Menu
اعلان اعلى الهيدر

قراءة في عملية نبع السلام

بقلم/ الدكتور محمد الهندي

أولا: البيئة الاستراتيجية:

في قراءه البيئية الاستراتيجية للعملية لابد من ملاحظة التحولات الاستراتيجية التالية:

1تحول الأولوية الأمريكية من الاهتمام بما يسمى الشرق الأوسط إلى أولويه الاهتمام بجنوب وشرق اسيا في صراعها مع القوة الاقتصادية النامية، وخاصه الصين هذا التحول ليس مفاجئا ولا جديدا بل بدأ منذ سنوات أوباما في البيت الأبيض وبعد فشل بوش الابن بتحقيق أهداف غزو العراق_ وإلى حد ما أفغانستان، والذي شكل عبئا سياسيا وعسكريا وأخلاقيا على الولايات المتحدة، وكانت نتيجته تأكيد النفوذ الإيراني في العراق. هذا التحول في الأولويات أصبح له مؤيدون كبار، سواء في الحزب الديمقراطي أو الجمهوري ، رغم جهود اللوبي الإسرائيلي الكبير المعارض له ، وقد تمظهر هذا التحول بالحرص على عدم التورط في أي حروب مباشرة ومحاولات حثيثة للانسحاب من العراق وأفغانستان ، أو تقليل التواجد على أقل تقدير والاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية والتلويح بالقوة في وجه الخصوم وصولا إلى التخلي عن الحلفاء وتجاوز أي استفزازات للخصوم حتى لو كانت سافرة، وأوضح مثال على ذلك هو القفز عن اسقاط ايران للطائرة الأمريكية والهجوم على شركة أرامكو السعودية، وقبلها الاعتداء على ناقلات النفط في ميناء الفجيرة، وأخيرا التخلي عن الأكراد في سوريا أمام اصرار وعناد الأتراك .

2.تزايد النفوذ الروسي في المنطقة:

أمام التحول في اهتمام أمريكيا في المنطقة وانسحابها التدريجي منها، من الطبيعي أن تملأ روسيا باعتبارها دولة قوية لها أطماع قديمة في شرق المتوسط ولها نقاط ارتكاز مهمة في المنطقة ، أن تملا جزء واسعا من هذا الفراغ خاصة وأنها أصبحت تتمتع بشكل معقول من الاستقرار الداخلي في العقد الأخير، لكن من المهم التأكيد في هذا الصدد أن انتقال مراكز التأثير في المنطقة اليوم لا يشبه في حال من الأحوال مرحلة نهاية القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حيث تأكد تربع أمريكيا في ذلك الوقت على قمه نظام أحادي القطبية يتحكم في العالم، وباءت حسابات نظام صدام حسين بقدرته على تغيير الديمغرافيا بغزوه الكويت بالفشل، وتحولت إلى كارثة عظيمة للعراق والمنطقة.

اليوم الوضع مختلف: أمريكيا لا زالت القوة الأعظم في العالم وهي تنسحب من المنطقة لصالح تمركزها في المناطق الأخرى وصراعتها الاقتصادية الأهم ضمن حسابات استراتيجية جديدة تعتمد التحكم بقدر عن بعد وتترك فراغا محسوبا يملأه المتنافسون الدوليون والاقليميون، وفي هذا الوضع حتى لو حدث اعتداء على حلفاء أمريكيا او حتى تغيير ديمغرافي محدود فلن يكون مدعاة لتدخل عسكري أمريكي مباشر كما أمل وتمنى بعض حلفاء أمريكيا في المنطقة.

3.توسع هامش الحركة والمناورة أمام القوى الإقليمية الصاعدة:

تحول الاهتمام الأمريكي عن المنطقة ترك فراغا ليس أمام الروس وحدهم بل أمام الدول الصاعدة والمستقلة في المنطقة والتي تتنافس في تأكيد مصالحها ونفوذها وبات أمامها هامش للحركة والمناورات السياسية وعقد التحالفات وبناء النفوذ. تبرز اليوم في المنطقة ثلاث دول مستقلة تبني سياساتها وتحالفاتها وفق مصالحها وهي تتنافس على النفوذ في المنطقة، تتقاطع في بعض الهوامش وتفترق في قضايا جوهرية، هذه الدول هي إيران وتركيا و"إسرائيل".

