بين هدنةٍ معلنة وسماءٍ مشتعلة، تقف المخيمات الفلسطينية في لبنان شاهدةً على مرحلة جديدة يُعاد فيها اختبار حقوق اللاجئين وحدود السيادة اللبنانية معًا. لم تكن الغارة التي استهدفت مخيم عين الحلوة حادثة عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة ضربات تتكرر منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والاحتلال “الإسرائيلي” في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
في كل مرة، تأتي الرواية الإسرائيلية جاهزة: “مقر حماس”… “هدف لحزب الله”… “إزالة تهديد”. لكن النتيجة على الأرض واحدة: مخيمات فلسطينية تدخل دائرة النار، ومدنيون يدفعون الثمن.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تحوّلت المخيمات في لبنان إلى بنك أهداف جاهز، أم إلى ذريعة سياسية لإعادة هندسة المشهد الأمني في لبنان؟.
أولاً: ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار… الهدوء الذي لم يأتِ
في 27 نوفمبر 2024، بدأ سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والاحتلال "الإسرائيلي"، برعاية أمريكية وفرنسية، بهدف وقف المواجهات وسحب القوات "الإسرائيلية" من الجنوب وتنفيذ القرار 1701، لكن على الأرض، لم يتحقق الهدوء.
تقارير أشارت إلى آلاف الخروقات الإسرائيلية بعد الاتفاق، بينها ضربات جوية واغتيالات داخل لبنان. كما أن تقارير أوروبية تحدثت عن ضربات شبه يومية واستمرار احتلال مواقع جنوب لبنان رغم الاتفاق، أي أن الاتفاق تحوّل إلى هدنة شكلية، بينما بقيت السماء مفتوحة أمام الطائرات.
ثانياً: نموذج الضربات على المخيمات بعد الاتفاق
هذه الغارة على مخيم عين الحلوة لم تكن الأولى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، إنما في تشرين الثاني 2025، استهدفت غارة إسرائيلية موقعاً داخل مخيم عين الحلوة قرب صيدا، زعم الاحتلال أنه “مركز تدريب لحماس”، وسقط خلال العدوان 13 شهيداً بينهم أطفال.
هذا المخيم هو الأكبر في لبنان، ويضم عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، ما يجعل أي ضربة فيه ذات تأثير إنساني وسياسي هائل.
تكرار الضربات على نفس المخيم يطرح سؤالاً: هل المخيمات تحولت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية؟
اغتيالات في صيدا ومحيطها – 2025
في العام الفائت، شنّ الاحتلال "الإسرائيلي" ضربات استهدفت شققاً أو سيارات لقيادات فلسطينية في صيدا ومحيطها، وهنا يتكرر النمط: "اغتيال قيادي → تبرير أمني → سقوط مدنيين".
ثالثاً: حين تتحول المخيمات إلى ملعب للسياسة والحرب
منذ توقيع أي اتفاق، كان الواقع مختلفاً عن أي وعود، فقد سجلت التقارير الإعلامية والمراكز البحثية أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة خرق "إسرائيلي" لوقف إطلاق النار حتى منتصف عام 2025، مع عشرات الغارات على الجنوب خلال العام نفسه، وضربات شبه يومية بحسب تقارير أوروبية، لتبقى المخيمات الفلسطينية في لبنان بمثابة حقل اختبار مستمر لعنف الاحتلال.
أما لماذا المخيمات تحديداً، فالجواب يكمن في طبيعتها، فهي مناطق مكتظة، شبه خارج سيطرة الدولة اللبنانية، تحتوي فصائل متعددة، وأي ضربة فيها لا تعني فقط استهداف المدنيين، بل إحراج لبنان وإرسال رسائل مباشرة لكل الفصائل الفلسطينية بأن الاحتلال لا يعترف بأي خطوط حمراء.
وفي الوقت نفسه، هناك تبرير دولي جاهز، فالحديث عن السيادة يتغير بين لحظة وأخرى: قرية لبنانية؟ سيادة. مخيم فلسطيني؟ مكافحة “الإرهاب”. السياسة الدولية هنا تتحول إلى آلة لتغليف العدوان بشرعية زائفة.
الضربات ليست فقط عن السيطرة الميدانية، بل هي جزء من إعادة تشكيل الأمن في لبنان، فالضغوط لنزع سلاح الفصائل داخل المخيمات واضحة، والضربات تصبح أداة ضغط مفتوحة لتسريع هذا المسار، أي أن كل قذيفة أو غارة هي رسالة مزدوجة: للمقاومة وللعالم بأن الفلسطيني في المخيم لا يملك من الحماية شيئاً.
أما التبريرات "الإسرائيلية" فهي مكررة: إعلان وجود هدف عسكري، تنفيذ الضربة، نشر صور سلاح أو بيان استخباراتي، ثم يحل الغموض، ويسقط المدنيون، ويُعاد تعريف “التهديد الأمني” بما يتيح ضرب أي مكان في أي وقت.
في النهاية، السؤال ليس فقط لماذا تُقصف المخيمات، بل ماذا يُراد للبنان والمخيمات بعد الحرب؟ هل الهدف تفكيك الفصائل، وإعادة رسم الأمن وفق مصالح الاحتلال وحلفائه، أم إبقاء المخيمات في حالة خوف دائم يضمن صمتها وخضوعها؟. الحقيقة المؤلمة أن المخيمات لم تعد مجرد رمز للنكبة، بل أصبحت ساحة حرب مفتوحة يومياً، حيث تُعاد إنتاج المأساة الفلسطينية على أرض لبنان، وتستمر السياسة الدولية والإقليمية في إنتاج الرعب والمعاناة باسم الأمن والاستقرار الزائف.
