غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

خبر مناطق إسرائيل العازلة وصفقة القرن

بقلم: عادل سليمان

منذ بداية تدفق موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بإشراف الوكالة اليهودية والتي ازدادت كثافة وتنظيمًا، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، واحتلال بريطانيا كامل فلسطين التاريخية في العام 1917، ثم وضعها تحت الانتداب بموافقة عصبة الأمم في 1922، تلك الموجات التي كان يشرف على استقبالها، وتنظيمها، وتوجيهها إلى إقامة المستوطنات، أو ما يُعرف باسم "الكيبوتز" مسؤول الوكالة اليهودية في الداخل الفلسطيني، الصهيوني العتيد، بن غوريون، والذي أعلن قيام دولة العدو الإسرائيلي في يوم إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في 14 مايو/ أيار 1948 (وقد اتخذ العدو الإسرائيلي ذلك اليوم عيدًا قوميًا بمسمى يوم الاستقلال، وهو اليوم نفسه الذي اختاره ترامب لنقل سفارة أميركا إلى القدس)؟

منذ تدفق تلك الموجات من الهجرة اليهودية المنظمة، وإنشاء ما تعرف بالكيبوتزات، والهاجس الذي كان يحكم الفكر الصهيوني هو هاجس الأمن، فقد كانوا يدركون، منذ البداية، أنهم يستولون على أرض ليست أرضهم، ويطردون أصحابها منها، بالترغيب نادرًا، وبالترويع في أغلب الأحيان، منذ تلك البدايات المبكرة لإنشاء الكيبوتزات الصهيونية، والتي كانت نواة الدولة العبرية على أرض فلسطين، وعقدة المناطق العازلة (Buffer Zone) تمثل أهم ركائز الأمن الإسرائيلي على كل المستويات، سواء الكيبوتزات الصغيرة، أو المستوطنات الكبيرة، أو المدن، أو جبهات القتال، وحتى حدود الكيان الصهيوني، فعلى مستوى الكيبوتزات، في الفترات المبكرة لإقامة الكيان الصهيوني، أنشأت الوكالة اليهودية في الداخل نطاقات أمن حول تلك  الكيبوتزات، تعمل على حراستها جماعات وفرق مسلحة، تطورت إلى عصابات منظمة، أشهرها الهاغاناه وشتيرن وأرغون، وغيرها، تلك العصابات التي مارست أبشع الجرائم الإنسانية ضد الشعب الفلسطينى الأعزل في القرى والبلدات، لترويع أهلها وإجبارهم على تركها، وإيجاد نطاقات أمن متتالية، أو مناطق عازلة حول المستوطنات والمدن العبرية التي تنشأ على أنقاض القرى والبلدات الفلسطينية. وهكذا نشأ الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية في شكل مجتمع يهودي محاط بمناطق عازلة، تحرسها قوات مسلحة، بعد أن تحولت تلك العصابات الصهيونية، وأهمها الهاغاناه، إلى ما سُمي "جيش الدفاع الإسرائيلي"، وهو الذي خاض حرب فلسطين الأولى عام 1948 ضد الدول العربية التي تحركت فور إعلان بن غوريون قيام دولة إسرائيل في 14 مايو/ أيار 1948، تلك الحرب التي انتهت بالهزيمة العربية الأولى (النكبة).

عاد العدو الإسرائيلي من جديد الى تمسّكه بعقدة "المناطق العازلة" عند التوقيع على اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية المحيطة بها (دول الطوق)، وكانت بالترتيب" مصر في 24 فبراير/ شباط 1949، لبنان في 21 مارس/ آذار 1949، والأردن في 3 إبريل/ نيسان 1949، وأخيرا سورية في 20 يوليو/ تموز 1949، وهي الدول التي خرجت من الحرب مهزومة (عدا لبنان الذي لم يشارك في الحرب أساساً)، وأصبحت خطوط الهدنة بمثابة "مناطق عازلة" حول كيان العدو الإسرائيلي الذي أصبح أمراً واقعاً من كل الاتجاهات، تؤمنها قوات تابعة للأمم المتحدة، كانت تُعرف باسم البوليس الدولي، كما تم إنشاء مكاتب اتصال مشتركة، بإشراف ضباط اتصال دوليين، للتنسيق بين مختلف الأطراف.

بقيت الأوضاع على الأرض على ما هي عليه منذ التوقيع على اتفاقيات الهدنة في العام 1949، وحتى العام 1956، عندما شارك العدو الإسرائيلي في العدوان الثلاثي على مصر مع كل من فرنسا وبريطانيا، فيما تعرف بحرب السويس، واحتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية. المهم أن إسرائيل كسرت خطوط الهدنة، ولم تعد هناك مناطق عازلة على الجبهة المصرية، خصوصا بعد فشل العدوان الثلاثي، وانسحاب قوات الغزو الفرنسية والبريطانية من منطقة القناة. لم يستمر ذلك الوضع طويلا، حيث أذعنت إسرائيل إلى قرار الانسحاب من الأراضي المصرية وقطاع غزة. ولكن عادت إلى التمسك بالمناطق العازلة، بعودة قوات الطوارئ الدولية بين الجانبين، المصري والإسرائيلي، مع زيادة مناطق صلاحياتها بوجودها في شرم الشيخ، لضمان حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة ومضيق تيران الذي كان مياهًا إقليمية مصرية خالصة.

