ينظر ياسر في كل صباح إلى صور أبنائه الشهداء "أمجد وأدهم وحمادة"، وعيناه تدمعان حزنًا على فراقهم، يضع يده على جبينه مرددًا: "أم حسام، شو بدنا نفطر اليوم؟"، وقبل أن تنطق زوجته بكلمة واحدة، رن هاتفه النقال، ردّ مسرعًا بكلماته المعتادة: "السلام عليكم"، فجأة، جاءه صوت شاب في مقتبل العمر يقول: "كيف حالك يا بابا؟ أنا حمادة!".
تغيّرت ملامحه، وعقد حاجبيه، ونظر إلى زوجته باستغراب، قبل أن يعمّ الصمت أرجاء المكان، ثم كسر الهدوء بصوت مرتجف وهو يفرك أذنيه متسائلًا: "مين حمادة؟ حمادة ابني استشهد!"، فأجابه المتصل: "أنا حمادة يا بابا، لم أستشهد"، وبسرعة، ومن دون إدراك، أغلق والده الهاتف، ثم أدار وجهه يمنة ويسرة مصدومًا مما سمع، وبعد ثوانٍ قليلة، عاد الهاتف يرن.
أمسك ياسر الهاتف بسرعة، وصرخ في وجه المتصل: "أنا كبير في السن ومريض، ولا أستطيع تحمّل هذا الهزار، عيب... بكفي عاد، ابني حمادة استشهد قبل سنة في زكيم، وأقمنا له بيت عزاء"؛ لكن المتصل لم يتراجع، وردّ بصوت يملؤه الحزن والألم: "يا بابا، والله أنا حمادة، لم أمت، أنا كنت أسيرًا في السجون، وهيني طلعت، ابعت الشباب ياخذوني من عند الميناء".
تجمد الدم في عروقه وفقد قدرته على الوقوف، فجلس على الأرض، وجسده يرتجف، وعيناه تمتلئان بالدموع من هول ما سمع، وبصوت متوتر بدا عليه الاستسلام: "هلقيت ببعت الشباب، لنشوف إذا كنت حمادة فعلًا".
مكالمة قلبت عاما من الحداد
أمسكت أم حسام بزوجها وهي تبكي تارة، وتبتسم تارة أخرى، وقالت: "معقول حمادة؟ والله اشتقت له كثيرًا. لا... لا مش معقول، حمادة استشهد! بس والله نفس صوته، أنا متذكّرة كويس"، وفي تلك اللحظات المؤلمة، وصل حسام، فأخبره والده بكل ما حدث.
كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة والنصف من صباح الأربعاء الموافق (8/7/2026)، حين انطلق شباب عائلة البنا إلى نقطة الالتقاء، بينما بقي الوالدان ينتظران بلهفة وشوق لحظة الحقيقة التي قلبت حياتهما رأسًا على عقب.
جلست أم حسام على عتبة منزلها المدمر، تحدّق في وجوه النساء من حولها، وكأنها تبحث عن إجابة تخشى تصديقها، كان جسدها يرتجف تحت وقع الخبر الذي وصلها للتو، فتقترب من إحدى النساء وتهمس بصوت خافت: "معقول حمادة يرجع عايش؟!".
التفتت إليها المرأة بثبات، وأجابتها وكأنها تحمل خبرًا مؤكدًا لا يقبل الشك: "نعم... ما سمعتيش صوته وهو بحكي معك؟ الشباب كلهم راحوا يجيبوه".
حضن بعد عام!
مرت ساعات ثقيلة على العائلة، وقبل أن تشير عقارب الساعة إلى الثالثة والنصف عصر الأربعاء، احتشد الناس حول المنزل ينتظرون وصول حمادة.
وفجأة، انطلقت أصوات الرصاص، واقتربت صيحات التكبير والتصفيق والتصفير، وعمّ الضجيج المكان، لم يتمالك أحد نفسه أمام هذا المشهد المؤثر، فانهمرت الدموع من أعين الجميع، بينما كان حمادة محمولًا على الأكتاف.
شقّ حمادة طريقه بين الناس بصعوبة بالغة، والعرق يتصبب من جبينه، فيما لم تتوقف دموع الشوق عن الجريان على خديه، فتح ذراعيه وارتمى في حضن والدته، ثم انحنى يقبّل قدميها.
في تلك اللحظة فقدت والدته وعيها من شدة الصدمة، ونُقلت إلى داخل المنزل، بينما احتضنه والده باكيًا وهو يردد: "الحمد لله... الحمد لله الذي أعادك إلى حضني".
بداية القصىة
بدأت حكاية حمادة البنا (22 عامًا) في جباليا النزلة شمال قطاع غزة عندما غادر منزله في السادسة صباحًا من يوم الأربعاء الموافق (13/8/2025)، متجهًا برفقة شقيقه أدهم إلى منطقة زكيم شمال قطاع غزة للحصول على كيس طحين، ليسد رمق الجوع، ويوفر ما يحتاج إليه والداه.
