غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

التطبيع الفني مدخل العدو لتطويع العقل العربي وكيه وهو الأخطر

image.png

قلم: إبراهيم أبو صفية

يحاول الاحتلال الإسرائيلي جاهدا بأن يبني جسورا مع كل من ترتبط به شهرة أو يصبح مؤثرا في الشارع العربي، بل مع صعود أي من المشاهير سواء في الفن أو كرة القدم أو العديد من المواهب، ترسل له بطاقة دعوة لحضور حفل "بتل أبيب"؛ لأن الاحتلال يدرك جيدا أن القريب من عقل الشارع العربي هو المشهور والفنان المؤثر، فهي مستمرة في المحاولة، نجحت في بعض المواقف وفشلت بأخرى، فمثلا، استطاعت استقدام اللاعب الأرجنتيني "ميسي" إلى "تل أبيب" وجعلته يزور حائط البراق، بينما فشلت، بعدما رفض اللاعب المصري محمد صلاح مصافحة لاعبي فريق إسرائيلي "مكابي تل أبيب"، فكان هذا الرفض فشل ذريع في محاولة "إسرائيل" تطويع صلاح، فصب غضب الإسرائيليين عليه.

ومن هنا يكمن خطورة التطبيع الفني، وخصوصا أن هذا التطبيع مرتبط بمادة باقية، أي أن أعمال الفنانين والمشاهير، باقية وخالدة، فعندما يطبع صاحبها تصبح الصورة الذهنية تربط بين العمل وصاحبه، وبين صاحب العمل وعلاقاته وفعله، فعندما يكون مطبع، فمباشرة الصورة الذهنية تستقبل صورة "الإسرائيلي" أو "إسرائيل" الذي ارتبطت بعمل هذا الفنان أو المشهور، وهنا يصبح يستساغ ويستسهل تقبل "إسرائيل" في العقل الباطني، خصوصا إذا لم يكن هناك معارضة قوية تجلد هذا الفعل وتسلخه وأعماله من العقل العربي، وذلك يكون عندما تربطه بأنه يطبع من كيان قاتل للإنسانية. 

يقول الفنان سميح شقير، "لو راح المغني تبقى الأغاني ولو رحل  صوتي ما بترحل حناجرهم" أي أن الأعمال هي التي  تخلد وتوثق الأحداث، وهنا مكمن الخطورة عندما تكون مرتبطة بتحسين صورة الاحتلال.

كما أن الاحتلال الإسرائيلي، يستهدف دعوة الفنانين والمشاهير للتطبيع، وذلك يكون أيضا ضمن حملات متقنة ومدروسة ومدفوعة الثمن، خصوصا هذا الاحتلال يعمل بكل الوسائل لاحتلال العقل العربي، وأن ترويض هذا العقل يكمن عندما تضرب فئة المؤثرين الذين له تأثير واضح على هذا العقل، فإذا سقط المشهور في وحل التطبيع يصبح العمل بشكل تدريجي لكي الوعي الجمعي، فمثلا في البداية، يصبح الحديث عن السلام، وأن شعوب المنطقة تعبت من الحروب والقتل، ويصبح الفنان مروجا لهذه الفكرة، التي يستحسنا العقل العربي الذي فعلا عانى من ويلات الحروب، ومن ثم ينتقل إلى تمجيد "إسرائيل" وتطورها، وربما ينتهي باللعب مع أحد الأفرقة إذا كان لاعب، أو يغني مع أحدة فنانيها كما حصل مع الفنان السعودي محمد مسعود الذي غنى مع الفنان الإسرائيلي عميرا آدام، فهذا التدريج ربما يصل لمرحلة إدانة فعل المقاومة التي تواجه هذا الاحتلال.

كما أن هذا التطبيع  يعطي العدو الفرص لتبييض صفحته، رغم أن يتملق كلام التطبيع والحديث عن السلام، هم يشبعون رغبات الخارج التي تتناقض مع المصالح العربية القومية والوطنية،  ورغم أن ما يفعلونه من تقديم قرابين لهذا الاحتلال،  إلا أنهم لا يحترمون ولا أحد يحترمهم، وهم ضمن حقبة سوداء ستمضي. وهناك قصة حقيقية بالتاريخ تقول أن قائد فرنسي خان وطنه لصالح ألمانيا"، "حينئذ سلمه هتلر المكافأة المالية؛ لكنه رفض أن يصافحه لأنه خان بلده، وكل المطبعين عبر التاريخ كان خيانة، لا يمارسها الا مكبل الإرادة والوعي"، وهذا ما حصل فعلا عندما جاء الوفد الإماراتي إلى كيان الاحتلال، قام أحد الصحفيين بتقديم "الماكيرفون"  إلى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي بقي يعقم بيده، وغير مبالي بالصحفي الإماراتي، الذي بقي حوالي دقيقة كاملة وهو يقدم لنتنياهو "الماكيرفون" حيث أن غالية المحللين الإسرائيليين اعتبروها إهانة للوفد الإماراتي، خصوصا أن نتنياهو لم يعتذر عن تأخيره بأخذ "الميكروفون"، فهذه الإساءة كانت لمستوى رسمي من دولة، فكيف لو كان أحد المشاهير أو الفنانين لربما ذاقوا طعم الذل الذي وضعوا أنفسهم فيه.

