غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

المقاومة تُعيد رسم حدود انتشارها في قطاع غزة.. لماذا الآن؟

أحمد عبد الرحمن
بقلم الكاتب: أحمد عبد الرحمن

لا يمكن إنكار حقيقة أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة قد فقدت جزءاً كبيراً من الجغرافيا التي كانت تناور فيها قبل معركة "طوفان الأقصى"، ولا يمكن كذلك إغفال التحوّل الكبير والملموس الذي طرأ على حدود السيطرة الميدانية بينها وبين "جيش" الاحتلال، إذ تقلّصت المساحة التي كانت تسيطر عليها المقاومة وتملك فيها أفضلية عملياتية وقتالية إلى أقل من النصف، وفقدت كذلك بعض العوامل المساعدة التي كانت تعتمد عليها في مواجهتها المستمرة مع الاحتلال، ومن أهمّها عامل المفاجأة، والذي انخفض تأثيره بشكل كبير ويكاد يتلاشى في ظل تغيّرات ما بعد الهدنة، والتي منحت العدو المدجّج بكل أنواع الأسلحة، إضافة إلى الغطاء السياسي والقانوني الذي توفره له حليفته الاستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية ،تفوّقاً لا تخطئه عين، خصوصاً مع انكفاء دور الوسطاء الإقليميين، والذين اتسمت مواقفهم بالعجز والسلبية خلال الأشهر الأربعة المنقضية من عمر اتفاق وقف إطلاق النار.

في المرحلة التي سبقت انطلاق "طوفان الأقصى" كانت المقاومة بفصائلها وتشكيلاتها العسكرية كافة تنتشر في طول قطاع غزة وعرضه، وتملك مواقع عسكرية كبيرة ومتعدّدة المهام في كل مدنه ومحافظاته، بل تكاد بعض تلك المواقع تلامس حدود القطاع الشرقية والشمالية، ولا تبتعد سوى بضعة مئات من الأمتار عن مواقع العدو، الذي لم يكن يجرؤ، رغم امتلاكه كل الأدوات اللازمة لذلك، على إطلاق رصاصة واحدة على مواقع المقاومة، أو بالقرب منها، بل إن رجال المقاومة كانوا يتجوّلون بسياراتهم وعرباتهم رباعية الدفع بمحاذاة السياج الحدودي، من دون أن يتعرّض لهم الاحتلال بأي أذى.

هذا الواقع الذي كان نتيجة مباشرة لمعادلة الردع التي كانت قائمة بين المقاومة والاحتلال آنذاك اختفى تماماً بعد انطلاق "الطوفان"، وحلّ بدلاً منه واقع جديد انتقلت من خلاله المقاومة للعمل تحت الأرض تجنّباً لاستهدافات العدو، الذي كما أشرنا أعلاه يملك أفضلية وتفوّقاً كبيرين على مستوى الإمكانيات القتالية، والتي لا يمكن مقارنتها من قريب أو بعيد بتلك التي تملكها المقاومة، والتي لا تصلح لخوض مواجهة مباشرة أو مفتوحة مع "جيش" الاحتلال.

على صعيد السيطرة الجغرافية، حدث تحوّل كبير ولافت، تمثّل في سيطرة "جيش" الاحتلال على معظم أراضي القطاع، وإن افتقد في كثير من الأحيان للسيطرة المطلقة والمستدامة باستثناء مدينة رفح جنوب القطاع، والتي كانت آخر المدن التي تعرّضت للهجوم البري، غير أنها كانت أولاها التي تمت السيطرة عليها بشكل كامل ومُستدام، وهو الأمر الذي يستمر حتى وقتنا الحالي.

نتيجة هذا التحوّل، اضطرّت المقاومة إلى تغيير تكتيكاتها السابقة، سواء من ناحية الانتشار الميداني، أو ما يتعلّق بخطط القتال ومسارح العمليات التي هي بحاجة إليها، بل إنها انتقلت في الشهور الخمسة الأخيرة من الحرب بعد بدء عملية "عربات جدعون 2" إلى الدفاع المتأخّر، والذي حاولت من خلاله تقليص حجم الخسائر في صفوف مقاتليها وفي صفوف المدنيين أيضاً،خصوصاً بعد أن رفع "جيش" الاحتلال من وتيرة استخدامه للعربات المفخخة الانتحارية، والتي لم يكن بالإمكان التصدّي لها أو إبطال مفعولها في معظم الأحيان، وكان حجم انفجارها يطال مساحة واسعة من الأرض، ويؤدي إلى خسائر كبيرة وفادحة.