ثانيا: مواقف الأطراف الإقليمية المختلفة من "نبع السلام":

1.الموقف التركي: الهدف الأساس لتركيا هو منع قيام كيان كردي معادي على امتداد حدودها شمال سوريا يخضع لسيطرة منظمة الـ PKK""وال pyd "، المصنفة إرهابية والتي تحارب الدولة التركية منذ عقود، وحصد هذا الصراع مع الـ "PKK" عشرات الاف الأرواح. إن اضعاف تركيا التي نهضت تحت حكم العدالة والتنمية والرئيس أردوغان كان هدفا مهما لإسرائيل والادارة الامريكية المتحالفة معها والخاضعة لتأثيرها وعلاقه إسرائيل المتشعبة مع المنظمات اليسارية الكردية خاصه في العراق قديمة منذ سنوات طويلة. لقد سيطرت وحدات حماية الشعب السورية بقيادة أكراد سوريا مدعومين بقوات الـ PKK والسلاح الأمريكي الحديث المتدفق على ربع مساحة سوريا على طول الحدود التركية، وهي المنطقة الأغنى بالموارد، وطموحهم بإقامة دولة تحت الرعاية الأمريكية الإسرائيلية أصبح واقعيا. تركيا التي تقرأ الواقع جيدا مارست ضغوطا قوية ومستمرة منذ سنوات على أمريكيا وحلفائها، سواء عبر تدفق موجات الهجرة إلى الغرب أو عبر مسار التفاهم مع المساق الروسي_ الإيراني في سوشي، تعرضت في المقابل إلى ضغوط كبيرة ضغوط سياسية وعقوبات اقتصادية، وصولا إلى محاولة الانقلاب. واليوم ومع اقتراب فرض حل سياسي في سوريا وثبات خارطة النفوذ على الأرض بشكل كبير، وأمام تأكيد التحول الديمغرافي لصالح الأكراد في شمال سوريا على حساب العرب ، وأمام المماطلة الأمريكية الغربية للوفاء بتعهداتهم للأتراك، اتخذت تركيا قرار افشال مخطط الكيان الكردي شمال سوريا بالقوة العسكرية، فضلا عن هذا الهدف المركزي فإن نجاح تركيا يفتح الباب لتحقيق أهداف أخرى في مقدمتها العودة الطوعية لأكثر من مليون لاجئ سوري إلى المنطقة، بما يضمن تعديل الاختلال الديمغرافي وإقامة حزام ديمغرافي حليف ومساند على الحدود ويخفف من عبئ اربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا أصبحوا يشكلون ماده لتشكيك المعارضة التركية بسياسة الرئيس اردوغان، وساعد المعارضة على انتزاع الفوز بانتخابات أهم بلدية في تركيا (بلدية إسطنبول). وأخيرا فإن نجاح تركيا في اسقاط خيار كيان كردي في شمال سوريا يسحب من يد "إسرائيل" ملف استراتيجي من ملفات العبث في المنطقة وتفتيتها واضعافها والهيمنة عليها.

2.الموقف الإيراني: رغم ارتفاع أصوات إيرانية معارضة لعمليه نبع السلام في الاعلام الإيراني، فإن الموقف الرسمي الإيراني اتسم بالمرونة ولم يطالب بوقف العملية، وإذا كان هدف إيران في سوريا هو بسط نفوذ حليفها بشار الأسد على كامل الأراضي السورية، فإن هذا الهدف أمامه حسابات إقليمية متشعبة ومعقدة، وفي كل الأحوال فإن شمال سوريا تحت النفوذ التركي ، الذي يعتبر شريكا لإيران وروسيا في مسار سوتشي، هو أفضل لإيران من بقائه تحت النفوذ الأمريكي المعادي ، كما أن إقامة كيان كردي تحت الحماية الامريكية الإسرائيلية شمال سوريا سيشجع أكراد إيران على التحرك وإثارة القلاقل غرب إيران ، هذا من جانب ، ويعتبر الكيان بمثابة قفازات لإسرائيل لتآمر على المنطقة ومن ضمنها ايران من جانب آخر.

