في خيمةٍ بالكاد تصلح للحياة، وسط القصف وقسوة النزوح، تقف وسام نبهان مثقلة بالفقد، لكنها لا تنكسر، فقدت طفلتها رهف، وما زالت تقاتل من أجل إنقاذ طفليها الآخرين اللذين أنهكهما المرض، في قصة تختصر وجع غزة حيث تتقاطع المأساة بين الحرب والجوع وغياب العلاج.
تبدأ وسام حديثها بصوتٍ متعب: "كان عندي بنتين وولد.. فقدت بنتي رهف البالغ من العمر نحو 10 سنوات بسبب سوء التغذية ونقص السكر".
لم ترحل رهف فجأة، بل تدهورت حالتها تدريجياً مع انقطاع العلاج واشتداد المجاعة، كانت تعاني من نقص حاد في السكر ومشكلات صدرية، تحتاج إلى متابعة دقيقة وغذاء منتظم كل ساعتين، وهو ما أصبح مستحيلاً في ظل الحرب.
حين يصبح العلاج حلماً
واستعادة والدة رهف ذكرياتها قبل الحرب، حيث كانت تحرص على متابعة علاج أطفالها رغم التكاليف، لكن كل شيء تغيّر بعد الحرب، تقول: “العلاج انقطع تقريباً سنة كاملة.. كنت أشتريه بـ600 شيكل وما قدرت أوفره، فالمستشفيات لم تعد كما كانت، الأدوية اختفت، والأطباء غابوا".
المجاعة… القاتل الصامت
وتروي وسام تفاصيل الأيام الأخيرة لحياة طفلتها رهف: "كانت رهف تعاني من سوء تغذية وصوتها بدأ يخفوا شئيا فشيئًا، فكان لا بد من توفير الاكل لها كل ساعتين لكن لم نتمكن من توفير الطعام لها، الأمر الذي تسبب في انخفاض السكر في جسمها لدرجات خطيرة.
تشير وسام إلى محاولتها لإنقاذ طفلتها بوسائل بسيطة، قائلة: "استخدمت العسل كإسعاف أخير لإنقاذ طفلتي لكن الكمية نفذت، مع إشارتها إلى ان آخر ملعقة عسل تناولتها رهف كانت عند الساعة الثالثة فجراً".
رحلة الوداع القاسية
تقول الأم: "استيقظت من النوم فوجدت جسد رهف باردا، حينها انتابني خوف شديد وبدأت اتفقد جسدها واتحسس على ذراعيها ووجهها لكنها لم تتحرك ابدا"، وبسرعة تحركت الام وقدمت لها الإسعافات الأولية إلا أن ابنتها كانت قد فارقت الحياة.
لم تجد وسام سيارة مدنية أو سيارة اسعاف، فانطلقت تركض بسرعة صوب المستشفى، مضى عليها نحو 5 دقائق، وصلت إلى المستشفى وأجرى الأطباء فحصا اوليا وهناك كانت الصدمة، "البنت إلها ساعة متوفية".
رزان… قلب يقاوم
لم تتوقف معاناة المواطنة وسام عند هذا الحد، فطفلتها رزان (7 سنوات) تعاني من مرض قلب منذ الولادة، وخضعت لعملية قلب مفتوح معقدة استمرت سبع ساعات بنسبة نجاح ضعيفة.
تقول وسام: "الحمد لله نجحت العملية، بس بعدها صارت تتعب بسرعة"، لتعيش بجسد ضعيف، تحتاج رعاية دائمة لا تتوفر في ظل النزوح.
وبعد فقدان شقيقتها، تغيّرت رزان نفسياً، وتميل للعزلة ويغلب عليها الصمت، فالحزن بات أكبر من عمرها، والفقد تحول إلى جرح مفتوح في قلب طفلة لم تكتمل طفولتها.
نزوح ومعاناة يومية
تنقلت وسام مرارا بحثا عن مكان قريب من مستشفى. تقول: “كنت أختار المكان اللي جنب مستشفى… لأن أولادي مرضى".
لكن حتى هذا الخيار لم يكن كافياً. في الخيمة، لا كهرباء مستقرة، ولا دواء، ولا غذاء مناسب، تضطر لتأمين جهاز التبخيرة بنفسها والبحث عن أي مصدر كهرباء لتشغيله.
أمنيات بسيطة في واقع قاسٍ
رغم كل ما مرّت به، لا تطلب وسام الكثير: "نفسي أعيش حياة أفضل.. أشتغل وأعالج أولادي".
قصة وسام نبهان ليست مجرد حكاية أم فقدت طفلتها، بل شهادة حية على ما تصنعه الحرب حين تجتمع مع المرض والفقر، رحلت رهف بصمت، وبقيت أمها تقاوم من أجل من تبقى على قيد الحياة.