على مدى عشر سنوات منذ انسحاب إسرائيل من سيناء في العام 1957، بعد فشل العدوان الثلاثي، واستقرار أوضاع المناطق العازلة وخطوط الهدنة، والعرب مشغولون بمعاركهم العبثية بين النظم التقدمية والنظم الرجعية، والقوميين والقطريين، وهل الحرية والاشتراكية تسبق الوحدة، أم إن الوحدة تسبق الجميع. وتطورت العلاقات العربية - العربية إلى حد الاقتتال بالسلاح، بينما كان العدو الإسرائيلي يعمل بلا كلل، خلف المناطق العازلة وخطوط الهدنة، على تطوير قدراته العسكرية والتقنية الشاملة، حتى جاءت لحظة الحقيقة المرّة في الخامس من يونيو/ حزيران 1967، ووجه العدو ضربته الشاملة، وكسر كل خطوط الهدنة، واحتل كل فلسطين التاريخية وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان ومزارع شبعا، ووقفت قواته على خطوطها الجديدة على كل الجبهات. وهكذا كانت الهزيمة التي أسميناها النكسة.

أصبحت إسرائيل تقف على خطوط تماس مع كل من مصر وسورية والأردن، بينما أبقت على خطوط اتفاقية الهدنة مع لبنان، وهو وضع لم يكن مريحًا بالنسبة لها، لافتقادها المناطق العازلة، وهو ما ترتب عليه اشتعال حرب الاستنزاف، أو حرب الألف يوم على الجبهة المصرية، والتي لم تتوقف إلا بالموافقة على مبادرة روجرز عام 1970، كما انطلقت عمليات المقاومة الفلسطينية على الجبهة الأردنية، والتي توقفت في أعقاب أيلول الأسود 1970 أيضاً.

ولأن الهزيمة العربية في يونيو/ حزيران 1967 كانت هزيمة مروعة، فإنها شكلت في حد ذاتها "منطقة عازلة" نفسية ليس من السهل تجاوزها. ثم جاءت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973على الجبهتين، المصرية والسورية، لتبعث الأمل في الأمة العربية بعد ربع قرن من الهزائم المتتالية (48 و56 و67) والمناطق العازلة. وعلى الرغم من هزيمة الآلة العسكرية الإسرائيلية شرق القناة في سيناء، حيث حقق المقاتل المصري نصرًا حقيقيًا على مسرح العمليات، إلا أن الحرب توقفت، وخطوط التماس بين القوات متداخلة شرق قناة السويس وغربها، فيما عُرف بالثغرة، بينما تجاوزت القوات الإسرائيلية خطوط 1967 على جبهة الجولان السورية.

وانطلقت عملية السلام التي قادها وزير خارجية أميركا الشهير، هنري كيسنجر، والتي سرعان ما توقفت على الجبهة السورية، بعد أن حققت الفصل بين القوات، وبالطبع إحداث منطقة عازلة جديدة تتمركز فيها قوات دولية، وما زالت الأوضاع مستقرة على تلك الجبهة. أما على الجبهة المصرية، فقد جرى ما جرى من استكمال عملية السلام التي انتهت بمعاهدة سلام مصرية إسرائيلية، تضمنت إقامة منطقة عازلة واسعة تحت مسمى المنطقة ج على امتداد الحدود المصرية، مع تقسيم سيناء إلى مناطق محددة القوات (يمكن تجاوز هذا التقسيم في ظروف خاصة مثل الحرب على الإرهاب، وبالتنسيق ما بين الطرفين).

هكذا عادت إسرائيل تقبع خلف المناطق العازلة على الجبهات المختلفة، عدا وضع الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وما جرى من تداخل وتماس، خصوصا بعد إنشاء المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة بعد 5 يونيو/ حزيران 1967. وهنا تفتق الذهن الصهيوني الاستعماري عن فكرة خبيثة، وهي إنشاء "الجدار العازل" ليكون بديلاً عن المناطق العازلة.

على الرغم من كل تلك الجدران العازلة على الأرض، بحثت الصهيونية العالمية عن جدران توفر لها قدرا أكبر من الحماية والأمان، بعد أن داهمتها ثورات الربيع العربي، على الرغم من مرحلة الإحباط التي تمر بها، والتي مثلت لها خطراً محتملا في حال تجدّدها، فكان الحل الذي ترى فيه إسرائيل نطاقاً عازلاً، يوفر لها الأمن والأمان المستدام.. وتوافقت عليه مع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بكل ما يمثله من جموح وطموح.. واختارت له عنوانًا براقًا هو "صفقة القرن، تتم خلالها تسوية/ تصفية شاملة للقضية الفلسطينية وقضية القدس، بموافقة عربية، وتطبيع هادئ عربي إسرائيلي، وإيجاد مصالح مشتركة "مفتعلة" بينهما، تحت عنوان محاربة العدو المشترك الجديد (إيران).. هكذا توجِد إسرائيل "منطقة عازلة" حصينة، تشّيد في ظلها أسس "إسرائيل الكبرى" من النهر إلى النهر.

العربي الجديد

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".