ترك برس
انتقدت أنقرة موقف الحكومة العراقية “المخيب للآمال ” بسبب ردود فعلها حيال الغارات على مواقع حزب العمال الكردستاني في الشريط الحدودي بين البلدين.
وقالت الخارجية التركية في بيان لها، إن موقف بغداد يصعب قبوله لأن الكثير من أعضاء حزب العمال الكردستاني المسلحين يتحصنون داخل الأراضي العراقية منذ سنوات؛ ولأن أنقرة لا تفهم موقف الحكومة العراقية التي “لا يمكنها السيطرة على حدودها” وهي تتحدث عن انتهاك السيادة.
موقف بغداد ليس جديدًا وهي التي تعرف أن 88 اتفاقية حول حسن الجوار والتعاون الحدودي وقعت بين عامي 1983 و2010 وأن بعض هذه الاتفاقيات منح تركيا حق تجاوز الحدود باتجاه الداخل العراقي لمحاربة عناصر العمال الكردستاني .
كان من الأفضل التنسيق التركي العراقي قبل انطلاق العمليات العسكرية التركية، لكن المتوقع كان أن تتجنب بغداد الدخول في نقاش حول السيادة التي يخترقها منذ عقود عناصر تنظيم العمال دون أن تقدم بغداد على تنفيذ أية خطوة ميدانية عسكرية لإزالة المخيمات ومراكز التدريب والتطاول على السيادة العراقية بشكل فاضح ومكشوف.
إما أن بغداد لا تعرف ما الذي يدور في قنديل وإما إنها تتحرك لإصدار مثل هذا البيان بناء على توصية إيرانية أزعجها إفشال تركيا لمشروعها الاقليمي الجديد لعب أوراق داعش والعمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي والنظام السوري كلها في وقت واحد ضد تركيا .
مواقف رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني بعد اجتماعه مع فريدون سينيرلي مستشار وزير الخارجية التركي حول الوضع السياسي والأمني في المنطقة والحرب ضد تنظيم داعش والتصعيد الأخير بين القوات التركية وحزب العمال الكردستاني ودعوته حزب العمال لمغادرة قنديل ترجمة أخرى لقراءة كردية مختلفة حول السياسات الإيرانية المبنية على تحريك بغداد باسم السيادة العراقية، وهي خطوة باتجاه استعداد إربيل للتوسط مرة أخرى بين تركيا وأكرادها لقطع الطريق على المشروع الإيراني . خصوصًا عندما يشير البرزاني إلى أن حكومة إقليم كردستان لا ترى في العنف طريقًا إلى حل المشكلات. ودعا البرزاني الطرفين إلى العودة إلى عملية السلام والنقاش والاستفادة من العودة إلى العملية السياسية.
بين المواقف الملفتة في الآونة الاخيرة :
– انتقاد فيروز أبادي رئيس هيئة الأركان الإيرانية ما أسماه “استهداف تركيا للأكراد”، مضيفًا أنّ “الأكراد يقاتلون أخطر منظمة على وجه الأرض وهي داعش، وإضعاف الأكراد يعني تقوية لتنظيم الدولة، والعمليات التي تقودها تركيا ضد الأكراد على الحدود ستزيد من حجم النطاق الذي تسيطر عليه داعش، وستزداد قوتهم على الحدود التركية، وهذا سيشكل خطرًا إضافيًا على تركيا”.
– كشف موقع ويكيليكس عن وثائق سرية تفيد بأنّ إيران تقوم بتشجيع رأس النظام السوري “بشار الأسد” للتعاون مع تنظيم حزب العمال الكردستاني وعقد اتفاقيات استراتيجية ضدّ الدّولة التركية. وجاءت في الوثائق المسربة أنّ عددًا من الدّول التي تدعم النظام السوري، تؤيّد هذه الخطوة وأنّ هذا التعاون من شأنه أن يأخذ أبعادًا أعمق في حال دخول النظام السوري مرحلة الخطر. كما أرفقت الوكالة هذه الوثائق بأدلة تثبت عقد عدّة لقاءات سرية بين قيادات حزب العمال الكردستاني وعدد من المسؤولين السوريّين من أجل منح الأكراد منطقة حكم ذاتي في الشمال السوري.
– علی أکبر ولایتی المستشار للزعيم الروحي الإيراني يقول أن “أمن سوریا ووحدة أراضیها وسیادتها هو جزء لا یتجزأ من أمن الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة ، سواء فی مواجهة التدخل السعودي الخلیجي.. أو العثماني”.
ووصف ولایتی الرئیس الأسد بأنه “مناضل میداني في منصب رئیس” وإعلانه أن إيران لدیها قرار استراتیجي لا یتزعزع فی دعم الدولة السوریة تأكيد آخر لقبول العديد من العواصم الغربية، وقبول التضحية بالتنسيق مع تركيا لصالح الانفتاح على إيران سوريا. وكذلك العراق ولبنان بعدما راهنا لفترة على احتمال تغيير في الموقف الإيراني الإقليمي على ضوء الاتفاق النووي لصالح التخلي عن الأسد والدعم الحوثي في اليمن وسحب مقاتلي حزب الله من المدن السورية وتسهيل عملية الحل السياسي في العراق.
