Menu

الاستحمار يتجلّى في عصر التطبيع

بقلم د. وليد القططي

يوم الثاني من فبراير شباط الحالي هو الزمان، ومدينة عنتيبي عاصمة أوغندا هو المكان، ولقاء العُشّاق بعدَ الفِراق هو العنوان، والأبطال هم بنيامين نتنياهو وعبد الفتاح البُرهان، وفاعل الخير الذي وفق بين الرأسين، وجمع بين النقيضين، طرفٌ عربيٌ ما، إنْ يريدُ إلاّ الإصلاحَ بينهما، ويدورُ في فلكِ الأمريكان، ومنْ استنَّ بسنتهم من العُربان، زُلفى وتُقرباً لوجه الشيطان، وقد يجمعُ اللهُ الشتيتين بعدما، يظُنانِ كلَّ الظن ألا تلاقيا. اللواء عبد الفتاح البرهان كشفَ النقاب، وأزالَ الحجاب، عن الأسرارِ الخفيةِ لكواليس اللقاء المخفية، فقد سبقَ اللقاءِ صلاةُ الاستخارة المُفترى عليها، فأوحىَ إليه شيطانُهُ زُخرفَ القولِ غروراً، وزينَّ لَهُ سوءَ عملهِ فرأهُ حسناً، فزعم أن اللقاءَ يحملُ الخيرَ للسودان، وفيه المصلحة العُليا للشعب السوداني، وأدعى أن التطبيع مع الكيان يخدم الأمن الوطني للسودان، وبوابةً لرفع العقوبات الأمريكية عنه. ومن أسرارِ اللقاء أن البرهان، ملك السودان، لم يُصب بالرهبة- كما قال – أمام هيبة نتنياهو، "وكل واحد (شال) أكلَهُ مع صحن (بس) جلسوا معاً أثناء الطعام"، لتبادل سفاسف الكلام. ولم يذكر سيادة اللواء إن كان قد اختار نفس نوع الطعام من البوفيه المفتوح الذي أكله نتنياهو مجاملةً له، أم اختار نوعاً مختلفاً من الطعام تجنباً للاتهام بالتشبه بالكفار، والاقتداء بالفُجّار، فتلحقهُ لعناتُ الأبرار، فيُحشرُ في الدركِ الأسفلِ من النار.

اللقاء بين رئيس وزراء الكيان الصهيوني ورئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، كان الحلقةُ الأخيرةُ من المُسلسل المشهور (التطبيع الذي هو حق أمريكا على القطيع) الذي يُبثُ على الهواءِ مباشرةً، برعاية أمريكية، وبطولة إسرائيلية، لعبَ نتنياهو فيه دور البطل المُطلق، ولعب البرهان فيه دور صاحب البطل، وجُمِعَ الكومبارس من الحكام العرب ليقوموا بالأدوار الهامشية في المسلسل. وإن كان هذا آخر مشهد في مُسلسلِ التطبيع، الذي هو حق أمريكا على القطيع، فهو بالتأكيد ليس الفصل الأخير، من كتاب العبد الفقير، (الاستحمار يتجلّى في عصر التطبيع)، لكاتب هذه السطور، الذي يُعبّرُ عنْ سيكولوجية الإنسان المقهور، ويُفصحُ عن شعور المواطن المدحور. ولذلك كان من الكلام المفيد، والرأي الرشيد، أن يعرفَ البؤساءُ، ويدركَ التٌعساءُ، فصل المقال، فيما بين الاستحمار والتطبيع من اتصال.. .

