Menu
اعلان اعلى الهيدر

الانتخابات كثقافة وصراع منضبط..!!!

بقلم: أكرم عطا الله

منذ خطاب الرئيس في الأمم المتحدة قبل شهر كأعلى هيئة برلمانية دولية ودعوته لإجراء الانتخابات الفلسطينية انشغلت الساحة من جديد بالحديث عنها وبدأت تحضيرات واجتماعات لجنة الانتخابات وسط دعوة مشابهة من قبل الفصائل والشارع الفلسطيني. وبدا أن هناك إجماعاً على الذهاب نحو صندوق الاقتراع بعد كل هذه السنوات من عدم القدرة على إنهاء الصراع الداخلي بين الفلسطينيين.

أغلب الظن وبالرغم من كل الاندفاع الحاصل أن الانتخابات والتي تنزرع في طريقها مجموعة من الألغام الكبيرة لن تحدث، فليست هذه أول مرة تتم خلالها الدعوة وليست أول مرة تتحضر فيها لجنة الانتخابات، وليست أول مرة تتعثر العملية بسبب العقبات الداخلية في حين أننا لم ننتقل بعد لمرحلة فحص العقبة الإسرائيلية الكبيرة التي ستقف بكل ما تملك من قوة ضدها لأن الانتخابات تعني إنهاء الانقسام ولأن الانتخابات تعني إحداث تغيير هائل في البيئة السياسية القائمة وهي بيئة نموذجية جداً بالنسبة لإسرائيل.

لكن الحق هنا وقبل الانتقال لإسرائيل علينا أن نناقش مجموعة العراقيل الداخلية والتي تحول دون اجرائها، وهي تلك العراقيل التي كانت تمنع على امتداد سنوات طويلة وحتى اللحظة. فالمانع الأبرز للانتخابات هو الرغبة باستمرار الحكم والخوف من الفشل وفقدان السلطة وهو ما يجعل من الاستمرار بالقائم حلاً بديلاً يضمن البقاء إذ إن صراع البقاء في النظم السياسية هو الذي يحدد السياسات والخطوات.

ولكن لنفترض أن كل تلك العقبات تمت إزالتها، هل فعلاً شعبنا وقواه السياسية يدركون ماذا تعني الانتخابات؟ وهل كل طرف يتلاشى في النظام السياسي أو يقصيه الصندوق كتعبير عن الإرادة الشعبية مستعد لأن يقف مثلما فعل أحد قادة حرب فيتنام الأميركي «جون ماكين» عندما سقط في الانتخابات العام 2008 مقابل باراك أوباما وألقى خطابه المهم قائلاً، «قدمنا أنفسنا.. وفعلنا كل شيء.. حتى ينتخبنا شعبنا وهو لم ينتخبنا، علينا الذهاب وتهنئة الفائز».

الحقيقة، أن تلك هي كلمة السر في الانتخابات، فالانتخابات ليست بداية طريق بل هي نهايتها، والانتخابات لا تصنع ثقافة بل هي نتاج ثقافة ووعي. فقد أجريت انتخابات كثيرة في الوطن العربي اعتقد فيها الفائز أن من حقه شطب الآخرين في حين ظل الخاسر ممسكاً لممكنات القوة ولم يسلم بالنتائج لتتحول الانتخابات الى سبب للصراع وليس سببا للتهدئة.

هنا أهمية الثقافة والقبول بالعملية في إطار درجة من الإدراك واحترام إرادة المواطن فالانتخابات هي شكل جديد للحرب أو للصراع ولكنه شكل حضاري مع انعكاس لمستوى من الوعي. فالجميع يطمح للسلطة بل وتتشكل القوى السياسية لهذا الهدف وقديماً خاضت الدول التي تعد في قمة الديمقراطية وتجري فيها الانتخابات بسلاسة خاضت حروباً طاحنة على السلطة راح ضحيتها الملايين، وهنا مع زيادة الوعي جرى اتفاق على تغيير شكل هذا الصراع من ساحات المعارك الى ساحات التنافس ومن الدبابة الى الصندوق ومن السلاح الى الورق لصراع يمكن السيطرة عليه بلا خسائر، فهي ليست ساحة للحب والشراكة بل للحرب لكن بشكل مختلف وحضاري. فهل قررنا تغيير شكل الصراع بيننا من السلاح للصندوق؟

أغلب الظن أننا لم نسلم بعد، والدلائل تشير لذلك فالانتخابات عقد اجتماعي ومفهوم ثقافي باعتبار الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة والأرض والموارد، وهنا التحول في فهمنا للانتخابات وأغلب الظن أنه لم يحدث لدينا بعد ولم يصلنا منها سوى القشور السطحية بتقليد العالم بعملية تجري ولكن المضمون أبعد ما يكون والواقع المؤسف لدينا يثبت كل يوم أننا بحاجة للكثير.
الأحداث التي تجري في الوطن أو في شقي الوطن ليست بعيدة عن ذلك، فقرار حجب ٤٩ موقعا وليس ٥٩ من قبل السلطة الوطنية وهناك عشرة مواقع مكررة لم ينتبه لها القضاء تشمل مواقع للخصم السياسي الذي يفترض خوض المعركة التنافسية الحضارية ضده لا تبشر بأننا في الطريق الصحيح، وكذلك حجم ما تمارسه حركة حماس من اعتقالات لأعضاء ونشطاء الخصم السياسي الذي سيخوض الانتخابات التي لن تجري ضده يقول أيضاً إننا لسنا في الطريق الصحيح، بل إننا لازلنا نقبع تحت وطأة ثقافة صراعات القوة والإقصاء وليس الصندوق البعيد عن كل هذا.. علينا أن نتأمل الذات والمناخات لدينا لنعرف حجم قدرتنا ومؤهلاتنا الثقافية الانتخابية.

لسنا منفصلين عن الثقافة العربية التي لازال عقلها الباطن يحسم صراعاته بالسيف، لكن الأكثر غرابة أو الحقيقة الأكثر اقتراباً للواقع أنه باستثناء تونس وهي حالة خاصة كتبنا سابقا لماذا أن الدول العربية التي تجري فيها الانتخابات هي الدول التي تشهد عنفاً اكثر بين أقطاب السياسة، بينما الدول التي لا تعرف الصندوق هي دول أكثر استقراراً وتلك وحدها تكفي للإجابة حيث الانتخابات لازالت تجري تحت الحراب وبلغة السيف. والمدهش حقاً أن الملكيات العربية مثل المغرب ودول الخليج التي لا يجري فيها انتخاب رأس السلطة لم تشهد ذلك العنف الدامي بين كتل سياسية .. يبدو أن العقل العربي أكثر استسلاماً وقبولاً للوراثة منه للتنافس الذي فتح بين العرب أنهارا من الدم وزنازين للمعارضة لا حصر لها ولازالت الحروب قائمة ولازال الحديث عن الانتخابات قائما هذا يؤكد أن الانتخابات ثقافة وليست عملية فهل بلغنا سن الرشد الانتخابي؟ الواقع يعطينا إجابة سيئة..!!

 

عن صحيفة الأيام 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"