– كشف وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أنه يعتزم بحث سبل مواجهة تنظيم “داعش” في سوريا والدور الذي يمكن أن تلعبه إيران عندما يلتقي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في قطر في الأسابيع القادمة. وقال كيري “يجب أن نغير آليات الوضع في سوريا” للقضاء على تنظيم “داعش” المتشدد.
وأضاف كيري “هذا الأمر من بين أسباب تفاوضنا مع تركيا في الأسابيع القليلة الماضية، وهناك الآن قدر من التغير فيما يتعلق بالأمور التي أصبح الأتراك مستعدين للقيام بها، وهناك تغير أيضًا في بعض الأمور التي نشارك فيها“. لكن أخطر ما قاله كيري هو أن الاتفاق النووي سيدفع إيران للمشاركة في ملفات إقليمية أخرى أشار غليها ولم يحددها، لكنه أكد الرغبة الأمريكية في مقايضة الملف النووي بتفاهم أمريكي مع إيران على ملفات أخرى أشار إلى أحدها وزير الخارجية الفرنسي وهي الانتخابات الرئاسية بلبنان وهي ليست زلة لسان طبعًا.
واشنطن ما زالت تعتقد أنها قادرة على الجمع بين طهران وأنقرة لحماية مصالحها الإقليمية لكن التباعد التركي الإيراني الإقليمي الذي بدأ يتكرس أكثر فأكثر يتجاوز رهانه على هذا الأمر، “في نهاية المطاف ربما سنرى ما يمكن أن يقوم به الإيرانيون“. وأن “الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف أوضحا أنهما مستعدان لمناقشة القضايا الإقليمية” ليس إلا على الطريقة الإيرانية وهذا ما تعرفه الإدارة الأميركية جيدًا لكنها تريد تجاهله ربما بسبب عدم تحقيق شركائها ما تريده في المنطقة.
– تكرار مواقف إيرانية رسمية عبر وصف العمليات التي تقودها تركيا على أنها “ضد الأكراد”، وتجاهلهم لحقيقة أن الهجمات تنفذ ضد “حزب العمال الكردستاني” في محاولة إيرانية لكسب الأكراد إلى جانبها. إيران تريد أن تقول أنها دولة منفتحة على أكراد المنطقة بينما تركيا “التي تدعم داعش” تريد التنسيق مع التنظيم ضد الشعب الكردي في الإقليم!
– إيران بدأت في الآونة الاخيرة توجه أكثر من رسالة تحية إلى بعض الدول الأوروبية التي سارعت بدورها بعد الإعلان عن التفاهم النووي إلى توجيه رسائل الغزل والإعجاب بإيران وعلى رأسها فرنسا وألمانيا وربما تسعى الآن إلى أن تقول لهذه العواصم أنها على استعداد للاتصال المباشر بعيدًا عن الخدمات التركية. لا بل للقول إنها على استعداد لتفتح أبوابها إقليميًا لتكون بديلًا عن تركيا في المنطقة.
– إيران بدأت في الأسابيع الأخيرة أيضًا وبعد المصالحة مع المجموعة الغربية الفاعلة دوليًا تسعى ليس فقط للجلوس على مقعد تركيا في علاقاتها الغربية والعربية بل لتعميق حدة التباعد بين هذه الدول وبين تركيا في المنطقة، وعمليات تحريك داعش وحزب العمال الكردستاني، وفي الآونة الأخيرة حلقة أساسية من المشروع الإيراني الجديد.
تنبه أنقرة في اللحظة المناسبة للمخطط الإيراني وتحركها للرد العسكري عبر إشعال الحرب على جبهتي داعش والعمال الكردستاني والجلوس استراتيجيًا مع واشنطن للمساومة على ورقة “إنجرليك” والمنطقة الآمنة في شمال سوريا لمنع مشروع التمدد الأخير لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي هو محاولة لرد التحية الإيرانية بأحسن منها وربما لهذا السبب نرى إيران مترددة حتى الآن في إعلان أي موقف مؤيد وداعم لتركيا في حربها على التنظيمين.
طالبت إيران تركيا بعدم التدخل في شؤون دول الجوار، وبالبحث عن حلٍّ سياسي للأزمة السورية التي استمرت أكثر من ثلاث سنوات ونصف سنة وها هي تعلن على لسان قياداتها مواقفها الحقيقية حيال تركيا ومسار الثورة السورية وتحركات حزب العمال الكردستاني الذي بدأنا نسمع أنه انقسم إلى 3 أجنحة، واحد تحرك باتجاه سوريا وآخر باتجاه ايران وثالث قرر البقاء في قنديل.
القرار التركي الأخير باستهداف الطائرات الحربية التركية لمواقع تنظيم داعش وتنظيم العمال وموافقة حكومة أنقرة أخيرًا على استخدام الولايات المتحدة لقواعدها الجوية ضد التنظيم الإرهابي، ربما يؤشر لتحول بالغ الأهمية في سياسة تركيا الإقليمية وأقرب توصيف لفهمه هو القرار العربي والخليجي تحديدًا في التحرك العاجل باتجاه اليمن لقطع الطريق على المشروع الإيراني هناك. هل هناك تنسيق تركي سعودي تحديدًا في هذا التحول أم أنه صدفة استراتيجية أقدمت عليها القيادات السياسية في أنقرة والرياض للرد على “بساط ” الريح الإيراني؟
القيادات في تركيا تعرف أنها مغامرة خطيرة لكن عدم الأقدام عليها سيكون أكثر كلفة لتركيا في الداخل والخارج.