استمر هذا التغيير في التكتيكات، خصوصاً تلك الخاصة بالانتشار والتموضع لدى المقاومة، حتى دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، حيث حاولت بعده العودة إلى الحالة التي كانت عليها قبل الحرب، أو قريباً منها، إذ عمدت إلى نشر مجموعات صغيرة من مقاتليها على نقاط التماس الجديدة التي أفرزتها التهدئة، والتي حاذت في معظمها ما يُسمّى بـ "الخط الأصفر"، وهو الذي بات بديلاً للحدود التي كانت معروفة سابقاً، والتي كانت أكثر بعداً عن مراكز مدن ومحافظات القطاع.

هذه المحاولة لإعادة التموضع إلى سابق عهده قوبلت باستهدافات إسرائيلية واسعة، سواء من خلال التمشيط المدفعي اليومي للحدود المستجدّة وأحياناً خارجها، أو بواسطة القصف الجوي من الطائرات الحربية، والتي عمدت إلى استهداف وتدمير معظم إن لم يكن كل البيوت أو ما تبقّى منها، والتي تقع على حدود المنطقة الصفراء.

في أحيان أخرى، تم استهداف عديد المجموعات التي  اكتشفت أماكن انتشارها، وسقط جرّاء ذلك شهداء وجرحى، وفي أحيان أخرى، توغلت دبابات ومدرعات العدو إلى أماكن قريبة جداً منهم، وحاولت الإطباق عليهم من ثلاثة اتجاهات، ما دفع المقاومة لاحقاً إلى سحب معظم مجموعاتها المتقدّمة، وإلى إخلاء المناطق القريبة من الحدود الجديدة من أي وجود لمقاتليها، واستبدال ذلك بنشرهم في عمق المناطق العمرانية، والتي توفّر جزءاً أكبر من الحماية لهم.

مؤخراً، وخلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، وعلى الرغم من حملة الاستهدافات والاغتيالات المركّزة التي نفذها "جيش" الاحتلال في قطاع غزة، والتي باتت تتكرر كل عدّة أيام تقريباً بحجج واهية وكاذبة، عادت المقاومة كما تشير بعض المصادر إلى نشر مجموعات من مقاتليها في مناطق أكثر قرباً من "الخط الأصفر"، سواء من خلال نقاط رباط ثابتة في الليل والنهار، أو من خلال ما يُعرف في قطاع غزة بـ"الرباط " الليلي، والذي يقتصر فيه وجود المقاتلين على أوقات الليل المتأخّرة فقط، وهو وجود يحظى بقدر كبير من السرية والكتمان مخافة تعرضهم للقصف والاستهداف .

من وجهة نظر الكثير من المتابعين والمختصّين، تقف مجموعة من الأسباب وراء هذا القرار الذي فاجأ الكثيرين، ولا سيّما أنه جاء في ظل تصاعد العدوان، وتكثيف عمليات القصف في طول القطاع وعرضه، إضافة إلى أنه جاء بعد قيام قوات الاحتلال بتوسيع مساحة "المنطقة الصفراء"، وتحريك حدودها مرات عديدة باتجاه الغرب، حيث باتت في معظم محاورها تحاذي شارع صلاح الدين الحيوي والمركزي.

أول هذه الأسباب هو حدوث ما يُوصف بـعمليات "خرق أمني" في عمق المناطق التي تنتشر فيها المقاومة، أي في قلب المدن التي تقع خارج سيطرة "جيش" الاحتلال، والتي وقفت وراءها الميليشيات العميلة المتعاونة مع الاحتلال، إذ نجحت هذه المجموعات التي تملك تسليحاً جيداً، ومعلومات استخبارية توفّرها لها قوات العدو، بالإضافة إلى الغطاء الجوي من طائرات الاستطلاع الصهيونية بأنواعها المختلفة، في تنفيذ عدّة عمليات خطيرة للغاية، وقعت اثنتان منها في قلب مدينة غزة، حيث اختطف اثنان من كوادر المقاومة في عمليّتين منفصلتين، فيما وقعت العمليّتان الأخريان في كلٍّ من مخيم المغازي ومدينة خان يونس، ونتج عنهما اغتيال اثنين من كبار قادة جهاز الأمن الداخلي،وهو الجهاز الذي يُعنى بشكل أساس بملاحقة العملاء والجواسيس.

هذا الخرق مثّل جرس إنذار لدى قيادة المقاومة، التي باتت تتخوّف من تعاظم دور هذه المجموعات العميلة، والتي تسللّت كما أشارت التحقيقات من مناطق سيطرة قوات الاحتلال، وعادت بعد تنفيذها إلى  تلك المناطق نفسها، مستغلّة حالة الفراغ الأمني في المناطق الحدودية، وعدم وجود مجموعات من المقاومين فيها.

