غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

عندما يتدخل نتنياهو لحظر سفر المرابطة المقدسية هنادي حلواني

محمد جرادات

الكاتب محمد جرادات

يزور نتنياهو الولايات المتحدة الأميركية سبع مرات خلال فترة حكم ترامب الثانية، ولكنه قبل أن يصعد مدرج طائرة جناح صهيون الخاصة برئيس الوزراء، يتذكّر مهمّة خطيرة لا بدّ أن يعالجها قبل سفره، وبصفته رئيساً للوزراء وليس قائماً بأعمال وزير الداخلية، وهو يسافر بكثرة خاصة بعد أن أصبح مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية بصفته مجرم حرب، ربما ليتجاوز هذه العقدة، فيتذكّر في غمرة سفره أنّ هناك مواطنة فلسطينية ليست سوى معلمة مقدسية نبتت من طين واد الجوز تحت سقف تطلّ شرفاته على المسجد الأقصى، تحمل شهادة ماجستير حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، يتوجّب أن لا تشارك نتنياهو السفر خارج البلاد!!!

إنها المرابطة في ساحات الأقصى، وصاحبة تحدّي "مقلوبة القدس"، والتي جعلت شرطة الاحتلال تعتقلها وتحقّق معها وتداهم بيتها نحو 62 مرة، مع منع دائم من الدخول للأقصى منذ عام 2015، يترك نتنياهو مشاغله التي لا تعدّ ولا تحصى، والتي تجعله يتغيّب عن جلسات محاكماته المتسلسلة بحجة الأسباب الأمنية التي لا تنتهي، ولكنه يحتفظ بقدر وفير من الوقت ليوقّع على كتاب مفصّل ممهور باسمه الشخصي وموقعه الرسمي، في حظر هنادي من السفر لأنّ في سفرها خطراً على أمن "الدولة".

حرص نتنياهو منذ تسعينيات القرن الماضي على إثارة الرعب من الخطر الإيراني، وخاض وفقاً لذلك حرباً مع إيران قبل بضعة شهور، وهو اليوم يقف على أعتاب دفع أميركا بقدّها وقديدها لتحارب إيران بالنيابة عنه، ولكنه وهو في غمرة هكذا تطوّر يشدّ العالم من أقصاه إلى أقصاه، يتنبّه لخطر داخلي اسمه الرباط في المسجد الأقصى، وهنادي بصدد السفر، ولكنّ نتنياهو يتعامل معها وكأنها تحمل أسرار كيانه، وإذا خرجت بها فربما تنقلها إلى إيران المتحفّزة لقصفه، وإيران فعلتها مرات وتتأهّب لتعيد الكرة، وهي على مسافة شهر من يوم القدس العالمي، يوم صار في عقيدة إيران ملحمة وطنية تتربّى عليها الأجيال.

كيف يتصوّر أن تحتلّ مرابطة مقدسيّة هكذا هاجس في العقل الإسرائيلي؟ ولماذا يعطيها نتنياهو هذه الأهمية الشخصية؟ وهل يعكس هذا الحظر من السفر عبر أعلى سلطة في الكيان الإسرائيلي موقع المسجد الأقصى كتحدٍ دائم في سلّم أولويات القيادة الإسرائيلية؟ 

يمثّل قرار نتنياهو هذا بمنع المقدسيّة هنادي حلواني من السفر، مقدّمة في سلسلة إجراءات يبدو أنّ حكومة الكيان قد أقرّتها في طريق الضمّ الفعلي للضفة، بموازاة الضغط الكامل على أهل القدس، ويؤكّد ذلك أنّ هذا القرار ضدّ هنادي، تبعه قرار آخر من نتنياهو شخصياً أيضاً، وذلك أثناء وجوده على متن الطائرة الرئاسية جناح صهيون، قرار يقضي بطرد اثنين من منفّذي عملية فدائية من حملة ما يسمّى الهوية الإسرائيلية، خارج أراضي ما يسمّى "دولة إسرائيل".

