غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

سيرة في المكان (4): المستشفى الإندونيسي

قلم

بقلم: حسين حجازي

وصلت أخيراً، أو أنه أدركني الوقت لكي أكون واحداً ربما في نهاية هذا الطابور او الدور الذي يضم مجموع هؤلاء الناس المجهولين ويملؤون أسرة المستشفيات، ولم اكن احلم يوماً في حياتي أنني سأدخل المستشفى لكي اكون كما هم وواحداً منهم، والمرة الوحيدة التي أذكر أنني نمت ليلة في المستشفى كانت وأنا صبي، عندما رافقت والدي الذي كان مريضاً ونام في ذات المستشفى الذي بناه هو بنفسه العام 1962، ومن خلال مرافقتي له في هذا البناء سمعت بمقتل الرئيس الأميركي جون كيندي.

وقد أضحكني أخي حسن عندما عادني في البيت قبل الدخول الى المستشفى ليخفف عن مصابي قائلاً لي: انت لست الا آخر واحد يتعرض لفقدان التوازن وعدم القدرة على النهوض على قدميه، باعتبار ان اشخاصاً عديدين قبلي عانوا من ذلك، وليس الأمر بمصيبة لا نجاة منها. وقد أحببت في حياتي او في هذه الدنيا «حسنَيْن»: أخي حسن الذي أمضيت طفولتي وصباي معه وهو بهذا المعنى يمثل ذاكرتي البعيدة والموغلة في الزمن، وحسن البطل أستاذنا الجميل وصديقي والذي عملت تحت إشرافه ما يربو على 10 سنوات من احترافي المهني، عندما كنت لا أزال في ثلاثينات العمر شاباً أحاول تأكيد ذاتي صحافياً في جزيرة قبرص اليونانية، وقد تعلمنا منه.. هذا الصحافي الذي ربما يمثل آخر جيل العمالقة الكبار او الشيوخ في مهنة الصحافة والكلمة، كيف نصيغ العناوين التي كان يضعها بنفسه لمقالاتنا نحن الشباب الأصغر منه سناً، والذي تتجلى موهبته الرائعة في القدرة على اختزال واختصار الفكرة في جمل صغيرة وبسيطة.

وقد بدأت القصة قبل أيام في احدى الليالي شديدة البرودة، حينما قمت فجأة من دفء الفراش بهدف الدخول الى الحمام، ولكنني فجأة شعرت بدوخة والعرق الغزير يتصبب من وجهي، وكنت اعرف انه في حال إصابتنا بالدوخة علينا رفع الساقين عالياً لإبطال تأثيرها، وهذا ما حدث بالفعل. ولكني بعد ذلك شعرت أنني بحاجة الى افراغ ما في معدتي، وبعد هذه الحادثة فقدت قدرتي على التوازن او القدرة على الوقوف والسير حتى وصل الأمر الى ان يكون الحل هو الدخول في المستشفى.

وفي هذا الشتاء غير الاعتيادي تأكدت من قول الشيخ والعلامة الراحل محمد سعيد رمضان البوطي من أن الشتاء بخلاف ما يقال ليس خيراً او رحمة ولكنه عدو، فالرياح الشديدة والصقيع يمحوان المزروعات، والسيول والفيضانات تودي بحياة العديد من الناس. وقديما قيل في الحكمة الشعبية «ان البرد والقلة أي الفقر هما سبب كل مرض وعلة». وقيل أيضا «ان الدفى عفى» أي ان الدفء والدفء فقط هو العافية والصحة.

كنت قبل هذه الحادثة الشخصية الصعبة افكر بالكتابة عن الشتاء كسيرة في المدينة، الشتاء الأول الذي لم يكن برداً وسلاماً علينا وانما برداً فقط وليس سلاماً، لكننا أدركنا في هذا الوقت المبكر ان الشتاء  ليس مجرد انقلاب في الطبيعة، فلم يكن مألوفاً في ستينيات القرن الماضي الاستماع الى النشرات الجوية، حيث لم تكن الإذاعات المحلية موجودة بعد، بل إننا لم نكن نستمع عن المنخفضات نفسها، ولطالما استمعت في تلك الشتاءات الى هذا الدعاء المتكرر نفسه على لسان جدتي فاطمة ووالدي وأمي رحمهما الله جميعاً، والذين كانوا يتوجهون به الى الله : «اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف به» تأكيدا على ان هذه الانقلابات العاصفة ليست شيئاً طبيعياً وانما من تدبير الله وارادته، وغالباً ما كانوا يتوجهون بهذا الدعاء تحت صوت رعود السماء المخيفة في ليالي الكوانين الباردة وهطول المطر الغزير.

