غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

الخيارات التكتيكية الإسرائيلية في مواجهة مخاطر الجبهة الشمالية (1)

أحمد عبد الرحمن
بقلم: أحمد عبد الرحمن

من دون أدنى شك، فإن في استطاعة المؤسسة الإعلامية في الكيان الصهيوني، والتي يتم تجنيدها في معظم الأحيان لخدمة "الأهداف القومية للدولة" العبرية، القيام بحملات موجّهة ترفع الحجم والنسق للتوتّر في ملفات معينة تخدم سياسة الحكومة في "إسرائيل". ومن دون أدنى شك أيضاً، فإن في إمكان الإعلام الإسرائيلي، الذي ينسجم في معظم توجهاته، بغض النظر عن خلفيته السياسية، مع التوجه العام للحكومة الإسرائيلية، ولا سيما في الأوقات الحاسمة، الإيحاء في أن "إسرائيل" في صدد القيام بعمل عسكري، صغيراً كان أو كبيراً في هذه الساحة أو تلك.

لكن، من دون شك أيضاً، فإن كل وسائل الإعلام في الكيان العبري، مهما امتلكت من قوة تأثير في المستوى الإعلامي، فإنها لن تكون قادرة على حسم معركة عسكرية واسعة يتم ترويجها مؤخراً، تخص الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، والتي تعني مواجهة مباشرة مع المقاومة الإسلامية في لبنان، وما يمكن أن ينتج من ذلك من تداعيات كبيرة وهائلة على الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني، وعلى مجمل الأوضاع في المنطقة. 

بغضّ النظر عن أسباب الحملة الإعلامية الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من شهرين، والتي تشي بأن الأوضاع على الجبهة الشمالية التي شهدت عدة توتّرات في الفترة الأخيرة قد تذهب إلى انفجار كبير، وإلى مواجهة عسكرية من العيار الثقيل، فإن إمكان حدوث مواجهة عسكرية قاسية بين أحد أقوى الجيوش في الشرق الأوسط، "الجيش" الإسرائيلي، وبين أقوى قوة عسكرية غير نظامية تفوق في قدراتها وإمكاناتها كثيراً من جيوش المنطقة، حزب الله، واردة بقوة، وهو ما يعني، في حال حدوثها، دخول الإقليم والمنطقة، بما فيها من قوى تقف على طرفي نقيض، في أتون ما يمكن ان نطلق عليه "الحرب الكبرى"، أو "أُم المعارك".

هذه الحرب ستترك آثاراً هائلة في مختلف الصعد في الإقليم، وربما يصل أوارها إلى أبعد من المساحة الجغرافية التي تُخاض عليها، بل ربما تترك تداعيات جيوسياسية قد تغيّر كثيراً من وجه المنطقة.    

لكن، حتى لا نستغرق كثيراً في التقديم لهذا التصوّر، دعونا نذهب مباشرة إلى عرض الخيارات التكتيكية التي قد تذهب إليها "إسرائيل" للتعامل مع ما بات يُعرف، في دوائر صنع القرار فيها، بـ "معضلة الجبهة الشمالية"، والتي، منذ الانسحاب الإسرائيلي من معظم المناطق في جنوبي لبنان في 25 أيار/مايو 2000، وبعد انتهاء عدوان تموز/يوليو 2006، وصدور قرار مجلس الامن 1701، وانتشار القوات الدولية عند الحدود بين الجانبين، فإنها بقيت على حالها كأخطر جبهة على الكيان الموقّت.

ويُنظر إلى هذه الجبهة على أنها يمكن أن تشتعل في أي لحظة، وخصوصا في ظل وجود عدد من صواعق التفجير التي يمكن لها نسف حالة الهدوء من دون سابق إنذار، على غرار فرض الاحتلال الصهيوني سيطرته على الجزء الشمالي من قرية الغجر، أو نصب حزب الله خيامه في الجزء اللبناني من مزارع شبعا المحتلة.

هذه الحال عبّر عنها المحلل العسكري الإسرائيلي المعروف، أمير بوخبوط، في موقع "والاه"، عندما قال إن المواجهة مع حزب الله باتت أقرب من أي وقت مضى، ولا سيما في ظل تمتّع السيد حسن نصر الله بثقة عالية بالنفس، بسبب قراءته مجمل التحركات الإسرائيلية في الميدان، وبسبب الاحتجاجات الداخلية التي تعصف بالكيان الصهيوني، على حد تعبير بوخبوط.

