غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

انقلاب صادم في غزة.. الكاش يتحول من وسيلة للنجاة إلى عبء ثقيل

أزمة الكاش
شمس نيوز - مطر الزق

بعد نحو نصف ساعة من التجول بين المحال لشراء مستلزمات البيت من الطعام، كالخضروات واللحوم، وصل أبو جاسم إلى أحد المحال التجارية في مدينة غزة، حاملا على وجهه ابتسامة رقيقة، قبل أن يتوجه إلى المحاسب، الذي أبلغه بأن قيمة مشترياته بلغت 160 شيكلا.

أخرج أبو جاسم ورقة نقدية من فئة 200 شيكل، وقدمها للمحاسب، لكن ملامح الأخير تغيرت، وقال له بنبرة مستنكرة: «كاش؟!"، ابتسم الرجل ورد بهدوء: "مال الكاش؟ جديدة، مش ممزوعة ولا مهترئة".

أشاح المحاسب بوجهه عن أبو جاسم، وأبلغه برفض المحل استلام الأموال النقدية، بحجة أن المحل لا يتعامل بالكاش، ودار حديث حاد بين المشتري والبائع، الذي أصر على رفض التعامل بالنقد، قائلا: "لا يوجد أحد من التجار يتعامل بهذه العملة حاليا، وبعضهم يطلبون عمولة".

عقد أبو جاسم حاجبيه وقال مستنكرا: "عمولة؟ كيف يعني؟"، فأجابه البائع: "الـ200 شيكل تصبح 180 شيكلا"، بحيث يحصلون على عمولة تصل إلى 10%.

أطلق المشتري تنهيدة، وقال بصوت مرتفع: "حسبنا الله ونعم الوكيل في كل واحد يشجع على هيك أزمة".

غادر أبو جاسم المحل غاضبا من دون أن يشتري شيئا، وقال لمراسلنا: "إلى متى سيدفع المواطن ثمن جشع التجار والفاسدين والظالمين واللصوص؟ والله أتعبنا".

وأوضح أبو جاسم، الذي يعيل خمسة أطفال، أنه يتلقى راتبه، كغيره من الموظفين، نقدا مع نهاية كل شهر، ما يضعه أمام أزمة جديدة عند محاولته شراء احتياجات أسرته.

ويتقاضى أبو جاسم راتبا شهريا يبلغ 1000 شيكل، بوصفه موظفا في وزارة التربية والتعليم كل 90 يوما، ويقول إنه في حال اضطر إلى شراء مستلزمات البيت من طعام وشراب، فإنه يخسر جزءا من راتبه بسبب العمولات التي يفرضها بعض التجار، إذ يفقد 20 شيكلا من كل 200 شيكل نقدا.

وأضاف أبو جاسم: "هذه أزمة جديدة يفتعلها التجار وأصحاب البطون الممتلئة بالجشع والفساد وأكل الربا لقهر وإذلال الناس"، مناشدا الجهات المختصة التدخل العاجل لإنهاء هذه الأزمة ووقف التجار عند حدودهم، "حتى لو استخدمت القوة في هذا الموقف".

أزمة جديدة تقلب المعادلة

من جانبه، أشار بلال أحمد إلى أن رفض التعامل بالنقد بات أزمة جديدة تلوح في الأفق في قطاع غزة، بعد شهور من أزمة الحصول على السيولة النقدية.

وقال: "بعد أن كان المواطن يبحث عن الشيكل النقدي، أصبح اليوم يبحث عمن يقبله أو يحوله إلى رصيد إلكتروني".

ولفت أحمد، في حديثه لمراسلنا، إلى أن الأزمة بدأت تشتد مع بداية كل شهر، مع تسلم العديد من الموظفين المحليين وبعض الفئات المجتمعية، مثل أهالي الشهداء وذوي الجرحى والأرامل، رواتبهم نقدا، ما يجعلهم عرضة لمشكلة رفض التجار التعامل بالسيولة النقدية.

