غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

أحلامٌ دُفنت تحت الركام: كيف يعيش رياضيو غزة حسرة كأس العالم؟

لاعب المنتخب الفلسطيني محمود سلمي.jpg
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في خيمةٍ صغيرة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، يجلس اللاعب الفلسطيني محمود سلمي أمام شاشة متواضعة يترقب مباريات كأس العالم، لكن عينيه لا تتابعان الكرة فقط، بل تلاحقان حلماً كان يوماً ما قريباً منه، فبينما يحتفل العالم بأعظم بطولة كروية، يعيش محمود حسرةً مضاعفة؛ حسرة مشجع يتابع المونديال، وحسرة لاعب كان يحمل في قلبه طموح الوصول إلى المجد الرياضي.

بينما تستعد الجماهير حول العالم لمتابعة كأس العالم، وتزدحم المقاهي والشوارع بالأعلام والهتافات، يعيش آلاف الفلسطينيين في غزة واقعاً مختلفاً تماماً. فهناك، حيث الخيام تمتد على أطراف المدن المدمرة، يجلس لاعبون كانوا يوماً يطاردون أحلامهم فوق المستطيل الأخضر، ليجدوا أنفسهم اليوم يطاردون الماء والغذاء ومقومات البقاء.

لم يكن محمود مجرد متابع لكرة القدم، بل لاعباً من الطراز الأول، قضى سنوات عمره بين الملاعب والتدريبات، مؤمناً بأن الاجتهاد قد يقوده يوماً إلى تحقيق أحلامه. لكن الحرب جاءت لتبدد كل شيء، فاستبدلت الملاعب بخيام النزوح، والتدريبات اليومية برحلات البحث عن الماء والطعام ومقومات الحياة الأساسية.

اليوم، ينتقل محمود من نزوح إلى آخر، حاملاً همّ أسرته قبل أي شيء آخر. وبينما يتنافس نجوم العالم على أرضية الملاعب الخضراء، يجد نفسه منشغلاً بتأمين لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة في ظروف تزداد قسوة يوماً بعد يوم.

في كل هدف يُسجل، يتذكر محمود أحلامه التي توقفت قسراً. وفي كل احتفال جماهيري يشاهده عبر الشاشة، يستحضر أيامه في الملاعب حين كان يركض خلف الكرة مؤمناً بأن المستقبل يحمل له فرصة أكبر. لكن الخيمة الضيقة التي يعيش فيها اليوم تختصر حجم المأساة؛ فهي ليست مجرد مأوى مؤقت، بل شاهد على أحلام رياضية دفنتها الحرب تحت ركام الواقع.

وبين ضجيج المدرجات العالمية وصمت الخيام، تتجسد قصة محمود سلمي كواحدة من آلاف القصص الفلسطينية التي حرمتها الحرب من حقها في الحلم. فبين كأس العالم الذي يجمع العالم حول كرة القدم، وخيمة النزوح التي تحاصر أحلامه، يقف محمود حاملاً حسرة لاعبٍ كان يطمح إلى المجد، فإذا به يصارع من أجل البقاء.

محمود سلمي، أحد هؤلاء اللاعبين الذين سرقت الحرب منهم الملاعب والأحلام معاً ، بدأت رحلة محمود مع كرة القدم وهو في الثانية عشرة من عمره داخل نادي الوفاق الرياضي، قبل أن يشق طريقه سريعاً نحو الفريق الأول بعمر السادسة عشرة. موهبته كمهاجم لفتت الأنظار مبكراً، فانتقل إلى نادي الشجاعية، أحد أكبر الأندية الجماهيرية في قطاع غزة، حيث عاش أجمل سنواته الرياضية وسط المدرجات المليئة بالمشجعين والهتافات.

في موسمه الثاني مع الشجاعية، قدم مستويات مميزة جعلته محط أنظار الأندية خارج فلسطين، حتى تلقى عام 2018 عرضاً للاحتراف في النادي الأهلي المصري. بالنسبة لشاب خرج من أزقة غزة الضيقة إلى واحد من أكبر أندية المنطقة، بدا الحلم قريباً من التحقق. تدرب مع الفريق الأول، وشارك مع فريق مواليد 1997، وساهم في التتويج ببطولة الجمهورية، قبل أن تعيده ظروف خاصة إلى غزة.

