Menu

مستقبل التطبيع.. قراءة في رؤية الشهيد فتحي الشقاقي

بقلم/ ثابت العمور

تحل اليوم ذكرى استشهاد المفكر الدكتور فتحي الشقاقي احد ابرز مفكري الحركة الإسلامية في فلسطين، وقد مضى على اغتياله في مالطا ربع قرن بالتمام وقد اغتيل الرجل رحمه الله في 26/ أكتوبر/ 1995، وفي زمن هجوم التطبيع مع الاحتلال والتدحرج الحاصل ، فإنه لا يمكن التعرض للتطبيع ومآلاته دون استحضار وقع التطبيع وموقعه في فكر الشهيد الشقاقي ورؤيته لمسارات هذا التطبيع ومستقبله؟، ونحن هنا نُجري قراءة في الفكر السياسي الإسلامي الفلسطيني نموذجها الشقاقي رحمه الله؟، ومن بين الأهداف المرجوة من هذه القراءة معرفة أصول التطبيع وتأصيله في فكر الشقاقي ومدى حضوره وهل تنبأ بهذا السقوط الحاصل للعواصم العربية واحدة تلو الأخرى؟، مع هذا الفارق الزمني بين استشهاده وبين الهرولة صوب التطبيع.

جمع الشقاقي رحمه الله بين مسألتين غاية في الأهمية هما التسوية والتطبيع وقد قدم تعقيب بعنوان" التسوية والتطبيع مع العدو الصهيوني وأثرهما على الوحدة العربية"، وذلك في تعقيب على ورقتي الدكتور كريم مروة والدكتور علي عقلة عرسان في ندوة عقدت يوم 1/8/1994 بدمشق، وكان مما جاء في تعقيب الشقاقي رحمه الله " أننا نقبل على سلام أخطر بكثير من الحرب، وأن العدو سيحصل بالسلام على ما لم يحصل عليه بالحرب...". وفي ذات الورقة يضيف: " إن العدو يعلم أن الانتفاضة في فلسطين والمقاومة في جنوب لبنان عقبتين هامتين أمام مشروعه، ومن الصعب أن يحقق انجازه حتى على طاولة المفاوضات فيما الانتفاضة حية والمقاومة مستمرة، تراه يعمد إلى سحق منابع القوة هذه، ولهذا نجد العدو يعزل ويحاصر قطاع غزة والضفة الغربية والقدس لأكثر من خمسة شهور حتى الآن من أجل تجويع الناس وإطفاء جذوة الانتفاضة"، هنا يمكننا فهم وإدراك عملية الشيطنة الحاصلة الآن لكل ما هو فلسطيني وتحديدا للمقاومة، كان الشقاقي رحمه الله يعلق على حصار خمسة شهور لم يكن يعلم أن هناك حصار سيفرض على غزة لأكثر من عشر سنوات متواصلة كي تركع غزة بعدما باتت رأس حربة في الاشتباك والمقاومة وقد دحرت الاحتلال من مغتصبات غزة.

ولكن لماذا التطبيع؟، ولماذا تذهب الدول العربية للتطبيع فرادى إذا كان لابد من التطبيع فلتذهب على شكل قطيع؟، يجيب الشقاقي عن هذا السؤال قائلا:" الكيان الصهيوني يدرك جيدا أنه لا يستطيع الاستمرار في المنطقة إلا إذا عادت المنطقة إلى ما قبل وجود الأمة، والأمة أوجدها الجامع الحضاري الإسلامي الذي صهر الأديان والقوميات والمذاهب والطوائف والأعراق في بوتقة وجامع حضاري واحد". وليس بواسطة الدين الإبراهيمي أو اتفاق أبراهام المزعوم، والذي يقوده ويمرره الحاخامات؛ ومن المفارقات أن الصهيونية حركة علمانية لكنها عند التطبيع تصبح حركة دينية يقود قطار التطبيع فيها الحاخامات ويحضر البُعد الديني وتُسمى الخيانة باتفاق أبراهام، إن العدو الصهيوني يحاول بكل الوسائل الممكنة تحويل المنطقة إلى فسيفساء يمكنه الهيمنة والسيطرة عليها، وهو مؤمن تماما أن استمرار مشروعه مرهون بمزيد من التجزئة والتفتيت وتحطيم مكونات الأمة وأن تعود المنطقة إلى ما قبل ظهور الإسلام.

لذلك نجد أن العلاقة بين بعض العواصم العربية والعدو الصهيوني قات باتت اقرب وأعمق وأرحب من العلاقة بين هذه العواصم العربية المتفقة تراثيا والملتصقة جغرافيا، علاقات الإمارات اليوم بالعدو اقرب وأنشط من علاقاتها بقطر مثلا والعكس صحيح وقس على ذلك في معظم العواصم العربية.

