Menu
اعلان اعلى الهيدر

خبر: حول المسألة الدرزية

بقلم: عاطف أبو سيف 

رب ضارة نافعة. هكذا يمكن القول عن وقع قانون القومية العنصري على دروز فلسطين الذين اكتشفوا فجأة أنهم ليسوا في حسبة الدولة التي تحالفوا معها منذ قيامها، ودافعوا عنها وقاتلوا في جيشها وخاضوا حروبها، كل ذلك ضد أبناء جلدتهم. 

ربما لم يصدم قانون القومية أحدًا أكثر من الدروز الذين جاءهم مثل صاعقة. بالطبع هم لم يصبحوا يهودًا ولم يرغبوا في ذلك، لكنهم وطوال كل تلك السنوات اعتقدوا أنهم مواطنون صالحون في دولة لمواطنيها، بل إن بعض سياسييهم وصل به الحد للتطرف ضد أبناء جلدته وشعبه الفلسطيني أكثر من غلاة المتدينين والمستوطنين. 

بل وصل الأمر بأحد طلابي في الجامعة أن سألني ببراءة إن كان الدروز يستوطنون في المستوطنات، ودلالة السؤال أنهم فعلوا كل شيء يمكن أن يفعله اليهودي في إسرائيل. 

أثارني ما كتبته الزميلة الكاتبة نسب أديب حسين على صفحتها قبل يومين عن ندوتين قامت بهما واحدة للطلبة الدروز في الجامعة العبرية وأخرى للطالبات في القدس. في المحاضرة الأولى تحدثت لطلاب الجامعة الدروز عن شغفها بمدينة القدس وتعلقها بها وما تشعره وهي تسير في الشوارع هناك. ارتباط وطني خالص مثلما يمكن لأي وطني فلسطيني أن يصف علاقته بالمدينة المقدسة. 

انفجر البعض ضاحكًا مستهجنًا ذلك، فهم لا يشاطرون ابنة طائفتهم بذلك ولا يرتبطون بشيء مما تقول. في المحاضرة الثانية تحدثت بأريحية عن الدروز وما يعتقدون لولا السؤال الصادم الذي واجهتها به طالبة مقدسية "شو بحسوا الدروز لما بقتلونا؟". السؤال يعكس الأفكار التي تدور في عقل الفلسطيني حين يفكر بالدروز وما يقومون به في الجيش الإسرائيلي للدرجة التي باتت كلمة "درزي" مسبّة في الوعي الشعبي، دون أن يعني أن هذا صحيح بأية حال. 

لكن ما كتبته نسب يشير إلى جانب آخر من مساهمة الدروز ومكانتهم في الوعي الوطني الفلسطيني. فنسب هي قريبة شاعر فلسطين الكبير وأحد رموز هويتها الحديثة الراحل سميح القاسم، وهي كاتبة متميزة معروفة بهواها المقدسي وعشقها لعاصمة أجدادها الكنعانيين، وكانت قد حصلت على جائزة فلسطين التقديرية فئة الكتاب الشباب من الرئيس محمود عباس. مرة أخرى فإن قانون القومية أثار السؤال الكبير وأزال اللثام عن وجه الديمقراطية الإسرائيلية الزائفة، فإسرائيل ليست دولة مواطنيها، ولا هي دولة تحترم أفرادها، وليست أثينا الشرق الأوسط، حتى تقاليد أسبارطة لا يعمل بها في إسرائيل، فجنرالات إسرائيل الدروز مواطنون من الدرجة المائة وليس من الدرجة الثانية، بل إنه لا يوجد في أسبارطة الجيش الإسرائيلي أي درجة أخرى غير درجة الجنرالات اليهود. 

تذكروا أسبارطة كان جنرالاتها سواسية لأنهم يحمون تخومها، أما في إسرائيل فإن الجنرال الدرزي يقتل ويكافح ويظل ليس مواطنًا، أليس هذا ما قاله قانون القومية، أليست هذه هي الصفعة الكبرى لكل الجنود الدروز على الحواجز وهم يعذبون أبناء جلدتهم. وهنا سأرجع لشيء شخصي. 