يروي حمادة تفاصيل الحادثة قائلًا: "ما إن وصلت مع أدهم إلى منطقة زكيم حتى افترقنا بسبب اكتظاظ الناس، وبدأ كل واحد منا يبحث عن أي شيء يعود به إلى البيت، كان هدفي توفير لقمة العيش لوالدي، بينما كان هدف أخي توفير لقمة العيش لأبنائه الصغار".
وبصعوبة بالغة، وسط إطلاق النار وصوت القذائف، تمكن حمادة من الحصول على كيس طحين وغادر منطقة الخطر، وفي طريق عودته، صرخ أحدهم في وجهه: "أخوك أدهم استشهد... موجود جوّا!"، فألقى حمادة كيس الطحين على الأرض، وركض باحثًا عن أخيه.
بين الجثث والغيبوبة
قفز فوق جثث الشهداء والمصابين، يتنقل بينهم كالمجنون، ويصرخ بأعلى صوته: "أدهم... وينك يا أدهم؟"، وفي تلك اللحظة، أطلقت دبابة إسرائيلية كانت متمركزة قبالة طالبي المساعدات قذيفة قاتلة صوبهم، ويقول حمادة: "طرت في الجو يمكن 10 أمتار، وسقطت على الأرض، حينها فقدت الوعي، ولم أستفق إلا في مستشفى سوروكا داخل إسرائيل".
لم يسمع حمادة سوى دقات قلبه، وكان جسده موصولًا بالأنابيب والمحاليل الطبية، وما إن فتح عينيه حتى أخذ يتحسس جسده، وقال: "إيش صار معي؟ أنا وين؟ وين أهلي؟".
فأجابته ممرضة تتقن اللغة العربية: "أنت أُصبت بشظايا في جميع أنحاء جسدك، ودخلت في غيبوبة استمرت شهرين، اصبر حتى تتماثل للشفاء، فأنت موجود في إسرائيل".
رحلة الأسر!
يقول حمادة إنه تلقى العلاج لمدة ستة أشهر كاملة بعد استفاقته من الغيبوبة، مضيفًا: "بعدما تماثلت للشفاء، نقلني الجيش إلى سجن سيدي تيمان، حيث قضيت أربعة أشهر في العزل الانفراديـ كانت أسوأ فترة في حياتي، وتعرضت خلالها لتعذيب نفسي وجسدي لا يمكن تحمله".
ويضيف بحزن وألم: "بعد أربعة أشهر في العزل، نقلني الجيش إلى غرفة تجمع الأسرى، حيث بقيت شهرين قبل أن يتم الإفراج عني، أنا مش مصدق حالي إني رجعت، هاي مفاجأة ولا في الخيال".
ويعاني حمادة حتى اليوم من آثار إصاباته، ويقول: "رغم إصابتي بشظايا في جميع أنحاء جسدي، تعرضت أيضًا للضرب المبرح من قبل الجيش على الظهر والبطن وأماكن حساسة، وما زالت الشظايا في جسدي، وهو ما يسبب لي أعراضًا خطيرة وآلامًا شديدة".
باعت كل الذهب
عندما وصل خبر استشهاد أدهم إلى العائلة، توجّه والده إلى مستشفى الأهلي العربي المعمداني، حيث تسلّم جثمان أدهم، لكنه لم يتسلّم جثمان حمادة، لتبقى الشكوك تحيط بمصيره، ومنذ ذلك الحين، طرقت العائلة أبواب المؤسسات كافة، وتوجهت إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكنها لم تحصل على أي معلومات.
أما خطيبة حمادة، فلم تفقد الأمل، وقالت: "بعتُ كل ذهبي وما أملك من أجل توكيل محامٍ يبحث عنه في السجون، وبعد فترة ليست قصيرة أخبرنا المحامي أن حمادة استشهد، رغم أنه كان يعلم جيدًا أن حمادة معتقل وعلى قيد الحياة، لماذا فعل ذلك بنا؟ لا أعرف".
وطالبت خطيبة حمادة الجهات المختصة بمساعدتها على استعادة أموالها وذهبها من المحامي الذي خدعها، بعدما تسبب لها بصدمة كادت تودي بحياتها.
أريد الزواج
وعن أمنيته الوحيدة، قال حمادة: "أنا إنسان فقير، فقدت كل شيء في هذه الحرب، ولا أستطيع العمل بسبب الألم والأوجاع التي تملأ جسدي، حلمي الوحيد أن يتبنانِي أي إنسان، ويوفر لي بعض المال حتى أحقق حلمي وأتزوج".
رسالة لأهالي الأسرى
وفي ختام حديثها، أوصت والدة حمادة، أم حسام، جميع أمهات الأسرى في سجون الاحتلال بالمواظبة على قيام الليل وصلاة الفجر، والإكثار من الدعاء إلى الله تعالى بالفرج القريب، وقالت: "استشهد لي أمجد وأدهم، وها هو حمادة عاد إلينا بعد عام من اعتقادنا أنه استشهد، وإن شاء الله يعود جميع الأسرى إلى أحضان أمهاتهم وعائلاتهم بالصبر والدعاء ومخافة الله تعالى".