لاحقاً خاض تجربة احترافية في الدوري الأردني، لكن جائحة كورونا أوقفت الكثير من الأحلام، فعاد مجدداً إلى القطاع، واستأنف مشواره مع نادي بيت حانون الرياضي. كانت مسيرته تسير نحو مرحلة جديدة من النضج والتألق، قبل أن تأتي الحرب وتضع حداً لكل شيء.

اليوم، لم يعد محمود يتحدث عن المباريات أو الأهداف التي سجلها، بل عن الخيمة التي يسكنها بعد نزوحه، وعن الملاعب التي تحولت إلى ركام، وعن سنوات كاملة مرت دون أن يعيش حياة لاعب كرة القدم التي عرفها.

يقول محمود إن كأس العالم كان دائماً الحدث الأجمل بالنسبة له كلاعب كرة قدم، وكان ينتظره بشغف كما ينتظره ملايين الرياضيين حول العالم. أما اليوم، فحتى متابعة المباريات أصبحت حلماً صعب المنال.

"قبل الحرب كنت أتابع كل مباريات كأس العالم وأعيش تفاصيلها لحظة بلحظة. أما الآن فأنا متأكد أنني لن أستطيع مشاهدة معظم المباريات، فلا كهرباء ولا تلفاز ولا أماكن مناسبة للمشاهدة، ونحن نعيش داخل خيام النزوح."

حديث محمود لا يحمل حسرة مشجع عادي فحسب، بل وجع لاعب يعرف جيداً قيمة هذه اللعبة وما تعنيه لمن كرس لها سنوات عمره. ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتحليل أداء المنتخبات وأهداف النجوم، يجد نفسه منشغلاً بتأمين أبسط احتياجات الحياة.

ويضيف: "العالم كله يستعد للاستمتاع بكأس العالم، بينما نحن نبحث عن مياه نظيفة وغذاء ومكان آمن. أتمنى أن يرى الناس أيضاً كيف يعيش الرياضيون في غزة، وكيف فقدوا ملاعبهم وأحلامهم."

الحرب بالنسبة لمحمود لم توقف بطولة أو موسماً رياضياً فقط، بل أوقفت مسيرة كاملة كانت في مرحلة الصعود. سنوات طويلة من التدريب والجهد والطموح وجدت نفسها فجأة معلقة بين النزوح والدمار. فمنذ اندلاع الحرب، غابت الملاعب، وتوقفت التدريبات المنتظمة، واختفت البطولات التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من حياته اليومية.

ورغم كل ذلك، ما زال محمود يحتفظ بما تبقى من حلمه داخل هاتفه المحمول. يعود بين الحين والآخر إلى مقاطع فيديو قديمة يظهر فيها وهو يركض فوق العشب الأخضر، يسجل الأهداف ويحتفل مع زملائه أمام الجماهير. يشاهد تلك اللحظات بصمت طويل، وكأنه يستعيد حياة أخرى سُلبت منه.

ورغم الألم، يرفض الاستسلام لفكرة النهاية. فما زال يؤمن بأن كرة القدم ستعود يوماً إلى غزة، وأن الملاعب ستفتح أبوابها من جديد، وأن الفرصة قد تأتي مرة أخرى ليعود لاعباً كما كان.

يقول: "أتمنى أن أعود للعب كرة القدم من جديد، وأن أمثل الأندية الفلسطينية والمنتخب الفلسطيني في المحافل المختلفة. رغم كل شيء، ما زلت أتمسك بالأمل."

قصة محمود سلمي ليست قصة لاعب واحد فقط، بل حكاية جيل كامل من الرياضيين الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم بعيدين عن الملاعب في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بأكبر بطولة كروية على وجه الأرض. وبينما تتجه أنظار الملايين نحو شاشات كأس العالم، يعيش رياضيو غزة بطولة أخرى أكثر قسوة؛ بطولة الصمود والتمسك بالأحلام وسط النزوح والركام.

وفي الوقت الذي يركض فيه نجوم العالم خلف المجد الكروي، يبقى السؤال معلقاً في خيام غزة: كم لاعباً كان يمكن أن يركض اليوم في ملاعب العالم، لو لم تسرق الحرب حلمه قبل أن يكتمل؟