ارتبط الدروز في وعي أبناء جيلي، وهو الانتفاضة الأولى، إن جاز لي القول، بصور جنود جولاني وجفعاتي وهم يلحقون بنا في شوارع وأزقة المخيم. كانت وحدة جولاني وجفعاتي وما قامتا به من حملة تكسير الأطراف وإطلاق النار بلا أدنى اعتبار لطفل أو حامل أو مسن، والبشاعة التي كانتا تقومان بها مع بقية وحدات جيش الاحتلال هي ما رسخ في أذهاننا. كان فتح النافذة خلال منع التجول كفيل بأن يدخل الجنود وكثير منهم من الدروز إلى المنزل لتحطيمه، وكان السباب والشتم الذي يواجهوننا به وفي مرات بالعربية يصيبك في مقتل وخيبة، كيف يمكن لعربي أن يفعل هذا.

أذكر سؤال جارتنا لضابط درزي "أنت عربي؟" ما بتخجل تعمل هيك؟ بالطبع لم يكن يخجل، ولم يكن يشعر ربما بأي تأنيب للضمير، إذ كيف له أن يعتدي بالضرب على سيدة عجوز ناهزت السبعين من عمرها؟ وكنت أسأل نفسي ألا يتذكر جدته! ألا يخطر بباله أن هذه قد تكون قريبته بطريقة أو بأخرى! كيف يمكن له أن يفعل ذلك! أسئلة كثيرة كانت تمّحي بمجرد أن أجيب نفسي بغوغائية عابرة: إنه درزي. 

لاحقًا عرفت أن سميح القاسم الذي أنشدنا بكبرياء الثائر" تقدموا تقدموا" درزي أيضًا. كانت قصيدة سميح قادرة على حمل روحنا المعنوية إلى سماوات بعيدة، كنا نرددها بكل ما أوتينا من كبرياء. لكن رغم ذلك هذا لم يجل الحقائق المرة عن الجنود القتلة، الذين يكرهون الأطفال ويضربون النسوة والشيوخ.

أظن وهذا موضوع آخر ثمة خطأ مزدوج. من جهة فإن الدروز سلموا باتفاق الدم الذي أبرمته قيادة الطائفة مع العصابات الصهيونية ودولة الاحتلال بعد النكبة، ولم نسمع عن معارضة قوية ومراجعة لذلك، بل بات مسلمًا به أن يكون الدرزي ضابطاً في الجيش قاتلاً شرساً للأطفال.

تذكروا الجنرال الدرزي الذي خاض الاعتداء التدميري ضد حي الشجاعية. بصراحة في مرات كثيرة يصعب التفكير بأن الطائفة الدرزية متصالحة مع كل هذا. في المقابل أيضًا فإن الوطنية الفلسطينية كأنها أزاحت الدروز من حساباتها. لم يتم العمل على تغير تبعات اتفاق الدم من خلال تشكيل جبهة مختلفة تضم الدروز إلى الثورة الفلسطينية وإلى نسيج الوطنية الفلسطينية. صحيح أن ثمة مساهمات للدروز متفرقة لكن ما حدث أن الوطنية الفلسطينية المعاصرة بعد النكبة لم تسع إلى استقطاب الدروز أو التأثير على مواقفهم وخدمتهم بالجيش. بل تم التسليم بذلك. 

وهنا لابد من القول إن قانون القومية الجديد فرصة مزدوجة للطرفين لإعادة الاعتبار إلى مكانة الدروز في الحركة الوطنية وعودة الولد الضال، كما أنها فرصة لقادة الطائفة ولمجموعة الوطنيين الفلسطينيين فيها إلى إعادة النقاش بقوة حول هوية الدروز الفلسطينية وإعادة الاعتبار إلى هذا الجزء من الوجود الدرزي. 

صحيفة الأيام جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"