خيارات صعبة

تبدو كل الخيارات الإسرائيلية في مواجهة التهديد المقبل من الجبهة الشمالية، كما يُطلِق عليه كل الخبراء العسكريين الصهاينة، صعبةً ومحفوفة بمروحة واسعة من المخاطر، ويمكن لنا أن نصف تلك الخيارات بأن "أحلاها مُر"، مع إمكان أن يتحول هذا المرار إلى علقم في حال ساءت الأمور أكثر مما هو مُتوقع لها. 

ولا تقتصر صعوبة تلك الخيارات وخطورتها بسبب الظروف، التي يصفها البعض بالكارثية، والتي يمر فيها الجيش الإسرائيلي، ولا سيما ذراع البر فيه، والذي يعاني فشلاً، عملياتياً وتكتيكياً، ظهر جليّاً في معركة مخيم جنين الأخيرة، ليس فقط بسبب أزمة قوات الاحتياط التي يشكّل عديدها القوام الأساسي لأي عملية عسكرية برية واسعة، وخصوصاً تلك التي ستتطلّب مناورة عسكرية ميدانية في مسرح عمليات خطِر ومعقّد، وإنما أيضاً بسبب الأزمة السياسية الداخلية للكيان الصهيوني، والتي من الممكن أن تعصف بمؤسسات "الدولة" وتماسكها، وهي قريبة بصورة لم تحدث من قبلُ من إحداث شرخ حقيقي داخل المجتمع الصهيوني، وداخل المؤسسات الرئيسة التي تقوم عليها أساسات الكيان العبري، وهو الأمر الذي يمكن أن يُضعف موقف الائتلاف الحاكم، ويُفقده الدعم اللازم للاستمرار في العملية العسكرية في حال إقرارها، وربما يعرضه للانهيار والسقوط عند اول ضربة تتلقاها الجبهة الداخلية الصهيونية، والتي تُعَدّ الحلقة الأضعف والخاصرة الرخوة، والتي كانت على الدوام سبباً رئيساً في عدم تمكن العدو من حسم معاركه العسكرية في الأعوام العشرة الأخيرة.

وبالتالي، بناءً على ما تقدم من أسباب، فإنه يمكن لنا أن نتوقع أن الإقدام على عملية عسكرية ضد "حزب الله" في لبنان، بغض النظر عن حجم تلك العملية ونوعها ومداها، فإن من شبه المؤكد ان يكون الإقدام عليها بمثابة قرار انتحار جماعي للائتلاف الحاكم في "إسرائيل"، وتحديداً لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الأمر الذي يعني تفكك ائتلافه وسقوطه ذهابه مباشرة إلى السجن على خلفية قضايا الفساد المرفوعة ضده في المحاكم الصهيونية، والتي يسعى جاهداً للتخلص منها، مهما كلفه ذلك من ثمن. 

ويمكن لنا ان نلاحظ وجود 3 خيارات تكتيكية يمكن أن يلجأ إليها متخّذ القرار الإسرائيلي للتعامل مع الكابوس الجاثم عند الحدود الشمالية، والذي، كما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين، انتقل من مرحلة التخفّي والاستتار، إلى مرحلة "على عينك يا تاجر"، والتي شكّلت صدمة لأجهزة أمن العدو واستخباراته، والتي فوجئت بجرأة مقاتلي حزب الله وجسارتهم، والذين أصبحوا يسيّرون الدوريات بمحاذاة السياج الفاصل بصورة علنية ومكشوفة. والأهم من ذلك أنهم باتوا يرصدون ويوثّقون بالصور زيارات المسؤولين العسكريين الصهاينة للمناطق الحدودية، والذين كان آخرهم رئيس هيئة الأركان، هرتسي هاليفي. 

الخيار الأول: الحل الديبلوماسي

يميل معظم القادة الإسرائيليين، السياسيين والعسكريين، إلى ضرورة استنفاد كل الحلول الديبلوماسية لتهدئة الأوضاع عند الجبهة الشمالية، وسحب كل الذرائع التي يمكن لها أن تفجّر مواجهة عسكرية واسعة. وهم في ذلك يطرحون تكرار نموذج أزمة غاز "حقل كاريش"، والتي كادت تؤدي إلى حرب واسعة بين الكيان الصهيوني والمقاومة الإسلامية في لبنان، بحيث تم سحب فتيلها في اللحظات الأخيرة بفعل الوساطة الأميركية الحثيثة، والتي أفضت في نهاية المشوار إلى الوصول إلى اتفاق يحفظ للجانب اللبناني حقه في استخراج النفط والغاز من منطقته الاقتصادية في البحر المتوسط، والتي كان الكيان الصهيوني يسعى للاستحواذ عليها بالقوة، كما هي عادته. 