فالاستحمار كمفهوم مقتبس من كتاب (النباهة والاستحمار) لفيلسوف الثورة الإيرانية (علي شريعتي) بتصرف ينسجم مع عصر التطبيع الانبطاحي، ويتسق مع مضمون النظرية الانبطاحية، شديدة الانهزامية، والنظرية ماركة مُسجلة باسم عربان التطبيع وأنظمة الترقيع، وبراءة اختراع سُجلّت باسم كل من لبسَ ثوب الإذعانِ، ورضيَ بالهوان، أمام الأمريكان، ثم خلعَ في حضرتهم ما تبقّى من رداء، فيه مسحةٌ من كبرياء، وقبسٌ من الإِباء، كان يوماً ما يلبسه الآباء. ثم اعتقد متوهماً وظنَّ مُتخيلاً أن للثعلبِ ديناً، ولأمريكا عهداً، ولـ (إسرائيل) وعداً، فصدّقَ عليهم الشيطانُ الأكبرُ ظنّهُ، فاتبعوه إلاّ فريقاً من المجاهدين، ومحوراً من المقاومين. ومنهم من آمن أن بيد أمريكا مفاتيح المُلك من دون الله، فلديها القدرة على حمايتهم من البعبع الذي صنعه في نفوسهم، والوهم الذي خلقته في عقولهم، فأعقبتهم خوفاً ورعباً في قلوبهم بما صدّقوا أمريكا ما وعدتهم فأوردتهم الذل والعار، وأردتهم من على شفا جُرفٍ هار، يذوقون طعم الخزي والشنار، وهم على هذه الحال ليل نهار.

ومقابل هذا الاستحمار الأمريكي المُمارس على الأنظمة العربية الحاكمة، تحاول تلك الأنظمة اسقاط الاستحمار عبثاً على شعوبها، بعد أن أُشربتْ نخبها الحاكمة الاستحمار في نفوسهم، وتجرّعوا الاستعمار في قلوبهم وعقولهم، فمارسته بدورها على شعوبهم لتدجينها وترويضها بالتضليل والإلهاء تارةً، وبالترهيب والترغيب تارةً أُخرى، ولكن هيهات أن تقبل شعوب الأمة العربية الحرة بفطرتها السليمة ووعيها الثوري المذلة والمهانة فترضى بالتطبيع، وقد أدرك عدو الأمة نتنياهو ذلك عنها ولم يدركه حكامها، فقال: "إن العائق أمام توسيع السلام في المنطقة الشعوب العربية وليس في قيادة دولهم". وإذا أردنا الرجوع إلى معنى الاستحمار سنجد أنّه درجة متقدمة على درجتي الاستعمار والقابلية للاستعمار، فالاستعمار غزو خارجي واحتلال أجنبي لأرض شعب ما، والقابلية للاستعمار استعداد كامن في الشعب يجعله يقبل الاستعمار عقلياً ونفسياً فلا يقاومه، أما الاستحمار أن يستدعي الشعب أو حكامه الاستعمار، ويرضى بالعبودية الطوعية، فيتنازل عن إرادته وحريته لقوة عُظمى تُسخّر ثرواته لخدمتها، تماماً كما يُسخّرُ الإنسانُ الحمارَ لخدمته، وهذا ما ينطبقُ على العلاقة بين أمريكا وبعض الدول العربية، حيث تمارس أمريكا الاستحمار عليها بطريقتين هما النهب والتطبيع.

الاستحمار عن طريق النهب اتخذ شكلاً آخر في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فلم يُعد لدى سيد البيت الأسود الجديد صبراً ووقتاً لطريقة النهب التقليدية المعتمدة على المواد الخام، فإذا كان ترامب يرى العرب في صورة أكياسٍ من المال، ويعتقد أن أقصى مواهبهم القيل والقال، ومغروسٌ في جبلتهم التهيؤ للاستغفال، وإذا كان حكامهم لديهم القابلية للاستعمار، وعندهم شيءٌ من الاستعداد للاستحمار، فلماذا إذن الانتظار؟، ولماذا الحاجة للباب الدوار؟، فليأخذ منهم المالُ نقداً وعداً ، وطالما يأخذ الحكام بالنظرية الانبطاحية، بحذافيرها الانهزامية، فلن يشبع سيدهم من أموالهم، حتى تشربَ الأرضُ الدم، وتشبع نار جهنم من بني آدم، وتصبح خزائنهم خاوية على عروشها، بعد أن كان مفاتحها لتنوء بالشعب أولي الحق بها، وتُمنع عن الأمة صاحبة الحق فيها، فجاء من ينتزعها من أيديهم ليسخرها في استكمال علو وإفساد بني اسرائيل حتى يجيء اللهُ تعالى ببني إسرائيل إلى وعد الآخرة في فلسطين لفيفا، ويقضي اللهُ تعالى أمراً كان مفعولاً.