 قرار نتنياهو بإبعاد أسرى محرّرين من القدس إلى غزة، وذلك للمرة الأولى منذ إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون "تجريد الجنسية وترحيل المسلحين" قبل ثلاثة أعوام، ويشمل هذا القرار طرد الأسير المحرّر محمود أحمد، والمفرج عنه عام 2024، بعد أن قضى في الأسر 23 عاماً، وكذلك الأسير محمد أحمد هلسة، والمحكوم بالسجن 18 عاماً، ليتمّ ترحيله فور إطلاق سراحه، وقد تبقّى من مدة حكمه 9 سنوات.

تعيد قرارات نتنياهو ضدّ المرابطة المقدسيّة هنادي، وضدّ أسرى وأسرى محرّرين مقدسيّين، تطوّرات القضية إلى أصلها التاريخي، وهي تعكس جملة من القضايا الجوهرية:

أوّلها: مركزية الصراع على القدس والمسجد الأقصى في العقل الإسرائيلي الرسمي، حتى في وقت الحرب الإقليمية المصيرية، وهي حرب يدرك نتنياهو مخاطرها الوجودية، ولكنه يظل طوال الوقت يعتبر المرابطة في القدس منبع الخطر الوجودي الداخلي، مهما تعاظمت المخاطر الخارجية.

ثانيها: هاجس فقدان الشرعيّة الذي يكرّسه فعل هنادي، وهي تحوّل طبخة المقلوبة الفلسطينية، من مجرّد طعام شعبي روتيني، إلى أداة كفاحيّة في نفي الشرعيّة عن الغرباء المحتلّين، لهذا تحوّلت هذه الطبخة إلى أداة جريمة تفضح زيف الرواية التاريخية الإسرائيلية، وهي رواية تفتقد لأدوات الانتماء للأرض المقدسيّة، فيما تقاتل هنادي هذا الزيف بالطعام الشعبي الذي دفع الآلاف من الفلسطينيين ليقلبوا طبيخهم في قدور ساحات المسجد الأقصى، في جوّ احتفالي صار عرفاً شعبياً يغيظ المحتلين الطارئين على هذه الأرض، وهو ما يجعل نتنياهو يستشعر مخاطر هذه الأدوات الشعبية، فيعطيها وقته ليحاربها حتى وهو يتطلّع إلى مشروع "إسرائيل الكبرى".

ثالثها: استغلال نتنياهو لأوقات الأزمات ليسدّد طعناته في قلب القضية الفلسطينية، وقد سبق له أن نجح في إقناع ترامب لينقل سفارة أميركا إلى القدس، وذلك خلال فترة حكم ترامب السابقة، وهو اليوم يتهيّأ ليستثمر تطوّرات الهزيع الأميركي الغربي ضدّ الجمهورية الإسلامية في إيران، فالقنبلة الأميركية التي تستهدف إيران ينبغي أن تضع حدّاً ليوم القدس العالمي الذي أطلقه مفجّر الثورة الإسلامية الإيرانية قبل 47 عاماً بالتمام والكمال، وحتى يكتمل المشهد الإجرامي الإسرائيلي الأميركي ضدّ الأمة الإسلامية وقلبها النابض في طهران، يتوجّب طمس كلّ معلم إسلامي أو وطني في القدس، وهي أصل الحكاية ونبع التحدّيات.

مشروع تهويد القدس الذي انطلق منذ عام 1967، يتفاعل عبر إجراءات متسارعة يشرف عليها نتنياهو بشحمه ولحمه، ليدخل على ظهرها انتخاباته الأخيرة ليكرّس نفسه كآخر ملوك "إسرائيل" وحاكمها التاريخي، ولم يتبقَّ من يعوق أحلامه الوردية إلّا معلمة في مدرسة عنيدة، تشهر عنادها الأزلي الممتد منذ فتح خيبر حتى فتح القدس، تاريخ يجلد ظهر نتنياهو ويحرق قلبه، ويبدو أنّ الوقت قد أزفّ ليطوي صفحاته، أو هكذا يظنّ.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".