3.موقف "إسرائيل": جميع المواقف الصادرة من "إسرائيل" وحلفائها الأوربيين والأمريكان، سواء الرسمية أو في مراكز الإعلام والقرار، أجمعت على أن انسحاب أمريكيا من الشمال السوري عبارة عن خيانة للحليف والشريك الكردي، ونجاح الاتراك يؤثر على دور "إسرائيل" التي تعتبر نقطة ارتكاز الغرب والحليف الطبيعي له في المنطقة. "إسرائيل" التي تسعى لأن تكون دولة المركز في الإقليم، من خلال إقامة تحالفات مع دول عربية تصنف معتدلة، بحجة التصدي للنفوذ الإيراني والإسلام السياسي بعد الثورات العربية، تفقد بهذه العملية ورقة التأثير في رسم مستقبل سوريا الذي يعتمد أساسا على التواجد الأمريكي ودعم مطالب الاكراد بالاستقلال شمال سوريا. هناك أصوات مؤثرة في "إسرائيل" تعتبر أن الرئيس اردوغان وحزب العدالة والتنمية يتبنى سياسات خارجية أكثر تطرفا، ابتداءً من تأييدهم للفلسطينيين وإعلان معاداتهم للسياسات الإسرائيلية ومعارضتهم للعقوبات على إيران، ومحاولتهم للعب دور القيادة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز والبلقان. وهكذا فإن القلق الإسرائيلي من عملية نبع السلام ينبع أساسا من فقدها الحليف الكردي القادر على خلق مشاكل أمام تركيا _أردوغان، ويضع حدا لتمدد نفوذها داخل العالم الإسلامي السني الذي هو ساحة "إسرائيل" المفضلة للتأثير والنفوذ في المنطقة، من الأسهل لـ "إسرائيل" مواجهة النفوذ الإيراني باستدعاء البعد الطائفي والمذهبي والسياسي أمام العرب السنة، وأيضا تحريض دوائر التأثير الغربية و الأمريكية على "إيران المارقة" وأطماعها النووية، فيما يفقد معظم هذه الأوراق في التحريض ضد تركيا السنية وسياستها الناعمة والعضو في حلف الأطلسي .

4.الموقف العربي: الموقف العربي بالإجمال صدر عن اجتماع جامعه الدول العربية في القاهرة مع اعتراض دولتين (قطر والصومال) ورغم بعض التباينات فإن الموقف العربي اعتبر العملية غزوا لجيش أجنبي لدولة عربية وهذا الموقف ينطبق عليه المثل العربي "صمت دهرا ونطق كفرا"، وفي كل الأحوال فإن الجامعة العربية لا تمثل كيانا واحداً أو حتى أطرافاً متجانسة، بل هي كتلة تناقضات وصراعات لكيانات ضعيفة مشتتة يتم استدعائها من دول معينة لتسجيل مواقف شكلية لا قيمة لها ولا وزن ولا مصداقية، وجميع قراراتها التي اتخذت سواء ما يخص القضية الفلسطينية، أو حتى أمن الخليج لم يترتب عليها أي أمر، وكانت حبراً على ورق وشكلت جزءا من التنازل أمام "إسرائيل" واشارات تشجعها على ممارسة مزيد من الضغوط على الفلسطينيين والعرب.

ثالثا: الاستنتاجات والاحتمالات:

أ‌.بمجرد انطلاق العملية، يكون قد تحقق الهدف الأول لها وهو القضاء على أي احتمال لإقامة كيان كردي يخدم مصالح أمريكيا و"إسرائيل"، ويسبب مزيدا من انقسام سوريا والامه العربية والإسلامية، ويمكن اعتبار الاتفاق التركي _ الروسي الأخير لترتيب المنطقة الشمالية السورية وتأكيد وحدة الأراضي السورية، وما يؤمل أن يكون حلا سياسيا شاملا وعادلا لكل السوريين، هو نتيجة مباشرة لهذه العملية، باختصار لقد تحقق نصر استراتيجي تركي، مع فائدة عربية إسلامية مقابل خسارة إسرائيلية واضحة.