الاستحمار عن طريق التطبيع أوضح تطبيق للأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية التي تريد الحفاظ على وجود واستقرار وازدهار وأمن دولة الكيان الصهيوني، وأهم أركان (صفقة القرن)، ذلك بأن التطبيع يعني إقامة علاقات طبيعية بين (إسرائيل) والدول العربية، لتصبح دولة طبيعية مندمجة في المنطقة ومهيمنة عليها، كركيزة أساسية للمشروع الاستعماري الغربي ضد الأمة العربية والإسلامية انطلاقاً من أبعاد ايديولوجية ترتبط بالعقيدة (المسيحية الصهيونية) المسؤولة عن المشروع الصهيوني كفكرة ودولة. إضافة للأبعاد السياسية والمصلحية الأخرى. ودلالة التطبيع في هذا السياق هو الطريق لإنهاء الصراع بين العرب و(إسرائيل) لصالحها بدون حتى تطبيق الحد الأدنى الذي رضي به العرب وبعض الفلسطينيين وهو الانسحاب من الأرض المحتلة عام 1967، فتخلوا عن مبادرتهم الهزيلة، وذهبوا هرولة نحو التطبيع وآخرهم البرهان، بمعناه القريب من الترويض الخاص بالحيوان، الذي يحمل دلالات الإخضاع والتطويع والتسخير، وبما أن التطبيع مطلب صهيوأمريكي فهذا يعني جعل سلوك العرب مضبوطاً وفق معايير شهادة حسن السير والسلوك الأمريكية، وضبط حركات رقص حكامهم على ايقاع موسيقى نشيد (الهاتكفا) الإسرائيلي.

خُلاصة الكلام وفصل المقال، فيما بين الاستحمار والتطبيع من اتصال، أن التطبيع بمعنى التطويع، هو الاخضاع والترويض، ويُشيرُ إلى ضبط السلوك كما يُريد الذي يقوم بمهمة التطبيع والتطويع، ويبتغى من وراء ذلك الإخضاع والترويض، فعندما نقول: طبّعَ وطوّعَ أو أخضعَ وروّضَ... الفرس يعني جعلَ سلوكهُ مضبوطاً كما يريدُ صاحبه، وكذلك الحمار وكل أنواع الحيوان، وهذا ينطبق على الانسان، ولذلك كانت مسرحية (ترويض النمرة) للأديب الانجليزي (وليم شكسبير)، التي تتضمن نفس المعنى، ولكن بدل تطبيع وترويض الحيوان، يتم فيها ترويض أُنثى الإنسان، ويُمثلّها في المسرحية شخصية (كاثرين)، لتتحوّل من الطبيعة العنيدة المتمردة، إلى الطبيعة الخاضعة المُطعية، ومن السلوك العدواني الشرس إلى السلوك المسالم الوديع. وهذا ما تريدُهُ أمريكا و(إسرائيل) من العرب، أن يُطبعَ ويُروضَ سلوكهم مع (إسرائيل) لتُقبل في البداية كدولة طبيعية شرعية مندمجة في المنطقة، لتصل في النهاية إلى دولة مهيمنة ومسيطرة على المنطقة لتحقيق حلم (إسرائيل الكبرى)، فتُسخر مواردها المادية والبشرية لتحقيق حُلم (إسرائيل الكُبرى)، كما يُسخرُ الانسانُ الحمار، وهذا هو جوهر الاستحمار.