلاً: «الحكومة ستكون ملككم».
وفي السادس من شهر آذار، طالب، في تدوينة على إحدى المنصات، بـ«استسلام غير مشروط»، وبضرورة اختيار «قادة مقبولين وعظماء». وتحدّث لاحقاً حول رغبته بأن يكون له «رأي مباشر» في اختيار المرشد والقيادة الإيرانية القادمة.
وهذا يتناقض مع تصريحه السابق، بأن الخيار للشعب الإيراني في تقرير مصيره.
إضافة إلى تباينات أخرى، من أبرزها:
- قوله: «دمّرنا كل الأهداف في إيران، لكن الضربات مستمرة». إذا تم تدمير قدرات إيران، فماذا بقي من الأهداف لضربه؟!
- قوله: «باتت إيران ضعيفة جدّاً، لكنها تشكّل تهديداً كبيراً». كيف يستقيم هذا الكلام؟!
- قوله: «نحن لا نستهدف الاقتصاد الإيراني، ولكن قد نستهدفه». إذا كان الاقتصاد خارج الاستهداف، فلماذا التهديد بضربه؟!
- قوله: «لم يبقَ مسؤولون في إيران لنتكلم معهم»، ولاحقاً قال: «نحن نتفاوض مع مسؤول إيراني رفيع المستوى». تناقض ما بعده تناقض، والحبل على الجرار...
تداعيات الحرب ومآلاتها ومفاجأة حزب الله
سوف تؤدّي هذه الحرب إلى تداعيات كبيرة في المنطقة، بل في العالم، وسيضطر العدو إلى تغيير خططه الشيطانية، ويركّز على محاولة إشعال نيران الفتن في المنطقة، للتعويض عن خسارته المتوقّعة في هذه الحرب، والتي ستؤدي إلى تقليم مخالب أميركا، وكسر أنيابها، وإضعاف نفوذها في المنطقة، وربما في العالم، وفرض معادلة ردع إيرانية قوية جدّاً، وتغيير قواعد الاشتباك.
ومن المتوقّع أن تأتي نتائج الحرب مخالِفة لتوقعات العدو الذي ظهر عاجزاً عن فرض إرادته وشروطه بالقوة العسكرية المفرطة، والذي فوجئ بتوقيت دخول حزب الله في المعركة، حيث وجدت قيادة المقاومة الإسلامية في لبنان الفرصة السانحة لاستعادة معادلة الردع التي خسرتها في المعركة السابقة، وبرهنت عن ذكائها في إدارة المواجهة مع العدو الصهيوني بكل جوانبها، وأثبتت نجاحها بجدارة في استخلاص الدروس والعبر من المعركة السابقة ومآلاتها، وفي ترميم قدراتها العسكرية والتنظيمية خلال خمسة عشر شهراً، ضمن ظروف صعبة جدّاً لم يتوقف خلالها استهداف العدو لمقاوميها.
لقد برعت قيادة حزب الله المقتدرة سياسيّاً وعسكريّاً، برئاسة أمينها العام سماحة الشيخ نعيم قاسم، المحنّك استراتيجيّاً والمتمكّن إداريّاً، وصاحب النبرة الهادئة والمواقف الصلبة، بشخصيته المتواضعة والقوية، وامتلاكه مهارة حبك خطابه المتّزن، في استعادة عافيتها، وتجهيز قواها على مختلف المستويات، وصولاً إلى اختيار اللحظة الملائمة لبدء عملياتها العسكرية التي أطلقت عليها اسم «العصف المأكول»، ردّاً على الاعتداءات الصهيونية التي لم تتوقف يوماً واحداً خلال الفترة الماضية.
وعلى الرغم من التفوّق العسكري غير المحدود للعدو -إيران وحلفاؤها يواجهون دولتين نوويتين؛ إحداهما الدولة العظمى المتفرّدة بهيمنتها على العالم- فإن مجريات المعركة الميدانية، سواء على جبهة المواجهة الإيرانية، أم على جبهة المواجهة اللبنانية، تثبت أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمقاومة الإسلامية والوطنية في لبنان قادرتان على التصدّي للهجمات الأميركية والصهيونية ببسالة وبطولة، وعلى توجيه ضرباتهما الدقيقة والمركّزة بالأسلحة المناسبة إلى الأهداف المعادية. وهما تبرعان اليوم في صنع معادلات القوة التي ستغيّر وجه المنطقة والعالم.
وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي، إلا أن الصور التي يسمح العدو بنشرها، لوقوع الصواريخ أو المُسيّرات، تظهر مدى الضرر الذي تلحقه في الأماكن التي تصيبها، ومدى عجز المنظومة الدفاعية للعدو عن منع وصولها إلى أهدافها. ناهيك عن الإصابات المباشرة لدبابات العدو الصهيوني وآلياته في المواجهات الضارية التي تخوضها المقاومة في لبنان على جبهة القتال، أو في توجيهها الضربات الصاروخية والمُسيّرات إلى الكيان الصهيوني، ولا سيما في شمال فلسطين المحتلة.
في نهاية المطاف، سوف نرى المنطقة بعد الحرب بصورة مختلفة عمّا كانت عليه، وسوف ينتهي المخاض العسير بولادة عالم جديد، لا أُحادية قطبية فيه.