بعد إعادة انتشار المقاتلين، أُفشلت عدّة عمليات جديدة، واعتُقل العشرات من أعضاء تلك الميلشيات، وحدثت اشتباكات مسلّحة بين المقاتلين والعملاء في أكثر من محور، ولولا تدخّل طائرات الاحتلال لوقع عدد كبير من العملاء بين قتيل وأسير.

سبب ثان يراه البعض يقف وراء عودة انتشار مقاتلي المقاومة قريباً من "الخط الأصفر"،  متعلّق بزيادة نسق عمليات الاحتلال قريباً من ذلك الخط، وعلى كلا جانبيه، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة تقدّماً لقوات الاحتلال إلى مناطق أكثر قرباً من حدود المناطق الفلسطينية، والتي توجد فيها كثافة سكّانية هائلة نتيجة انحسار المساحة الإجمالية للقطاع، وقيام تلك القوات بمهام تبدو من وجهة نظر المعنيين تمهيدية لنشاطات أوسع قد تصل إلى مناورة برية متكاملة الأركان في مرحلة ما قد لا تكون بعيدة.

وبناءً عليه، ترغب المقاومة في تموضع مقاتليها في مناطق قريبة نسبياً من وجود "جيش" الاحتلال، وذلك لضرورات عملياتية لها علاقة بسرعة رد الفعل في حال حدوث أي طارئ، إلى جانب إشرافها استخبارياً ولو بالحد الأدنى على مجمل تحركات العدو في مناطق سيطرته التي يمكن أن تكون منطلقاً لعمل بري مُتوقّع، خصوصاً في حال تعثّر اتفاق التهدئة، والذي يبدو أن العدو يسعى إلى التنصّل منه وإسقاطه لاستكمال حرب الإبادة ضد المدنيين الفلسطينيين، ولتحقيق النصر المطلق والحاسم الذي يتحدث عنه منذ أول أيام العدوان.

أما في ما يتعلّق بالسبب الثالث فهو مرتبط بشكل مباشر بالسبب الثاني المذكور أعلاه، وهو سعي المقاومة لرفع درجة الجهوزية القتالية في صفوف مقاتليها وجنودها، وهم الذين دخلوا منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في مرحلة من الراحة السلبية بعد ما بذلوه من جهد غير مسبوق طوال أشهر الحرب، وبعد ما تعرّضوا له من ضغوطات هائلة كادت لولا رباطة جأشهم وصبرهم ومثابرتهم أن تكسر شوكتهم.

تدرك قيادة المقاومة أكثر من غيرها أن ركون المقاتلين إلى الراحة، وابتعادهم عن ساحات القتال يمكن أن يترك تداعيات سلبية على جهوزيتهم القتالية، كما  على حالتهم النفسية والمعنوية، لا سيّما وهم يتعرضون بين الفينة والأخرى إلى عمليات استهداف من قبل "جيش" العدو أسفرت عن سقوط عدد كبير من كوادرهم وقياداتهم شهداء، وبالتالي بات قرار إعادة المقاتلين إلى مسارح العمليات أو بالقرب منها أمرا ضرورياً، لا سيّما أن نيات العدو المعلنة تشير إلى إمكانية استئناف العدوان من جديد، سواء بشكل واسع أو بشكل جزئي.

رابع الأسباب وبه نختم حتى لا نطيل يتعلّق بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي التي يمكن أن تشهد انتشاراً لما تُسمّى "قوة الاستقرار" الدولية في داخل أراضي القطاع، وهي وإن كانت المقاومة لا تسعى للتصادم معها أو إفشال عملية انتشارها، إلا أنها تبقى متوجّسة من دخول هذه القوات في ظل غموض كبير يحيط بأدوارها المتوقّعة، والتي حسب التصريحات الأميركية والإسرائيلية لا تُبشّر بخير.

وبالتالي، تسعى المقاومة في غزة للبقاء مستعدّة لمواجهة أي طارئ، خصوصاً في حال كان أحد أدوار تلك القوات هو نزع سلاح المقاومة، وهو الملف الشائك والمعقّد الذي يخشى الكثيرون من تبعاته.

على كل حال، وعلى الرغم من أن الخطوة التي اتخذتها المقاومة تحمل في طيّاتها مخاطر جمّة، خصوصاً في ظل التفوّق العسكري الكبير لـ"جيش" الاحتلال، وإشرافه عملياتياً واستخبارياً على معظم الأحداث والتطورات في قطاع غزة، إلا أنها تبقى أقل ضرراً من حالة الفراغ الأمني التي نشأت بعد دخول اتفاق الهدنة حيّز التنفيذ، والتي سمحت بحدوث خروقات أشرنا إلى بعضها في ما سبق، وهي الخروقات التي تقلّصت كثيراً بعد تحرّك المقاومة الأخير، والذي أعاد الكثير من الأمور إلى نصابها.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".