إن هذه الخيانة الحاصلة اليوم تعيدنا لاستحضار كتاب "الشرق الأوسط الجديد" الذي خطه الصهيوني شمعون بيرز، وقد عقب الشقاقي رحمه الله على هذه الكتاب قبل استشهاده بعام وتحديدا في سبتمبر 1994 ، بأن والذي مسالة بقاء هذا الكيان تقتضي تغيير تركيبة المنطقة على كافة المستويات الحضارية والاقتصادية، والثقافية والسياسية والأمنية، وهذا عين ما يحدث الآن، أي لم يكن التطبيع ممكنا دون تفكيك المنطقة؛ حدا وصل فيه مستوى التفكيك العربي أن تُستباح فيه دولة مثل اليمن وشعبها على يد السعودية والإمارات وسط فرجة عربية صامتة وصادمة وجامعة عربية تشهد على الدم المسفوح في اليمن شهادة زور. وعندما يطلب منها بحث مسألة التطبيع تكشر عن أنيابها وتستدعي السيادة والمصلحة للدول المنبطحة.

وعن ثالوث التسوية والتطبيع والشرق الأوسط الجديد والعلاقة بينهما وسؤال لماذا التطبيع وما الذي يريده العدو من هذا التطبيع؟، يجيب الشقاقي:" إنهم يريدون بناء هذه المنطقة، عل أساس من المصالح الاقتصادية، حيث يكون العدو الصهيوني، القوة الأساسية المهيمنة فيها، والقوة المركزية التي تتعامل مع كل طرف على حدة، والتي تشرف على إعادة تشكيل المنطقة، والمحاور، والعلاقات السياسية فيها، والإمكانيات، والعلاقات الزمنية، والاقتصادية، لذلك لابد من إلغاء هويتنا كأمة عربية إسلامية، وإلغاء تاريخنا، ولابد من إلغاء عقيدتنا، وإلغاء موروثاتنا السابقة..". لذلك نجيب هنا عن سؤال آخر يمرر ويصور هل يمكن لواشنطن ان تبيع طائرات حربية للعواصم العربية يمكنها أن تضمن تفوق ما للعرب أمام العدو الصهيوني؟، ألا تتجلى هنا الخديعة..!

إن مستقبل التسوية والتطبيع واختراق العدو الصهيوني للأمة مرتبط في رؤية الشقاقي رحمه الله مرهون بثلاث محاور الأول أن هذه التسوية وهذا التطبيع مفروض على الأنظمة العربية فرضا ولا قوة ولا قدرة لهذه الأنظمة على رفضه أو وقفه، والثاني أن هذا السلام وهذا التطبيع لن يعود في المستقبل على هذه الأنظمة العربية وهذا العدو الصهيوني بفائدة، أما المحور الثالث أن هذا السلام والتطبيع محكوم بعوامل فشله أكثر من عوامل نجاحه لأنه ضد الواقع وضد التاريخ وضد الحق وضد الشعوب العربية.

إن هجوم التطبيع الحاصل بين الأنظمة العربية والعدو الصهيوني والمرشح لأن يتمدد وتسقط في وحله عواصم جديدة لن يصمد ولن يستمر؛ وإن عامل إفشاله وإسقاطه وإسقاط أنظمة الخيانة المتماهية معه مرهون بالمقاومة وبالاشتباك ومشاغلة العدو الصهيوني، ولم يتسلل هذا التطبيع إلا عندما توقفت المقاومة عن الاشتباك، وعندما تراجع المشروع الوطني الفلسطيني وراح يبحث عن بقاياه وعن شرعيته على حطام الحكم الذاتي ، بل إن البعض بات يرى انه لسنا بحاجة لمشروع وطني ولنيمم وجهنا تارة هنا وتارة هناك.

إن البعض منا الآن يمض ويصر على المضي في التيه بعد ربع قرن على أوسلو التي ابتلعت المنظمة وابتلعت المشروع الوطني ، ويظن هؤلاء وبعض الظن إثم انه يمكن بناء مشروع وطني فلسطيني لا يتعارض مع أوسلو ، ويتوهم هؤلاء انه يمكن إحياء مشروع وطني - قتله اتفاق اوسلو- مسقوف بنص صهيوني ومسقوف بإدارة صهيونية أمريكية ومسقوف بأطراف إقليمية وعربية تمضي بأجندة معدة سلفا. لا تُعطي للفلسطيني أي شيء بل تطلب منه كل شيء حتى سلاحه وتطالبه بالتوقيع وبالاستسلام بعدما سُلبت أرضه بالضم والاستيطان، ويظن هؤلاء أن هذا الطريق يمكن أن يفضي للتحرير والاستقلال.

إن العودة تبدأ بالاشتباك مع العدو الصهيوني حينها نُعيد المشروع الوطني الفلسطيني، ونعيد الوعي للشارع العربي ونوقف خيانة التطبيع، عند أول اشتباك ومع أول صلية، وعلى ترجل أول شهيد وعلى وقع غبار المجاهدين في غزة، سيزول هذا الوهم وهذا الوهن.