 

وحول كيف تحضر "إسرائيل" اختراق جدار الوعي العربي وتؤهله للسقوط الأخلاقي ومن بعده السقوط في وحل الاحتلال وليس عسكريا بل من خلال وجود صهاينة عرب في الشارع العربي وفي المجتمع وليس فقط على المستوى السياسي الرسمي، ففي عام 1961 قدم المخرج الايطالي أندرو مارتن عن قصة للأديب الكبير علي احمد باكثير وعن سيناريو ل روبرت اندروز أول حوار ليوسف السباعي رائعتهم فيلم " واسلاماه " وقدموا بذكاء شديد الاختراق الذي يقوم به العدو للعقل الجمعي وللمناعة الوطنية من خلال " بلطاي" وكيف قاد فرق للتأثير علي الروح المعنوية وتزيين صورة التتار في كل البلاد التي احتلوها قبل استخدام القوة لتكون الدول وشعوبها في حالة جاهزية للسقوط، هذه الحوار يشبه ما تقوم به "إسرائيل" من خلال احتلال العقول العربية وتجهيزها للاحتلال الفعلي، وإتمام فكرة المشروع الصهيوني القائمة على أن "إسرائيل" من الفرات إلى النيل.

يقول الكاتب المصري أحمد طلعت، تعليقا على ما حدث مع الفنان المصري محمد رمضان أن في السنوات الأخيرة وبعيدا عن فكرة اختراق العقل العربي والمصري تحديدا التي لا تتوقف ولن تتوقف ظهرت فكرة جديدة مفادها أن مؤقتا يمكن قيام دولة "إسرائيل" من النيل للفرات من خلال ان تحكم "اسرائيل" المنطقة سياسيا، وتتحكم فيها عسكريا وتكنولوجيا، من غير احتلال الأرض التي تتحقق على راحتها. مشيرا إلى أنه تم وضع اسماء دلع للمشروع السابق منها مسميات " الشرق الاوسط الكبير" وغيرها.

ولفت إلى هذه المشاريع والتي ستكون عقبة أمام المشروع العربي وخصوصا نهضة مصر، لذلك سترفضه مصر وستبقى عقبة أمامه،  لذلك سيتم استهداف مصر بكل الطرق واسهل طريقة للتأثير على شبابها وأجيالها الجديدة هم نجوم الفن وكرة القدم.

 

وبين طلعت،  أن الشعب المصري يقف الآن أمام معركة أ جولة من هذه الحرب الطويلة، فلو كسبناها وفرنا على بلدنا الكثير، مؤكدا على أنه لا يصح أنهم يعلمون اولادهم كراهية العرب وفك وتركيب الاسلحة الاوتوماتيكية ونحن نعلم أطفالنا النقيض أي أننا نعلمهم كراهية الحرب والقتال التي يمكن فرضها علينا دون رغبة منا، لذلك لا بد والأفضل للعرب أن يعلموا أطفالهم كراهية العدوان وهنا يكمن الفرق.

وعودة على العنوان الذي يحمل إسم هذه المادة، نكتشف كم فرح الناطقون باسم دولة الاحتلال وجيشها بصورة محمد رمضان مع فنان صهيوني وأسكرتهم النشوة في ترويجها كما لو أن هذه الصورة مقدمة لاختراق جدار الصد المنيع من الشعب المصري والشعوب العربية، لأنهم يدركون بأنهم الملايين من أطفال العرب يحبون محمد رمضان ويحبون مسي ويحبون غيره، لذلك يجب استهداف هذا العقل وإظهاره بصورة المحب لإسرائيل لخلق جيل غير قادر على أن يميز إذا كانت "إسرائيل" فعلا احتلال أم لا.

وإن ما حصل مع الفنان المصري محمد رمضان، من محاولة إسرائيلية تصدير صورته كمطبع رغم نفيه، هنا مكمن القصيد، فإنها كانت تهدف لضرب صورة الشارع المصري الداعم للقضية الفلسطينية، بل ومن خلال رمضان وغيره الدخول لوعي العقل المصري والعربي، ومن هنا ننتقل من مرحلة التطبيع إلى مرحلة التطويع، المتمثل بقبول ما فعله محمد رمضان، أو ما يفعله الفنانين الإماراتيين، وهذا يجعل العقل العربي يستسهل عليه أستواعب الإسرائيلي.

فإن الانتقال من التطبيع إلى تطويع الفن بما يخدم دولة الاحتلال، مما يجعل هذا الاحتلال طبيعي في المنطقة، وتبدأ فكرة استيعابه، ولا بد من الإشارة أن هذا الاحتلال لا يسعى بأن يكون مستوعبا في المنطقة بل يريد أن يكون ممارسا للاحتلال والقوة والعنجهية وهو من يتحكم بمصيرها، وما التطبيع إلى باب يفتح ويسهل عملية العبور الإسرائيلي لكل دول المنطقة.

ولا بد فهم فكرة أن محاربة التطبيع لا يكمن من باب دعم القضية الفلسطينية، بل من إنكار وجود "إسرائيل" التي تحاول ممارسة الاحتلال الناعم بأيدي عربية من الممكن أن تكون مدفوعة الأجر أو غبية، كما قال الكاتب يوسف الدموكي، أن قضيتنا ليست في أن فلسطين موجودة أم لا، فإنهم لا يستطيعون إنكارها، نتنياهو نفسه قد يحمل ذات مرة العلم الفلسطيني، وإنما قضيتنا هي أنه لا شيء اسمه "إسرائيل"، ولو حمل الجميع أعلامها. قضيتنا ليست إثبات فلسطين، وإنما إنكار "إسرائيل".

وأخيرا، لا بد سقوط النظرية التي تدعي نظرية  ما بيننا وبين "اسرائيل"" ليس الا حاجز نفسي" والذي يسهل من ناحية نظرية قبول فكرة التطبيع وأنه يجب هدم هذا الحاجز، ويصبح المطبع شجاع أمام هذه النظرية، لذلك لا بد إثبات قاعدة أن   الصراع معها هو صراع وجود وليس صراع على الحدود، وأن التطبيع خيانة، والتطبيع الفني جرم أكبر لأنه الأخطر.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".