لم يكن ميلاد الطفل عصام النبيه بداية حياة جديدة كما تحلم كل أم، بل كان بداية رحلة طويلة من الألم داخل قطاع غزة، حيث الحرب والحصار ونقص الدواء والغذاء.
فمنذ أيامه الأولى وجد نفسه يتنقل بين غرف المستشفيات، يخضع للعمليات الجراحية، ويصارع مرضًا خطيرًا يهدد حياته في كل لحظة.
وبينما تكافح والدته ميساء راضي لإنقاذه، تقف قلة الإمكانيات الطبية عائقًا أمام علاجه، في وقت يتفاقم فيه سوء تغذيته ويزداد رأسه حجمًا بسبب تعطل التحويلة الدماغية التي يحتاج إلى استبدالها بشكل عاجل.
طفل وُلد وسط الحرب
لم يتجاوز عصام عامه الأول، لكنه عاش من الألم ما قد لا يعيشه إنسان طوال عمره، تقول والدته ميساء راضي: "إن طفلها وُلد طبيعيًا في مستشفى أصدقاء المريض، ولم تظهر عليه أي علامات مرض عند الولادة، إلا أن حالته الصحية بدأت تتدهور بعد أسابيع قليلة".
وتوضح أن عصام أصيب بالتهابات حادة في الصدر والدم، قبل أن يكتشف الأطباء، وهو في عمر خمسة وعشرين يومًا، إصابته باستسقاء الدماغ، الأمر الذي استدعى إجراء عملية عاجلة لتركيب تحويلة دماغية (أنبوب تصريف) تمتد من الرأس إلى البطن لتخفيف الضغط داخل الجمجمة.
رحلة لا تنتهي داخل المستشفيات
منذ ذلك اليوم، لم تغادر الأسرة أبواب المستشفيات، خضع عصام لعدة عمليات جراحية، شملت تنظيف التحويلة واستبدالها أكثر من مرة، لكن حالته لا تزال تتراجع.
وتقول والدته إن التحويلة الموجودة حاليًا لم تعد تعمل، ما تسبب في زيادة حجم رأسه بشكل ملحوظ، بينما يؤكد الأطباء أن إجراء عملية جديدة أصبح بالغ الصعوبة في ظل نقص الإمكانيات الطبية وأدوية التخدير داخل غزة.
وتضيف أن الأطباء أبلغوها بأن علاج ابنها غير متوفر داخل القطاع، وأنه بحاجة ماسة إلى تحويلة طبية للعلاج خارج غزة، إلا أن طلب التحويل ما يزال معلقًا منذ أشهر.
المجاعة سرقت طفولته
لا يقف المرض وحده في وجه عصام، بل يلاحقه سوء التغذية أيضًا، فبينما يبلغ عمره عامًا وثلاثة أشهر، لا يتجاوز وزنه خمسة كيلوغرامات، بعدما فقد نحو ثلاثة كيلوغرامات من وزنه الطبيعي، وفق ما تؤكد والدته.
ويشخّص الأطباء حالته بأنها سوء تغذية مزمن وشديد، يحتاج إلى متابعة طبية دقيقة، وغذاء علاجي خاص، ورعاية صحية مستمرة.
وتقول والدته إنها تراجع باستمرار مراكز التغذية التي توفر له بعض الفيتامينات والمكملات الغذائية وزبدة الفول السوداني العلاجية، إلا أن جسده الضعيف لا يستجيب بالشكل المطلوب.
أم تقاتل وحدها
تستعيد ميساء الأيام الأولى بعد الولادة، حين كانت المجاعة تضرب قطاع غزة بقسوة، فتشير إنها لم تتمكن حتى من شراء علبة حليب لطفلها، بعدما وصل سعرها إلى نحو مئة دولار، وهو مبلغ كان يستحيل توفيره آنذاك.
وكما تشير أنها لم تستطع إرضاعه طبيعيًا، بسبب سوء التغذية الذي أصابها هي الأخرى، إضافة إلى بقاء طفلها لفترات طويلة داخل المستشفى بعيدًا عنها.
وتفيد أن عصام أمضى معظم أشهره الأولى بين الأجهزة الطبية وغرف العلاج، ولم يحظِ بالحضن الذي يحتاجه أي طفل في مثل عمره.
نوبات اختناق تهدد حياته
لا يقتصر الخطر على المرض وسوء التغذية، فتؤكد والدته إن عصام يتعرض بشكل متكرر لنوبات اختناق مفاجئة، يتحول خلالها لون وجهه إلى الأزرق، وسط عجزها عن إنقاذه.
وكما تروي بحزن أن الأطباء أخبروها بأنه لا يوجد ما يمكن فعله خلال تلك النوبات سوى الانتظار حتى يستعيد تنفسه بنفسه وكما تؤكد أن كل لحظة يعيشها معها قد تكون فاصلة بين الحياة والموت.
أم مريضة لكنها لا تتوقف عن المحاولة
لم تترك رحلة العلاج أثرها على الطفل فقط، بل امتدت إلى والدته، فهي اليوم حامل، وتعاني من مرض السكري الذي تقول إنه أصابها نتيجة الضغوط النفسية والخوف المستمر على طفلها.
ورغم حالتها الصحية، لا تزال تواصل التنقل بين المستشفيات ومراكز التغذية بحثًا عن أي فرصة قد تنقذ حياة عصام، وأفادت "حتى لو قالوا لي إن ابني ميؤوس منه، سأظل أجري به حتى آخر نفس".
فرصة أخيرة
بحسب والدته، يحتاج عصام اليوم إلى استبدال التحويلة الدماغية بشكل عاجل، إضافة إلى علاج متخصص غير متوفر داخل قطاع غزة.
كما يحتاج إلى حليب علاجي خاص للأطفال المصابين بسوء التغذية، ورعاية طبية متواصلة، وتحويلة عاجلة للعلاج خارج القطاع، قبل أن تتدهور حالته أكثر.
وتختتم مناشدتها بالقول: "عصام مثل أي طفل في العالم... من حقه أن يعيش، وأن يتلقى العلاج، وأن يحصل على فرصة للحياة، لا أطلب المستحيل، فقط أريد أن أراه يكبر مثل إخوته".







