غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

شبح الفقر والجوع يسيطر على أسواق غزة.. الجيوب خاوية والبضائع متكدسة

أسواق غزة
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في غزة، لم تعد أزمة الغذاء تقاس فقط بعدد شاحنات المساعدات التي تدخل القطاع، أو بما تعرضه الأسواق من مواد غذائية، بل بقدرة الأسرة على شراء ما يكفيها، وعدد الوجبات التي تستطيع تقديمها لأطفالها، وما إذا كان رب الأسرة يملك دخلا يمكنه من الوصول إلى الطعام.

خلف أبواب الخيام ومراكز الإيواء، تتشكل أزمة أقل ظهورا أمام الكاميرات؛ أسر تقلص وجباتها، وآباء يستغنون عن اللحوم والخضروات، وأمهات يبحثن عن أرخص ما يسد جوع أطفالهن، في وقت فقدت فيه عشرات الآلاف من الأسر مصادر دخلها وارتفعت كلفة المعيشة.

وبحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يواجه نحو 1.4 مليون شخص في غزة، أي 67% من السكان، مستويات من انعدام الأمن الغذائي تصنف عند "الأزمة" أو أسوأ، مع تحذيرات من أن أي تراجع في المساعدات أو اضطراب في الإمدادات قد يعيد دفع الأوضاع نحو مستويات أشد خطورة.

وجبة واحدة بدل ثلاث

داخل أحد مراكز الإيواء، تقول أم مريم، وهي نازحة من حي الشجاعية: "لم نعد نسأل ماذا سنطبخ اليوم، بل هل سنجد ما نطبخه أصلا، أحيانا نحصل على وجبة، وأحيانا ننتظر حتى تصل المساعدة".

وتضيف أن أطفالها باتوا يطلبون أطعمة بسيطة مثل البيض والدجاج والفواكه، لكنها أصبحت خارج قدرة الأسرة، فتشتري ما يسد الجوع حتى لو افتقد القيمة الغذائية الكاملة.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أفادت 77% من الأسر التي شملها رصد برنامج الأغذية العالمي في يوليو 2026 بصعوبة الوصول إلى الأسواق، وكان نقص السيولة وارتفاع أسعار المواد الأساسية من أبرز العوائق.

كيس الدقيق يحدد شكل اليوم

في حين تقول النازحة أم نضال موسى: "إذا توفر الدقيق نعرف أننا نستطيع صنع الخبز وإطعام الأطفال؛ لكن عندما يقل أو يرتفع سعره نشعر أن كل شيء توقف".

وتضيف: "لا يوجد عمل ولا دخل ثابت، والأسعار ليست كما كانت، حتى عندما تجد الطعام في السوق، لا تستطيع شراءه".

وفي يوليو، ساهم الشركاء الإنسانيون في إنتاج نحو 300 طن متري من الخبز يوميا، وهو ما يغطي قرابة 36% من الاحتياجات المقدرة للقطاع، فيما واصلت المساعدات الغذائية الوصول إلى مئات آلاف الأسر.

لكن الاعتماد المتزايد على المساعدات يكشف هشاشة الوضع، خصوصا مع انهيار فرص العمل وتراجع مصادر الدخل.

البطالة وجه آخر للجوع

وفي سياق الأزمات التي تواجه أبناء قطاع غزة يقول نافذ سليمان، وهو أب لأسرة كبيرة فقد عمله: "قبل الحرب كنت أعمل وأعود إلى البيت ومعي المال، حتى لو كان قليلا، اليوم لا يوجد عمل، وحتى لو وجدت الطعام في السوق لا أملك ثمنه".

ويضيف: "المشكلة ليست فقط في دخول الطعام، بل في قدرة الناس على شرائه، كيف يشتري من لا يعمل الدقيق والخضار والحليب لأطفاله؟".

وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 80% من سكان غزة ما زالوا خارج سوق العمل، ما يحد من قدرة ملايين الأشخاص على تحمل كلفة الغذاء المتنوع، خاصة الخضروات والفواكه ومصادر البروتين ووقود الطهي.

الأسواق ممتلئة.. والجيوب فارغة

وفي الوقت ذاته قالت أم فضل: "أذهب إلى السوق وأرى الخضار والفواكه، لكنني لا أستطيع شراءها، معي مبلغ بسيط، وأمامي الدقيق والماء والخبز والدواء والمواصلات، في النهاية أشتري الأرخص".

وأضافت: "نحن نأكل حتى نشبع، وليس حتى نحصل على غذاء صحي".

ووفقا لمسح غذائي نشرته اليونيسف في 24 أغسطس 2026 للمناطق التي أمكن الوصول إليها، حصل 22.4% فقط من الأطفال بين 6 و23 شهرا على الحد الأدنى المقبول من التنوع الغذائي، فيما عانى 12.2% من الأطفال دون الخامسة من التقزم.

الأطفال يدفعون الثمن

وفي السياق تقول أم جميل: "طفلي أصبح يطلب الطعام كثيرا، وأحيانا لا أستطيع أن أوفر له ما يريد. أحاول أن أخفي خوفي أمامه، لكنني لا أعرف إلى متى نستطيع الاستمرار".

وتضيف: "أنا يمكن أن أتحمل الجوع، لكن عندما أرى ابني جائعا لا أعرف ماذا أفعل".

ولا تتوقف تداعيات نقص الغذاء عند الجوع المباشر، فضعف التنوع الغذائي يهدد نمو الأطفال وصحتهم، خصوصا مع تدهور ظروف المياه والصرف الصحي والاكتظاظ وانتشار الأمراض في أماكن النزوح.

وفي يوليو 2026، أظهر تحليل التصنيف تحسنا مقارنة بالمراحل الأسوأ السابقة، إذ لم يكن هناك سكان مصنفون في المرحلة الخامسة "الكارثة" خلال الفترة التي شملها التحليل. لكنه حذر في الوقت نفسه من احتمال تدهور الأوضاع بين يوليو وديسمبر، مع ارتفاع عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات «الأزمة» أو أسوأ إلى نحو 1.4 مليون شخص.

لذلك، فإن وصف الوضع بأنه «مجاعة معلنة» يحتاج إلى استناد واضح إلى أحدث تصنيف رسمي، بينما تعكس المعطيات الحالية أزمة غذائية شديدة وانعداما واسعا للأمن الغذائي، مع خطر حقيقي من التدهور مجددا.

وبينما تشير البيانات الأممية إلى تحسن نسبي مقارنة بمراحل سابقة، يبقى هذا التحسن هشا أمام أي انخفاض في المساعدات أو استمرار انهيار مصادر الدخل وتراجع القدرة الشرائية وتعطل الإمدادات.