 وعلى رغم أن قيادات عسكرية واستخبارية وازنة في المؤسسة الإسرائيلية لا تفضّل الحل الديبلوماسي، وتريد الذهاب إلى الخيار العسكري، وإن كان بصورة منضبطة ومحدودة، على غرار رئيس جهاز الموساد ديفيد برنيّع، فإن قادة آخرين يعارضون بشدة الذهاب نحو هذا الخيار، ويرغبون في إعطاء مساحة أوسع حجماً واطول وقتاً للحلول الديبلوماسية. ويقف على رأس هؤلاء رئيس هيئة الأركان هرتسي هاليفي، ورئيس جهاز الأمن القومي أهارون حليفا، وقائد المنطقة الشمالية في الجيش الصهيوني الجنرال أوري غوردين، مضافاً إليهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وعدد آخر من أعضاء حزب الليكود، الذين يرون أن الذهاب إلى الحرب لن يحل المشكلة، بل ربما يزيد في حجم المشاكل التي تواجه نتنياهو شخصياً، والتي ستنعكس سلباً على الحزب من دون أدنى شكّ. 

الخيار الثاني: معركة عسكرية محدودة

هذا الخيار، الذي يدعمه كما أشرنا أعلاه رئيس جهاز الموساد برنيّع، وقادة آخرون، أمثال وزير الحرب يوآف غالانت، وإن على نحو أقل حماسةً، يُعَدّ أقرب الخيارات الممكن حدوثها في المرحلة المقبلة، ويعود ذلك إلى محاولة المؤسسة العسكرية في "إسرائيل" الخروج من حالة الإحباط والعجز، اللذين سيطرا عليها مؤخراً في ظل فشلها في تحقيق أي إنجاز يُذكر في الأعوام الأخيرة، ولا سيما في جبهتي غزة والضفة المحتلة، على رغم الجهد الكبير التي قامت به في هاتين الجبهتين، بالإضافة إلى زيادة وتيرة المشاكل داخل أروقة الجيش، والتي وصلت ذروتها إلى أزمة الجنود الرافضين للخدمة، احتجاجاً على محاولات الائتلاف الحاكم تمرير حزمة من القرارات تحت عنوان "التعديلات" القضائية.

يُعَدّ خيار الذهاب إلى معركة عسكرية محدودة، تستمرّ عدة أيام، خياراً مفضّلاً لدى جزء كبير من الأوساط الإسرائيلية، وهو الأسلوب الأكثر ملاءمةً، والذي باتت تستخدمه "إسرائيل" خلال الأعوام الأخيرة، وتسعى من خلاله لتحقيق إنجازات عسكرية وسياسية، في مقابل أقل قدر ممكن من الضرر والخسائر في صفوف قواتها، او على صعيد جبهتها الداخلية.

أصبح من المسلّمات، خلال الأعوام الماضية، دخول "الجيش" الإسرائيلي في معارك من هذا النوع، ولا سيما في جبهة قطاع غزة، بين الفينة والأخرى، والتي يُنظر إليها إسرائيلياً على أنها أضعف من جبهة لبنان، ويمكن الاستثمار سياسياً وعسكرياً فيها، وخصوصاً في ظل نأي بعض فصائل المقاومة بنفسها عن المشاركة في جزء من المعارك، تحت أسباب وذرائع متعددة.

ومع أن الوضع في الجبهة الشمالية يتباين، جملة وتفصيلاً، عن جبهة غزة، ولا مجال لمقارنة القدرات العسكرية الهائلة لحزب الله، الذي يحظى بدعم مفتوح من محور المقاومة، ويستفيد من الطرق المفتوحة لوصول هذا الدعم، بما لدى المقاومة الفلسطينية في القطاع المحاصر، والذي أصبحت تعتمد فيه بصورة شبه كاملة على التصنيع المحلي، إلا أن إمكان ذهاب "الجيش" الصهيوني إلى معركة من هذا الحجم واردة بقوة. وهو يعتقد، ومن ورائه المستوى السياسي، أنه قادر على إحداث تغيير ولو محدود في معادلة الردع بينه وبين حزب الله، وأن هذا التغيير يمكن البناء عليه في المستقبل للحد من قدرات الحزب، وحشره في الزاوية في ضوء أوضاع داخلية صعبة يعانيها المواطنون اللبنانيون.

إلّا أن هذا الخيار يمكن أن يخرج عن السيطرة، على نحو يؤدي إلى تدحرج العملية المحدودة إلى عملية واسعة، يتطلب العمل عليها مشاركة بارزة للقوات البرية، على نحو يذهب بالأوضاع إلى اتجاه آخر تماماً لا تتمنّاه "إسرائيل".