ب‌.إن تغير سلم الأولويات الامريكية ووسائل ضغطها واستمرار انسحابها من الشرق الأوسط هو تحول استراتيجي غير مسبوق، يترك فراغا وهامشا لصراع النفوذ في المنطقة وهذا الوضع مستمر ويعمل على زيادة ثقة تركيا وايران بنفسيهما، ويترك تأثيرا سلبياً على "إسرائيل"، التي تسارع لاستنفار حلفائها في أمريكيا والغرب، والتي تخشى أن يستمر هذا التراجع للاهتمام بالمنطقة إلى الدرجة التي تفقد فيها "إسرائيل" التمتع بتربعها على رأس سلم أولويات الولايات المتحدة.

اليوم تقتصر مطالب "إسرائيل" في سوريا على مطالبة أمريكيا بعدم الانسحاب من معسكر التنف" جنوب سوريا، الذي يمكنه قطع التواصل الجغرافي ما بين إيران وسوريا ولبنان.

ج. استمرار تصاعد نفوذ روسيا في المنطقة حتى شرق المتوسط:

وجميع دول المنطقة تدرك هذا الأمر، وتبني سياستها على أساسه، وتسعى لبناء تفاهمات مع الروس، وفي مقدمة هذه الدول كل من يبحث عن نفوذ إقليمي: "إسرائيل"، تركيا، إيران، مصر، السعودية، والامارات.

د: لقد أظهرت العملية مدى تعاظم قدرة تركيا على التأثير في مجريات الاحداث الإقليمية، ومدى استقلال القرار التركي وانطلاقه من المصالح القومية دون انصياع واعتبار للمصالح الغربية والإسرائيلية، وأصبح على جميع اللاعبين في المنطقة أن يعيدوا النظر في استعداداتهم الاستراتيجية، ومن الآن فصاعداً فإن "إسرائيل" التي كانت لا تقبل ان تكون أي دولة نداً لها في التأثير والنفوذ الإقليمي، سوف تتعود مرغمة أن تكون دولاً في المنطقة (ايران وتركيا) نداً لها، وربما أكثر تأثيرا، بما يعكس تغيير كبير في البيئة الاستراتيجية التي تحكم مستقبل الصراع في المنطقة.

هـ. إن أي استقرار وقوة لأي دولة مسلمة مساندة لحقوق الشعب الفلسطيني، هو في مصلحة القضية الفلسطينية التي تعتبر في نهاية التحليل قضية مركزية لكل شعوب الأمة، وأي قراءة خاطئة للقيادة أو للنخب الفلسطينية سيترك تأثيرا سلبيا على مجمل الوضع الفلسطيني، ويعرضه لدفع أثمان الاصطفاف داخل أحلاف متصارعة، على شاكلة الثمن الذي دفعه الفلسطينيون على إثر اصطفاف منظمة التحرير مع صدام حسين في غزوه الكويت.

إن القضية الفلسطينية تتجاوز في عدالتها كل الاصطفافات، ولا تحتاج الى بيع مواقف. وللأسف يقوم بعض الكُتاب والنخب ببيع مواقف دون طلب وأكثر تطرفاً من موقف الحلفاء، وينطبق عليهم المثل الفارسي "القدر أكثر سخونة من الحساء الذي بداخله"، بحيث أصبحت أقلامهم لا تضيف أكثر من سخونة القدر، فيما يسعى الحساء إلى تبريد نفسه كي يستسيغه الطاعمون!

ومن المهم الإشارة هنا الى موقف حركة الجهاد الإسلامي الذي تضمنته الوثيقة السياسية للحركة، والذي ينص على "ضرورة النأي بالنفس عن أي تحالفات أو خلافات داخلية او إقليمية،" فالمنطقة تتشكل على أتون التصارعات وتنافسات ساخنة.

ختاماً وباختصار فإن نصرا استراتيجياً تركياً قد تحقق، مع فائدة عربية إسلامية مقابل خسارة إسرائيلية كبيرة.