وبين أن العديد من التجار لا يقبلون التعامل بالعملة النقدية، بينما يتعاملون بالعملة الإلكترونية، قائلا: "الأزمة انعكست، في السابق كانوا يرفضون الحصول على العملة الإلكترونية، أما اليوم فهم يرفضون الحصول على الكاش".

تكدس النقد يفاقم الأزمة

وفي السياق ذاته، توقع الخبير الاقتصادي لؤي رجب أن تكون أزمة تكدس السيولة النقدية قد بدأت تطفو على السطح، نتيجة عزوف بعض المحال التجارية وأصحاب المولات والبسطات والجامعات عن التعامل بالكاش، وتفضيلهم الأموال الإلكترونية.

واتهم رجب، في تصريح لـ"شمس نيوز"، أصحاب التنسيقات مع الاحتلال الإسرائيلي بالتسبب في الأزمة، قائلا: "هناك ما بين 10 و13 تاجرا يرفضون التعامل بالكاش، وهذا أدى إلى تكدس الأموال النقدية في أيدي أصحاب المحال والمولات التجارية".

وأشار إلى أن تكدس الأموال النقدية داخل قطاع غزة دفع بعض التجار وأصحاب المولات إلى رفض التعامل بالكاش، الأمر الذي أدى بدوره إلى لجوء المواطنين إلى محال الصرافة، التي بدأ بعضها، بحسب قوله، في استغلال الأزمة وفرض عمولات على تحويل الأموال من الكاش إلى المحافظ الإلكترونية.

وحذر الخبير الاقتصادي الجهات الحكومية والمسؤولة في قطاع غزة من ترك الأزمة من دون تدخل، داعيا إلى إيجاد حلول عاجلة وسريعة لاحتوائها.

وقال: "هناك عمولة تفرضها بعض محال الصرافة وصلت إلى 10% لتحويل الأموال من الكاش إلى الإلكتروني".

ورجح رجب ارتفاع العمولة إلى 50%، كما حدث العام الماضي خلال عمليات تحويل الأموال من الكاش إلى الإلكتروني، مؤكدا أن عدم تحرك الجهات الحكومية على وجه السرعة قد يؤدي إلى اتساع نطاق الأزمة وانتشارها بصورة أكبر.

ولفت إلى أن من أبرز الفئات المتأثرة بأزمة تحويل الأموال النقدية إلى الإلكترونية زوجات الشهداء والأرامل والموظفين المحليين والطلبة الجامعيين، باعتبار أن شريحة واسعة منهم تتلقى مستحقاتها نقدا، في وقت تتزايد فيه صعوبة استخدام السيولة النقدية في شراء السلع والخدمات.

.الكاش بلزمنا

ودعا رجب إلى ضرورة إعادة تفعيل تداول النقد الورقي (الكاش) داخل قطاع غزة، مؤكداً أن هذه الخطوة باتت مطلباً معيشياً ملحاً من شأنه تنشيط الأسواق وتحسين القدرة الشرائية لدى المواطنين.

وقال رجب: "إن الحل لا يكمن في استبدال وسيلة دفع بأخرى، بل في تحقيق توازن بين النقد الورقي والمعاملات الإلكترونية، بما يضمن سهولة الوصول إلى الأموال ويعزز مرونة الاقتصاد في مواجهة الأزمات المتفاقمة.

وأكد أن تيسير المعاملات الشرائية يُعد ضرورة أساسية، في ظل ما وصفه بتزايد معاناة المواطنين في عمليات الدفع والتحويلات المالية.

ودعا رجب إلى إطلاق حملة وطنية تحت شعار “الكاش بلزمنا”، بهدف إعادة تنشيط الحركة الاقتصادية والأسواق المحلية، مشدداً على أن هناك أسباباً متعددة تدفع نحو إعادة الاعتبار للتعامل النقدي بكافة فئاته.