الخيار الثالث: معركة عسكرية واسعة

سعت "إسرائيل" دائماً لجعل معاركها العسكرية قصيرة زمنياً، ومحدودة مكانياً. وإن خرجت مضطرة في بعض الاوقات عن هذا النسق، على غرار حرب تموز/يوليو 2006، وغزة عام 2014، فإن أغلبية حروبها في الألفية الجديدة اتسمت بالسرعة والمباغتة، وبمحاولة تحقيق أهدافها في أقصر مدة زمنية ممكنة، بحيث تسعى "إسرائيل"، على الدوام، لتجنيب جبهتها الداخلية أي أضرار محتملة، وتحاول جاهدة، من خلال استخدام كل الوسائل، تقليل حجم الخسائر المادية والبشرية، والتي تمس، بحسب وجهة النظر الإسرائيلية، بـ"هيبة الدولة، واستقرارها"، وبالصورة التي رسمتها لنفسها خلال القرن الماضي على أنها "دولة حصينة وقوية، وغير مسموح لأحد أن ينال من حصانتها ومنعتها". 

هذه الحال تغيّرت خلال الأعوام العشرين الأخيرة تقريباً، على نحو أصبحت فيه المدن الصهيونية تحت مرمى صواريخ المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ولم تعد منظومات الدفاع الجوي لجيش الاحتلال قادرة على التصدي لسيل الصواريخ والقذائف، مضافاً إليها سلاح الطائرات المسيّرة، والذي بات رعباً يؤرّق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، والتي تتخوّف من استخدامه بصورة واسعة خلال أي معركة مقبلة. 

إلّا أن الخوف والقلق هذين ربما لا يكونان كافيين لمنع إسرائيل من خوض معركة واسعة مع حزب الله، في ظل حاجتها إلى أي إنجاز يرمّم صورتها المهزوزة، ويجمع شتات مجتمعها المنقسم. وهي، إن كانت لا ترغب في شكل كهذا للمعركة، باستثناء جعجعات بن غفير وسموتريتش، فإنها قد تجد نفسها مضطرّة إلى خوضها رغماً عن أنفها في ظل ظروف كارثية تحيط بجيشها، وتطورات دراماتيكية قد تحدث في ساحتها الداخلية.

هذا الشكل من المعارك سيجعل "الجيش" الإسرائيلي المتهالك والمشتّت يدفع معظم قواته إلى جغرافيا معقّدة، تحيط بها حقول الألغام، والصواريخ المضادة للدروع، وقوات النخبة في حزب الله، والتي جرّب بعض بأسها عام 2006، وهي لم تزل غضّة طريّة، فما أدراك اليوم وقد اكتسبت خبرات هائلة، وامتلكت إمكانات نوعية، وباتت من أكفأ القوات المقاتلة على مستوى العالم.

ربما يعتقد البعض أن العدو الصهيوني يمتلك من الذكاء والفطنة والخبرة، ما يمكّنه من اختيار الأسلوب الأكثر ملاءمةً والأنجع للتعامل مع الخطر القادم من الشمال، وأن مروحة خياراته للتصدي لذلك الخطر ربما تكون أوسع من تلك التي أشرنا إليها، ولا سيما أنه يملك حليفاً قوياً كالولايات المتحدة الأميركية، التي تعلن باستمرار أن علاقتها بـ"الدولة" العبرية هي علاقة استراتيجية، لا يمكن المساس بها، او التخلي عنها، على رغم الموقف المعلن من حكومة نتنياهو في ظل وجود المتطرفين بن غفير وسموتريتش. 

إلّا أن التجربة مع هذا الكيان، وخصوصاً في الأعوام الأخيرة، أثبتت أن خياراته لم تعد تصيب في كثير من الأحيان، وأن أغلبية سهامه التي أطلقها تجاه أعدائه طاشت وضلّت طريقها، وأن التفوّق الكاسح، الذي كان يحظى به ضد خصومه، تقلّص إلى أدنى مستوى ممكن، الأمر الذي جعل خططه تفشل، وأهدافه تسقط، وخياراته يُحيط بها الإخفاق من كل جانب. 

ليس هذا فحسب، بل إن خصومه في المنطقة أصبحوا أيضاً أكثر قوة، وجرأة، وخبرة، وباتوا يملكون من الإمكانات العسكرية الحديثة، والخبرات القتالية الكبيرة، ما يمكّنهم من إساءة وجه عدوهم، وإلحاق الهزائم به، في كثير من المواجهات والساحات. 

في الجزء المقبل، بمشيئة الله، سنتحدث عن خيارات حزب الله في حال قيام العدو الإسرائيلي بشن حرب على لبنان، سواء أكانت محدودة أم واسعة، مع التذكير بقدرات الحزب التي أشرنا إليها في مقالات سابقة.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".