ومع ذلك، فان شتاء ذلك الزمان الذي بدا في عهده المبكر مثلما الأب قاسي الطباع او المعلم الصارم لم يكن يشبه شتاء هذه الايام، وقد مر وقت تغيرت المدينة الى الأسوأ بعد ان كانت محاطة بما يشبه الزنار او السياج الضخم من الحقول والبيارات والاشجار، ولم تكن الأبراج في ظل التخطيط السيئ للبناء قد ارتفعت نحو السماء على شاطئ البحر لتشكل ما يشبه الجدار الذي يحجب النسمات الدافئة من البحر ليلاً كما اصوات أمواجه التي فيها شفاء للناس، وهذه العملية أدت الى انعدام ضبط وتلطيف حدة المناخ، اذ كانت هذه الأشجار الكثيفة المحيطة بالمدينة وغياب الابراج عن شاطئ البحر تشكل بمثابة عملية الفلترة لمناخ المدينة، الذي كان دائماً يمثل نموذجاً نقياً لما تعلمناه في المدرسة ونحن تلاميذ عن مواصفات مناخ البحر المتوسط، الذي يختصر بجملة: «بارد جاف صيفاً دافئ ومعتدل شتاء».

ولكن الواقع أننا ندفع الثمن الباهظ لما يعتبر الآن على نطاق واسع تغييراً في المناخ العالمي، بعد ان تمادت الرأسمالية المتوحشة في الصناعات التي أسهمت في تلوث وإفساد المناخ كما الطبيعة. وربما أنني في وقت بعيد نظرت الى المطر في زمن مغاير على انه تدخل الخالق لتنظيف الأرض من تلوث وفساد البشر عليها، ولكننا اليوم ما عدنا حتى نملك هذا الترف الفكري في ظل هذه الأجواء القاسية.

واعتذر من القراء المحترمين أنني أكتب هذه المرة من المستشفى نفسه بصعوبة، وقد تعلمت ذات مرة حينما أصابني المرض في عيني وعجزت عن الكتابة لمدة تقارب الثمانية شهور في هذه الصحيفة المحترمة، ان اليد التي تمسك بالقلم وليس العقل كما يعتقد هي التي تفكر. وفي هذه المناسبة اجد نفسي كنوع من رد الجميل الاشادة بهذا المستشفى الصغير ولكن الجديد والحديث في مبناه بالخدمة التي يقدمونها الى نزلاء المستشفى والمرضى. والشكر ايضا، وهذا واجب الوقت، يجب ان يكون موصولا لدولة اندونيسيا نفسها المسلمة التي تعطف على فلسطين، وقامت ببناء هذا المستشفى الجميل والحديث في شمال غزة. كما ان واجب الوقت يقتضي تقديم هذا الشكر الى تركيا رجب طيب اردوغان الذي بنى مستشفى حديثاً وكبيراً في جنوب غزة.

ولو كنت في عافيتي السابقة والتي آمل ان استردها قريباً لكانت العبارات والأفكار التي تثير فضولي المهني في الكتابة عن هذا المستشفى، على نحو أورده في جمل متفرقة وأرجو من القارئ ان يربطها بنفسه . ان الفضول كان سيدفعني لأن اذكر شيئاً عن أحاديث الزوار المبهمة ولكن المسلية والتي تمنحك الاطمئنان بأن الحياة ما زالت أقوى من المرض والموت، أحاديث اسمعها من جيراني التي لا تفصل بيني وبينهم سوى الستائر ولكنني لا استطيع ان اذكر او اعي شيئاً منها. وقد يثير انفعالك دعاء امرأة تأتي لزيارة جار لك وهي تقرأ شيئاً من القرآن وتتوجه الى الله بهذا الدعاء ان يشفي جميع المرضى الاحباب. ما يذكرك وانت مريض وضعيف بسحر الحياة العادية الذي لا يساويه أي شيء، وان تحمد الله على كل شيء. وقد يدفعك الفضول ايضاً عندما ينقلونك على كرسي متحرك صباحاً لتجلس مع هؤلاء الزملاء المرضى المجهولين، الذين كل واحد منهم يعاني من مرض مختلف ولكنهم يبدؤون في الأحاديث عن قصصهم التي تحب أن تكتب عنها لو كنت تملك هذه القدرة.

وأرجو من الرئيس محمود عباس والذي كان يستقبلني مشكوراً في أوقات مختلفة في دائرة الانتخابات العامة ودائرة المفاوضات التي كان يرأسها في مبنى ابو خضرة القديم او المجلس التشريعي، او حتى في بيته والمنتدى، لأن ينظر بعين العطف والمحبة الى هؤلاء الأطباء الجميلين والموظفين والمتطوعين، ومنهم بالمناسبة زوجة ابني مالك الذي يطبع هذا المقال، للجهد الذي يقدمونه للناس في هذه المدينة التعيسة والشقية دون ان يتلقوا أي مقابل مادي. وإنني اكتب هذا المقال يا سيادة الرئيس لأنني لا املك سوى تقديم الشكر لهم والإشادة بدورهم. 

والمرة الأولى التي سمعت فيها عن المستشفى الإندونيسي عندما كان المصابون والجرحى قبل نحو عام، في مسيرات العودة ينقلون بسيارات الإسعاف الى هذا المستشفى من شرق جباليا. وكنت استمع وانا في بيتي الذي لا يقع بعيدا عن هذا المستشفى الى أصوات سيارات الإسعاف ويداخلني الشعور بالالم. فالى اندونيسيا وإدارة المستشفى وطاقمها وموظفيها كل التحية والتقدير.

صحيفة الأيام 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".